مقاعد بلا نفوذ: الأحزاب العربية في إسرائيل
بقلم نعمت كرّوم
تبدو الأحزاب العربية حاضرة في نتائج الانتخابات الإسرائيلية، لكن هذا الحضور لا يمتد إلى موقع القرار، حيث يبقى الانتقال من التمثيل البرلماني إلى الحكم محكومًا بحدود سياسية ثابتة لا تتغير مع تغيّر الأرقام.
الحديث عن صعود الأحزاب العربية في الكنيست يبقى قراءة سطحية لأرقام تُسوَّق كتحولات سياسية، لكنها لا تمس بنية السلطة. حتى في حال حصول القائمة المشتركة (الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، التجمع الوطني الديمقراطي، الحركة العربية للتغيير، والقائمة العربية الموحدة) على ما يقارب 16 مقعدًا، فإن هذا الارتفاع لا يغيّر ميزان القوة، لأنه يصطدم مباشرة بمنظومة حكم تُنتج الأغلبية مسبقًا.
في هذا النوع من السياسة، لا تُقاس القوة بعدد المقاعد بقدر ما تُقاس بالدخول إلى الحكومة، لذلك تبقى الأحزاب العربية محسوبة انتخابيًا لكنها خارج الحكم في اللحظة نفسها.
وجود داخل البرلمان، وخارج القرار. هذا ليس توصيفًا إضافيًا بل هو شكل الاشتغال نفسه داخل النظام.
الأحزاب العربية تعمل داخل تمثيل بلا نفاذ إلى السلطة، أي حضور داخل الكنيست يقابله إغلاق كامل لمسار القرار التنفيذي. وما يُقدَّم كتأثير سياسي يبقى محكومًا بسقف لا يسمح بالعبور إلى الحكم، حيث يتوقف الأثر عند حدّه قبل أن يتحول إلى سلطة فعلية.
هذا الفصل ليس عارضًا ولا ظرفيًا، بل جزء من آلية سياسية مستمرة. لا يظهر كقرار إقصاء مباشر، بل كطريقة ثابتة في بناء الائتلافات، حيث يُعاد إنتاج الحدود نفسها في كل دورة انتخابية، بغضّ النظر عن نتائج الصناديق.
حتى فكرة القوة الثالثة لا تغيّر هذا المسار، فهي تضيف وزناً انتخابيًا فقط لكنها لا تفتح باب الحكم، لأن الائتلاف يبقى هو البوابة الفعلية، ومن لا يدخل هذا الباب يبقى خارج السلطة مهما تغيّر حجمه الانتخابي.
ومع الوقت، حتى حين تتماسك الكتل العربية أو ترتفع أعدادها، يبقى أثرها محصورًا داخل الحساب البرلماني، بينما يُحسم القرار في مساحة أخرى تُغلق أمامها سياسيًا بشكل ثابت.
السلطة ليست موزعة داخل الكنيست، بل متمركزة داخل كتل حكم ثابتة:
حزب الليكود،
حزب المعسكر الوطني،
وكتل اليمين الديني: حزب الصهيونية الدينية، حزب شاس، وحزب يهدوت هتوراه.
هذه الكتل لا تتغير في وظيفتها السياسية، بل تتحكم في من يدخل الحكم ومن يبقى خارجه، عبر القدرة على تشكيل الائتلاف أو منعه.
ولا يحتاج هذا النظام إلى إقصاء معلن أو نص قانوني. يكفي أن تبقى الأحزاب العربية خارج نطاق “المقبول ائتلافيًا”، حتى يصبح استبعادها جزءًا من آلية عمل ثابتة تتكرر في كل دورة انتخابية، بصرف النظر عن عدد المقاعد التي تحصل عليها.
بين 2019 و2022، دخل النظام في أربع انتخابات متتالية. تحرك البرلمان، تغيّرت الأرقام، لكن شكل الحكم بقي محكومًا بنفس الانقسام. الأحزاب العربية بقيت ثابتة داخل النتائج، وخارج أي تشكيل حكومي فعلي، بينما دارت الكتل الأساسية داخل نفسها بحثًا عن أغلبية لا تتجاوز حدود معسكراتها.
في تلك المرحلة، لم تكن المسألة مرتبطة بعدد المقاعد أو بتوازن القوى، بل بطريقة تعريف من يُسمح له أصلًا بالانتقال من التمثيل إلى موقع الحكم.
تجربة حزب القائمة العربية الموحدة (راعم) في حكومة بينيت–لابيد عام 2021 لم تكسر هذا الإطار. دخولها جاء في لحظة أزمة في تشكيل الحكومة، لا كتحول في بنية النظام. كان استثناءً فرضه الانسداد السياسي، لا إعادة تعريف لموقع الأحزاب العربية داخل الحكم.
حتى داخل هذا الاستثناء، بقيت المشاركة مشروطة، مرتبطة بالظرف، وقابلة للانتهاء فور انتهاء الحاجة السياسية التي أنتجتها.
فعلبا الكنيست مساحة تمثيل، لكن مركز القرار يوجد خارجها، عند لحظة تشكيل الائتلاف. هناك فقط يتحدد من يدخل ومن يبقى خارج الحكم.
الدخول إلى البرلمان لا يعني الاقتراب من السلطة، بينما الدخول إلى الائتلاف هو ما يحدد موقع الفعل السياسي الحقيقي.
الأصوات تُحسب بدقة، لكن السلطة تُحسم في مكان آخر.
الأحزاب العربية حاضرة في كل دورة انتخابية، أحيانًا أقوى عدديًا، لكن موقعها داخل الحكم لا يتحرك، ليس بسبب ضعف حضورها، بل بسبب فصل سياسي ثابت بين التمثيل والسلطة يُقرأ في علم السياسة كنمط حكم يقوم على الاستبعاد وإعادة توزيع الشرعية، حيث يُدار التمثيل ضمن حدود واضحة لا تسمح بالوصول إلى مركز القرار.
ما يبدو فشلًا ديمقراطيًا ليس خللًا في النتائج، بل نتيجة سياسية منتظمة. تُعامل الأحزاب العربية كقوة انتخابية محسوبة داخل النظام، بينما تُبقى خارج دوائر القرار الائتلافي، حيث يُعاد إنتاج هذا الفصل بصورة ثابتة عبر كل دورة انتخابية.
