لا أحد من القوى الكبرى يريد إنهاء النظام الإيراني بالكامل.

لا أحد من القوى الكبرى يريد إنهاء النظام الإيراني بالكامل.

بقلم نعمت كروم

بين واشنطن وبكين: إعادة تشكيل التوازن العالمي
إن ما نشهده في قمة بكين لا يمكن فصله عن التحولات الأوسع في العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، حيث لم يعد الصراع عسكريًا فقط، بل أصبح صراعًا على الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة وسلاسل الإمداد والرقائق الإلكترونية، مع تحول التجارة نفسها إلى أداة ضغط متبادل.
الرئيس الأمريكي ركّز خلال القمة على إعادة توازن التجارة وتقليص العجز مع الصين، مع تشديد واضح على ملف التكنولوجيا والرقائق باعتباره جزءًا من حماية التفوق الأمريكي.
في المقابل، شدد الرئيس الصيني على الاستقرار الاقتصادي ورفض استخدام التجارة كسلاح سياسي، مع التأكيد على استمرار التعاون رغم الخلافات، وإبقاء ملف تايوان كخط أحمر بالنسبة لبكين.
حضور شركات مثل Apple وTesla وNvidia ضمن الوفد الأمريكي لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًا. Apple ما زالت مرتبطة بسلاسل تصنيع ضخمة داخل الصين، وTesla تعتمد على مصنع شنغهاي كجزء أساسي من إنتاجها العالمي، بينما أصبحت Nvidia في قلب الصراع التكنولوجي بسبب القيود الأمريكية على الرقائق المتقدمة.
ما يجري بين واشنطن وبكين ليس مواجهة مباشرة بقدر ما هو صراع على إدارة النفوذ ومنع الطرف الآخر من فرض تفوق كامل.
إيران: داخل التوازن لا خارجه
إيران تتحرك داخل هذا التوازن، لا خارجه.
لا أحد من القوى الكبرى يريد إنهاء النظام الإيراني بالكامل. هذا يتضح من الطريقة التي أُدير بها الملف النووي الإيراني خلال السنوات الماضية: اتفاقات، عقوبات، مفاوضات غير مباشرة، وضغوط اقتصادية، لكن من دون الانتقال إلى خيار إسقاط النظام أو تفكيكه.
الاستثناء الواضح هو إسرائيل، التي ترى في إيران تهديدًا وجوديًا مباشرًا، ولذلك تدفع باتجاه إضعاف النظام الإيراني جذريًا، بخلاف بقية القوى التي تتعامل مع الملف بمنطق إدارة النفوذ والتوازنات.
هنا يمكن فهم المشهد عبر أحد أبرز تعبيرات الواقعية السياسية عند هنري كيسنجر:
السياسة الدولية ليست أخلاقًا، بل توازن مصالح
هذا المنظور يفسر لماذا تبقى إيران داخل دائرة التفاوض والضغط والعقوبات، من دون الوصول إلى خيار الإنهاء الكامل.
في المقابل، تنظر الصين إلى إيران من زاوية الطاقة والاستقرار. استمرار تدفق النفط الإيراني إلى الأسواق الآسيوية رغم العقوبات الأمريكية يكشف أن بكين تتعامل مع الملف الإيراني باعتباره جزءًا من أمنها الطاقوي، لا مجرد ملف سياسي.
اعتماد الصين الكبير على الطاقة، مع استيرادها ما يزيد عن عشرة ملايين برميل يوميًا، يجعل ملف النفط عنصرًا دائم الحضور في حساباتها الاستراتيجية.
أما روسيا، فتتعامل مع إيران ضمن شبكة مصالح مرتبطة بالطاقة والقوقاز والشرق الأوسط، وليس ضمن تحالف ثابت. العلاقة بين موسكو وطهران محكومة بتقاطعات مصالح تتغير وفق مستوى التوتر مع الغرب.
ما يجري في المنطقة ليس صراعًا منفصلًا بين دول متواجهة، بل شبكة توازنات دولية متشابكة تتحرك فيها المصالح الاقتصادية والطاقة والنفوذ العسكري في الوقت نفسه.
قمة بكين لم تُنتج تحولات حاسمة، لكنها أوضحت طبيعة المرحلة: توازنات تُعاد صياغتها باستمرار بين قوى كبرى تتحرك داخل حدود النفوذ لا خارجه، بينما تبقى ملفات مثل إيران جزءًا من هذا التوازن لا استثناءً عنه.

Spread the love

adel karroum