من يفكر قبل الذكاء الاصطناعي

من يفكر قبل الذكاء الاصطناعي

كرامة الإنسان والعمل في زمن الذكاء الاصطناعي

بقلم نعمت كرّوم

من تحذير البابا من عالم تُقاس فيه قيمة الإنسان بالكفاءة، إلى تقلص حضور العامل داخل تفاصيل عمله، إلى دخول اللغة نفسها في منطق التبديل والمراجعة بدل الإنتاج، يتضح أن التحول لا يتعلق باستبدال الأدوار بل بإعادة ترتيب موقع الإنسان داخلها.
ما كان سقراط قد أشار إليه في مواجهة الكتابة—حين بدا أن الفهم الحي قد يُنقل إلى نصوص ثابتة خارج الحوار—يبدو اليوم كمرحلة مبكرة من تحول أوسع، حيث لم تعد المعرفة تُنتج داخل التجربة الحية وحدها، بل باتت تُستعاد خارج من ينتجها.
تتفق النصوص الصادرة عن الفاتيكان، وتقارير منظمة العمل الدولية، والمنتدى الاقتصادي العالمي، إلى جانب النقابات، على أن الذكاء الاصطناعي ليس تطورًا محايدًا، بل يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والعمل والمعنى والسلطة.
السؤال لم يعد يتعلق بكفاءة الأنظمة فقط، بل بمن يملك القرار داخلها، ومن يخضع للمراقبة، ومن يُعاد تعريف موقعه، ومن يصبح قابلًا للاستبدال.
في التحولات الصناعية السابقة كان الاستنزاف جسديًا: ساعات العمل، الجهد، التعب.
أما اليوم فالاستنزاف ينتقل إلى الانتباه، إلى القرار، إلى طريقة الحكم نفسها.
المراقبة المستمرة، التقييم الخوارزمي، وقرارات التوظيف أو الاستبعاد المؤتمتة، تجعل العامل يُقاس بما يمكن تحويله إلى بيانات، لا بما يعيشه في عمله.
وتشير تقارير منظمة العمل الدولية إلى أن التحول الرقمي لا يؤدي فقط إلى اختفاء وظائف، بل إلى إعادة توزيع العمل نفسه عبر تجزئة المهام، ما يجعل الاستقرار المهني أكثر هشاشة.
يرى برنار ستيغلر أن المعرفة لم تعد تُنتج داخل الفعل الإنساني، بل تُعاد صياغتها عبر أنظمة تقنية، فيصبح الإنسان أقل مشاركة في إنتاجها وأكثر تلقّيًا لها.
ومع توسع هذه الأنظمة، لا تبقى المعرفة وحدها، بل يصل أثرها إلى الانتباه والرغبة وما يُعتبر مهمًا.
لم تعد السلطة محصورة في الدولة أو القانون.
هي تتوزع بين شركات تقنية كبرى، وأنظمة خوارزمية مغلقة، وبنى بيانات ضخمة تعمل خارج الرقابة التقليدية.
لا تحتاج هذه السلطة إلى عنف مباشر.
تعمل عبر تنظيم السلوك، وتوجيه الاختيار، وضبط الإدراك بشكل غير مرئي.
هنا يصبح الإنسان أقل فاعلية داخل النظام، وأقرب إلى متلقٍ للقرارات بدل أن يكون مصدرًا لها.
يرى جورج برنانوس أن الحضارة الحديثة، مهما اختلفت أشكالها، تنتهي إلى منطق واحد: الكفاءة والإنتاج.
«إن الدولة التقنية لن يكون لها غدًا إلا عدو واحد: الرجل الذي لا يحب الجميع، أو الرجل الذي لديه وقت ليضيعه، أو ببساطة: الرجل الذي يؤمن بشيء غير الدولة التقنية.»
في هذا المنطق لا يعود الاختلاف الإنساني اختلافًا، بل خللًا.
والإنسان الذي يتأمل أو يتباطأ أو يخرج عن الإيقاع يُعامل كعنصر زائد، ليس لأنه خاطئ، بل لأنه لا ينسجم مع ما يُطلب منه أن يكونه.
ليس القلق في الذكاء الاصطناعي بوصفه تقنية، بل في ما يفعله بموقع الإنسان نفسه: من مرجع للقيمة والمعنى إلى عنصر يُقاس داخل أنظمة تسبق قراراته وتحدد حضوره.
لم يعد الخطر في القول ولا في الكتابة بل في ما يسبق القول والكتابة.
ولا في ما يُكتب، بل في ما يُحضَّر قبل أن يُكتب.

Spread the love

adel karroum