شروق وغروب – بقلم خليل الخوري – هدى رحلت لتبقى

شروق وغروب – بقلم خليل الخوري – هدى رحلت لتبقى

يا شقيقتي الحبيبة،

بعدك لن يبقى عالمي كما كان، فلأنت شعاع من نورٍ، كم أضاء من الظلمات.

غريب كيف اتسع ذاك الصندوق للقِيَم كلها التي أنعم الله بها عليكِ من الإباء على تواضع، والجمال على عِفة، والكرَم على محبة، والإيجابية على رحابة، والإقدام على ثقة، والخدمة على رضى، والشهامة على ابتسامة، والحق على مكيال واحد، والبيت المفتوح على عطاء، والعطاء على يُسرى لا تدري بما فعلت اليمنى، والإيمان على انفتاح، والإنسانية على سماحة، والمحبة على شمولية…

كيف لذاك الصندوق الذي ضم جسدك النحيل أن يتسع لهذه المزايا كلها والكثير سواها؟

في وداعك المؤلم خفف عنا، يا أختي الحبيبة، التضامن الكبير من الجمهور الحاشد الذي جاء من مزيارة العامرة، بلدة زوجك النبيل المرحوم أنطون أنطون، ومن أنحاء عديدة… هذا الجمهور الذي بقينا واقفين ساعة وربع الساعة نتقبل تعازيه الصادقة، قبل أن ينتهي الصف الطويل والحزن مخيم على الوجوه، والدعاء الصادق من كبيرهم والصغير أن يتقبلك الله في أحضان أمنا العذراء مريم.

كثيرون منهم تحدثوا عن «الست» و «الشيخة» التي ما أقفلت باباً في وجه محتاج، وما أساءت الى أحد، وما لفظت كلمة سوء واحدة في حق أي كان، وما ترددت في عمل خير، وما تلكأت عن إغاثة ملهوف.

أذكر ذات ثلاثة أشهر، أمضيتها وإياكم في دنيا الانتشار، يوم لبنان نار ودمار، تلك الظاهرة التي لم أسمع أو أرَ مثلها من قبل، إنكم كنتم تفتحون الطابق الأرضي من بيتكم أربعاً وعشرين ساعة في اليوم، في تلك المدينة التي تقع في الوسط بين شمال وجنوب نيجيريا، أمام مَن يشاء من اللبنانيين (من مختلف الأطياف والأديان والمذاهب) فيدلف الى قاعة الطعام حيث «السفرة» جاهزة ليلاً نهاراً، وفي غالب الأحيان لم نكن نعرف مَن هم الضيوف الذين يجدون الراحة من مشقة الطرقات الطويلة، ويكون فريق الطهاة في استقبالهم مزوَّداً التعليمات بالقيام بالواجب. وواظبتم على هذا النهج الى حين عودتكم الى لبنان للاستقرار فيه مع ابنتكم الوفية الامينة العزيزة رفقا.

يا أختي الحبيبة

أعرف أنني أخجلت تواضعكما، أنت والمرحوم أنطون، ولعلها ليست خطيئتي الأولى في حقكما. ولكنني أعرف، أنك تصلّين من أجلنا ، هناك من عليائك كي يمنّ علينا الله العلي القدير بالصبر والسلوان لفراقك أيتها الرقيقة الأنيقة النقية المصفّاة.

ولقد حرصت ألّا أكتب هذه الكلمات بالعاطفة، إذ لم يبقَ في المآقي دموع جراء رحيلك المفجع.

الى اللقاء يا هدى الغالية والأغلى. المسيح قام.

Spread the love

MSK