غملوش: من يريد أن يكون قريبًا من لبنان عليه أن يكون قريبًا من جميع اللبنانيين
أكد رئيس جمعية “تنمية السلام العالمي” حسين غملوش، أن “ما يحتاجه لبنان اليوم، بعد انتهاء الجولة الأخيرة من المفاوضات في روما واستمرار التصعيد في الجنوب، ليس جولة جديدة لإدارة الأزمة فحسب، بل خريطة طريق واضحة ومتوازنة وقابلة للتنفيذ، تبدأ بوقف الاعتداءات، وتؤدي إلى الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، وتمكين الدولة والجيش اللبناني من بسط سلطتهما، وعودة أبناء الجنوب إلى قراهم، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، بالتوازي مع حوار وطني مسؤول يعزز وحدة اللبنانيين ويعيد القرارات السيادية والمصيرية إلى إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية”.
وقال في بيان: “إن السؤال الذي ينبغي أن يواجهه لبنان والمجتمع الدولي اليوم ليس: من ربح جولة المفاوضات؟ ومن فرض شروطه؟ بل: ماذا تحقق للإنسان على الأرض؟ وهل أصبح أكثر أمنًا؟ وهل يستطيع العودة إلى منزله وأرضه؟ وأي لبنان سنتركه للأجيال القادمة؟ فالمفاوضات ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لوقف الحرب واستعادة الحقوق وصناعة السلام. ومصداقية أي مسار تفاوضي لا تُقاس بعدد الاجتماعات والجولات أو بما يصدر عنها من عبارات إيجابية، بل بما يحققه على الأرض من وقف فعلي للاعتداءات والقصف والنسف والتجريف، وانسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية، واحترام سيادة لبنان، وحماية المدنيين، وتمكين الجيش ومؤسسات الدولة، وعودة آمنة وكريمة للسكان”.
ودعا المجتمع الدولي والدول الراعية والمؤثرة إلى الانتقال من إدارة الأزمة إلى ضمان تنفيذ الحل، والعمل على وقف الاعتداءات ومنع استمرار تدمير القرى والمنازل والأراضي الزراعية والمنشآت المدنية، بالتوازي مع وضع مسار واضح للانسحاب واستعادة الدولة اللبنانية سلطتها على كامل أراضيها.
واكد أن “إعادة إعمار ما دمرته الحرب يجب أن تكون جزءًا من أي تسوية جدية، لا ملفًا مؤجلًا إلى ما بعد التسويات، وألا يتحول الدمار إلى عبء يتحمله المواطن اللبناني وحده. فالدول والجهات القادرة على التأثير في مسار الحرب والسلام تقع عليها أيضًا مسؤولية أخلاقية وإنسانية في المساهمة الجدية في إعادة الإعمار وتأمين مقومات العودة والحياة الكريمة للمتضررين. فلا قيمة لوقف الحرب إذا استمر تدمير مقومات العودة، ولا يكتمل السلام عندما يصمت السلاح فقط، بل عندما يستطيع الإنسان أن يعود إلى بيته وأرضه ويعيد بناء حياته بأمن وكرامة وأمل”.
وقال: “في موازاة المسؤولية الدولية، تبقى المسؤولية الوطنية اللبنانية الأساس. إن لبنان لا يمكن أن يُبنى بانتصار مكوّن على مكوّن آخر، ولا بإقصاء أي فئة من أبنائه، بل بانتصار الدولة لجميع اللبنانيين. ومن هذا المنطلق، ندعو إلى حوار وطني مسؤول وصريح، بعيدًا عن التخوين والاستفزاز والانقسامات المذهبية والحزبية، يهدف إلى بناء استراتيجية وطنية تحمي لبنان وتعزز مؤسسات الدولة، وصولًا إلى أن تكون القرارات السيادية والمصيرية، وفي مقدمها قرار الحرب والسلم، في إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، مع احترام هواجس جميع اللبنانيين وحقوقهم وكرامتهم على قدم المساواة. فالدولة القوية لا تُبنى بصراع جديد بين اللبنانيين، وإنما بثقتهم بها، وبعدالتها بينهم، وقدرتها على حمايتهم جميعًا، دون تمييز على أساس الدين أو المذهب أو الانتماء السياسي أو المناطقي. وفي ظل النقاش المتزايد حول مستقبل الترتيبات الدولية في جنوب لبنان ومرحلة ما بعد اليونيفيل، تؤكد الجمعية أن المطلوب ليس مجرد استبدال جنود بجنود أو علم دولي بعلم آخر، بل الانتقال إلى مرحلة تمكّن الدولة اللبنانية والجيش اللبناني من بسط سلطتهما، في إطار ضمانات دولية حقيقية تحمي السيادة والاستقرار وتمنع تجدد الحرب”.
