لبنان في ظل القدر السياسي.. حين يسبق الخوف الدولة

لبنان في ظل القدر السياسي.. حين يسبق الخوف الدولة

بقلم نعمت كرّوم

لبنان لا يبدو بلدًا يقف خارج القرار، بل كأنه داخله منذ البداية، لكن على هيئة أثره المتأخر.
القرارات تأتيه من جهات متعددة، ثم تمرّ فيه، ثم تخرج منه كما لو أنها لم تستقر لحظة في مكانها.
كأن البلد لا يمسك الأشياء كاملة، بل يمسك بظلالها وهي تعبره.
ولهذا لا تُحسم فيه الحروب، بل تُعاد صياغتها داخله.
ولا تُغلق فيه الأزمات، بل تغيّر شكلها وهي داخلة إليه.
هو بلد يعيش على حافة فكرة لم تتحول إلى واقع كامل، لكنها لم تمت أيضًا…
هي الحلم المؤجل الذي نتمنى أن نعيشه.

من اتفاق القاهرة إلى الحرب الأهلية، ومن الوصاية السورية إلى الطائف، ومن الاغتيالات إلى الانقسام حول السلاح تكررت الحكاية نفسها بأسماء مختلفة.
كل طرف قال إنه يحمي لبنان. كل طرف قال إن الخطر يأتي من الٱخر.
ومع كل أزمة جديدة، كان الخوف يعود إلى الواجهة:
الخوف من الطائفة الأخرى
الخوف من إسرائيل
الخوف من سوريا
الخوف من الفوضى
ومن شدة حضور الخوف، صار الأمان يقدم في كل مرحلة بوصفه أولوية تتقدم على الدولة نفسها.
هكذا لم يكن النزاع يدور حول السلطة فقط، بل حول السيادة نفسها، التي كانت تتقدم وتتراجع مع كل أزمة وتنقطع مع كل خوف جديد.

الخوف كآلية لإنتاج السياسة وتثبيت الحماية

في ظل القدر السياسي، لا تستقر الدولة بوصفها مركزًا ثابتًا، بل تتقدم عليها لحظات الخوف.
الساحة تنتصر على الوطن.
ليس من السهل العثور على كلمة واحدة تفسّر تاريخ لبنان الحديث.
الحرب لا تكفي.
الطائفية لا تكفي.
التدخلات الخارجية لا تكفي.
ربما كانت أعلى كلفة دفعتها البلاد هي السيادة نفسها.

الاغتيال كأداة لإعادة رسم خطوط الخوف والسلطة

الاغتيالات السياسية لم تكن فقط لحظات عنف، بل كانت رسائل تُعاد قراءتها داخل المشهد السياسي.
كانت الاغتيالات السياسية تظهر كشقوق داخل البنية القائمة، لا كحوادث منفصلة عنها.
اغتيال كمال جنبلاط عام 1977 لم يُغلق صفحة، بل فتح مسارًا جديدًا من الخوف وإعادة إنتاج موازين القوى.
ثم اغتيال بشير الجميل عام 1982، في لحظة كان يُفترض أن تُنتج تسوية، لا انفجارًا إضافيًا.
ثم اغتيال رشيد كرامي، كأن الحكومة نفسها أصبحت هدفًا قابلًا للكسر.
ثم رفيق الحريري عام 2005، لم تُغلق كوقائع فقط، بل أعادت تشكيل خطوط الخوف داخل البلد.
ومع غياب الحقيقة التي تحسم النزاع، يبقى الجرم معلقًا والجرح مفتوحًا في الذاكرة الجماعية، يتوارثه الناس كما تتوارثه السياسة.
الخوف من انهيار ما تبقّى من الدولة
هذا الخوف نفسه لم يبقَ شعورًا فرديًا، بل تحوّل إلى منطق سياسي:
منطق يقبل بتجميد الصراع مقابل الأمان،
ويقايض الحرية باستمرار الحد الأدنى من الاستقرار.
الخوف نفسه صار يعمل داخل السياسة، لا مجرد نتيجة لها.
منطق يقسم البلد بين نحن وهم:
نحن الحماية، هم التهديد.
نحن الاستقرار، هم الفتنة.
بهذا الشكل، لا يُفرض الولاء بالقوة وحدها، بل يُصنع داخل سردية تجعل الخوف جزءًا من التفكير اليومي في السياسة.
وتشارك قوى متناقضة في تثبيت هذا المنطق نفسه، كلٌّ من موقعه، حتى حين تعلن معارضته له.

كل اغتيال كان يعيد توزيع التوازنات بدل أن ينهيها.
لم يعد السؤال عن الأفراد فقط، بل عن شكل الدولة الذي يُعاد اختباره مع كل انكسار جديد.
من الطائف إلى الدولة المعلّقة
بعد الطائف، لم يتوقف الانقسام، بل تبدّل شكله.
خرجت الحرب من صورتها العسكرية المباشرة، ودخلت في شكل آخر من إدارة التوازنات داخل الدولة.
لم تعد البنادق هي اللغة الوحيدة للصراع، بل صار القرار نفسه موزّعًا بين قوى داخلية وخارجية، تعمل داخل النظام لا خارجه.