وتابع: “أي دولة أو قوة أو آلية دولية يكون لها دور في مستقبل لبنان يجب أن تكون على مسافة واحدة من جميع اللبنانيين، وأن تنظر إليهم كمواطنين متساوين، لا من خلال هوياتهم الدينية أو المذهبية أو الحزبية والسياسية. فمن يريد أن يكون قريبًا من لبنان، عليه أن يكون قريبًا من جميع اللبنانيين. ونحن نرحب بكل دولة ومؤسسة ومرجعية دولية أو روحية تسهم بصدق في مساعدة لبنان، لكن أفضل مساعدة يمكن تقديمها له هي تلك التي تجمع اللبنانيين حول دولتهم، لا التي تجعل أي مكوّن منهم يشعر بأن المجتمع الدولي أقرب إلى فريق لبناني منه إلى فريق آخر. ونجاح أي مهمة دولية مستقبلية لن يُقاس بحجم قوتها العسكرية وحدها، بل بمقدار الثقة التي تستطيع بناءها مع اللبنانيين، وباحترامها سيادة الدولة وتعاملها مع جميع مكونات المجتمع بعدالة وتوازن”.
واضاف: “في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة تحولات متسارعة وإعادة صياغة للتحالفات وموازين القوى، وتتواصل المفاوضات والاتصالات الإقليمية والدولية بحثًا عن ترتيبات جديدة للأمن والاستقرار وحماية المصالح والممرات الاقتصادية، ترى الجمعية أن لبنان يجب ألا يبقى ساحة تتقاطع فوقها مشاريع الآخرين أو ورقة تستخدم في صراعاتهم. لبنان يجب أن يكون دولة سيدة وشريكًا في صناعة الاستقرار الإقليمي، لا ساحةً لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. وإذا استطاعت المصالح الدولية أن تجمع الخصوم حول طاولة واحدة لحماية طرق التجارة والطاقة والملاحة، فإن حياة الإنسان وأمنه وبيته وأرضه ومستقبل أطفاله تستحق إرادة دولية لا تقل قوة وإصرارًا. إن مصالح الدول جزء طبيعي من العلاقات الدولية، لكن المطلوب هو نظام إقليمي ودولي تصبح فيه المصالح في خدمة الإنسان، لا الإنسان وقودًا لتحقيق المصالح، وتصبح فيه القوة وسيلة لحماية السلام، لا سببًا لإدامة الحروب. ومن هنا، تتوجه جمعية تنمية السلام العالمي إلى الأمم المتحدة، والدول الكبرى والمؤثرة، والدول العربية والإسلامية، والاتحاد الأوروبي، والمرجعيات الدينية والروحية في العالم، وإلى كل من يستطيع المساهمة في وقف دوامة الحرب، للعمل معًا من أجل سلام عادل ومستدام يحفظ الحقوق والسيادة وكرامة الإنسان. فالمطلوب ليس اتفاقًا موقتًا ينتظر حربًا جديدة، بل رؤية تمنع الحرب المقبلة. وليس المطلوب إعادة إعمار الحجر وحده، بل إعادة بناء الثقة بين الإنسان ودولته، وبين اللبنانيين بعضهم ببعض، وبين لبنان ومحيطه والعالم. كما أن السلام المستدام لا ينفصل عن بناء دولة عادلة وقادرة، وإصلاح مؤسساتها واقتصادها، وحماية حقوق المواطنين وأموالهم وفرصهم في العيش الكريم؛ لأن الأمن وحده لا يصنع السلام، بل تصنعه أيضًا العدالة والتنمية وسيادة القانون”.
وختم غملوش: “من روما إلى الجنوب، ومن مرحلة ما بعد اليونيفيل إلى إعادة الإعمار، ومن التحولات الإقليمية المتسارعة إلى مسؤولية المجتمع الدولي، فإن القضية في جوهرها تتجاوز حسابات الربح والخسارة بين الأطراف. السؤال الذي سيبقى أمام التاريخ هو: ماذا بقي للإنسان بعد انتهاء الصراع؟ وأي لبنان وأي منطقة سنتركها للأجيال القادمة؟ لبنان يستحق أكثر من إدارة دائمة للأزمات. يستحق دولة تستعيد سيادتها، وجيشًا قادرًا على حماية أرضها، ومؤسسات يثق بها مواطنوها، وجنوبًا يعود أهله إليه بأمن وكرامة، وقرى يعاد إعمارها بدل أن تبقى شاهدًا على الحروب، ومجتمعًا لا يُقسَّم بين منتصر ومهزوم. فالسلام الحقيقي ليس انتصار طرف على طرف، بل انتصار الإنسان على الحرب، والدولة على الفوضى، والعدالة على الخوف، والمستقبل على الماضي. وستبقى جمعية تنمية السلام العالمي مؤمنة بأن: كرامة الإنسان… المعيار الأعلى للدولة والسياسة. وأن لا اتفاق يمكن اعتباره نجاحًا إذا خسر الإنسان أمنه وكرامته ومستقبله”.