في هذه المرحلة، لم تُستعد الدولة كسلطة مركزية كاملة، بل بقيت محكومة بتوازنات تُضبط من خارجها وتُنفّذ داخلها.

2005 وما بعد الانسحاب السوري

بعد عام 2005، مع خروج الجيش السوري من لبنان، بدا وكأن صفحة طويلة أُغلقت.
لكن ما انتهى لم يكن سوى الشكل المباشر للحضور، لا آثاره داخل البنية السياسية.
لم يعد هناك وجود عسكري مباشر، لكن التوازنات التي تشكّلت خلال العقود السابقة لم تختفِ.
انتقلت من شكل الوصاية المباشرة إلى شكل نفوذ يعمل عبر القوى الداخلية نفسها، داخل المؤسسات والتحالفات وخطوط الانقسام.
اغتيال رفيق الحريري في العام نفسه لم يكن مجرد حدث سياسي، بل لحظة كسرت الإيقاع الذي كان يُفترض أن يبدأ بعد الانسحاب، وأعادت إدخال البلد في منطق الاستقطاب الحاد.
ومنذ ذلك الوقت، لم يعد الانقسام يحتاج إلى حضور خارجي مباشر كي يستمر، بل صار يعمل من داخل السياسة نفسها، عبر توازنات داخلية مرتبطة بامتدادات إقليمية واضحة.

الدولة في تقاطع الاستقطابات

بعد 2005، لم يخرج النفوذ من لبنان، بل تغيّر شكله.
ومع اغتيال رفيق الحريري، دخل البلد في مرحلة استقطاب حاد أعاد ترتيب خطوط الداخل حول اصطفافات إقليمية واضحة.

في هذا التموضع، برز دور حزب الله كقوة مركزية داخل المعادلة اللبنانية، مرتبطًا بمحور إقليمي تقوده إيران.
لم يعد حضوره مجرد تفصيل في التوازن الداخلي، بل عنصرًا أساسيًا في بنية القرار والصراع داخل البلد.
تشكّل هذا المحور في سياق إقليمي أوسع، حيث أصبحت إيران فاعلًا مباشرًا في أكثر من ساحة عربية، ولبنان واحدة من أكثر هذه الساحات حساسية وتعقيدًا.

لم يعد الصراع اللبناني يُفهم كصراع داخلي فقط، بل كجزء من شبكة امتداد إقليمي تتقاطع داخل الدولة نفسها.
هكذا لا يعود لبنان ساحة نفوذ واحدة.
بل يتوزع على أكثر من مركز قرار في الوقت نفسه: إيران داخل محور ممتد، الولايات المتحدة عبر إدارة التوازنات والضغط، إسرائيل كحدّ دائم للتهديد، ودول عربية تتحرك بين الحضور والانكفاء بحسب اللحظة.
لا يوجد رعاة ثابتون بقدر ما توجد أدوار تتبدل، تتقاطع وتتنازع داخل الأرض نفسها.
والدولة تبقى ساحة لحروب الآخرين، بلا قرار ولا سيادة.

الحدود كحقل قلق: بين إعادة تشكيل النفوذ والخوف من شبح الوصاية

في كلام أحمد الشرع، يظهر خطاب لا يذهب مباشرة إلى إعلان نوايا سياسية بقدر ما يترك مساحة رمادية: تطمين من جهة، وفتح غير مغلق لمسألة الحدود من جهة أخرى، كأن الحدود نفسها لا تُقدَّم كخط ثابت بل كمسألة قابلة للإدارة والتأويل بحسب اللحظة.
وفي المقابل، لا يأتي الحديث الدولي عن سوريا ولبنان بوصفه حديثًا عن دولتين منفصلتين، بل عن ساحة واحدة تتداخل فيها الملفات: الحدود، حزب الله، والامتداد الإقليمي. وكأن لبنان لا يُقرأ وحده، بل من خلال ما يجاوره وما يمرّ عبره.
لو كان هناك حتى احتمال صغير لتحرك من هذا النوع، هل يمكن أن يُقال مسبقًا؟ غالبًا لا. ليس لأن الفعل غير ممكن، بل لأن السياسة نفسها لا تُعلن احتمالاتها بهذه الطريقة، بل تتركها معلّقة، قابلة لأن تُقرأ لاحقًا بوصفها ضرورات أمنية أو ظروفًا ميدانية.

الخوف من الوصاية، من عودة الهيمنة، من أن تمتد اليد إلى مفاصل الحكم. قلق يظل معلقًا حول احتمال عودة سوريا إلى هذا الحيز بصيغ مختلفة، دون أن يستقر على معنى واضح أو نهائي.

وفي هذا التعليق المستمر على فكرة الأمن، يعود سؤال الحدود إلى شكله القديم: ليست خطوطًا مرسومة بين دولتين، بل مجالًا يتقاطع فيه الأمن بالسياسة، ويتحوّل فيه تعريف الاستقرار نفسه إلى موضوع تفاوض.

ولهذا لا يقتصر القلق على ما قد يحدث عند الحدود، بل على ما هو أعمق: أن يُعاد تعريفها من جديد، وأن يُعاد إدخال لبنان داخل ترتيبات لا تصدر عنه، حتى حين تتبدّل الأسماء وتختلف الوجوه.

Spread the love

adel karroum