قسطنطين: الخطر الحقيقي ليس على الوجود المسيحي بل على الدولة اللبنانية 

قسطنطين: الخطر الحقيقي ليس على الوجود المسيحي بل على الدولة اللبنانية 

أقامت هيئة غلبون في التيار الوطني الحر ندوة بعنوان “الوجود المسيحي في لبنان”، شارك فيها كل من البروفسور الأب باسم الراعي والمستشار السياسي الأستاذ أنطوان قسطنطين، .وجاء في كلمة قسطنطين:
تأسس لبنان لا ليكون دولة لجماعة منعزلة ، بل إثباتًا على أن التنوع والحق في الاختلاف لا يمنعان العيش معاً بحرية ومساواة داخل دولة واحدة .
ولأنّ هذا اللبنان مشروع لم يكتمل ، عادت الطوائف إلى قلقها على مصيرها والوجود.
وسأل هل الخطر هو حقيقة على المسيحيين في لبنان أم على لبنان نفسِه ؟

وأضاف من الحقائق التي يغفلها كثيرون اليوم أنّ لبنان الكبير حفظ الوجود السياسي لجميع مكوناته.
فمن دون لبنان الكبير، لما امتلك المسيحيون الدور السياسي الذي عرفوه طوال القرن الماضي، وربما كان أصابهم ما أصاب مسيحيي سوريا والعراق وفلسطين من تراجع في الوجود كما في الحضور السياسي .
ومن دون لبنان الكبير، لما امتلك الشيعة لا الموقع ولا الدور . فجبل عامل كان جزءاً من ولاية عكا العثمانية ، ولو لم ينضم إلى لبنان الكبير لوجد قسم كبير من أبنائه أنفسهم ضمن الواقع الذي يعيشه اليوم عرب الـ48 داخل إسرائيل. 
كذلك هو الأمر بالنسبة إلى شيعة البقاع وسنّة البقاع وطرابلس وعكار وبيروت وصيدا الذين ما كانوا ليشكلوا ثقلاً سياسياً قائماً بذاته، بل كان مصيرهم أن يكونوا جزءًا من محافظات حمص 
ودمشق وريفها .
أما الدروز، المؤسسون لإمارة لبنان فلولا لبنان الكبير لبقوا أقلية موزعة بين أكثر من دولة، فيما منحهم لبنان الكبير إطاراً سياسياً وشراكة وطنية ودوراً فاعلاً في صناعة القرار.

وقال قسطنطين: بهذا المعنى العميق، لم يكن لبنان الكبير مكسباً لطائفة دون أخرى، بل كان الضمانة التاريخية لوجود الجميع ودورهم . وإذا كان لبنان الكبير قد حفظ لمواطنيه مكانتهم خلال المئة سنة الماضية، فإن مسؤولية الجميع اليوم أن يحافظوا على لبنان الكبير وأن يطوّروا دولته، لأن سقوطه لا يهدد جماعة بعينها، بل يهدد الجميع من دون استثناء.

 واضاف:نحن في لبنان، اعتدنا التبسيط في تفسير  أزماتنا ، فاتهمنا التنوع الطائفي بأنه  سبب فشل الدولة.
تجاهلنا الأسباب العميقة للفشل والتي رافقت ولادة لبنان الكبير . 
أوّلها واخطرها الكيان الإسرائيلي الذي تم فرضه بالقوة فوق ارض فلسطين التي هُجّر قسم من أهلها إلى دولتنا الفتيّة من دون ان تكون لنا قدرة الرفض. 
هذا التطور الخطير لا تزال تردداته تحكم ‏مصير دولنا وشعوبنا.
لكنّ بعض اسباب الفشل كان من صنعنا وبإرادتنا اذ تمّ استغلال الطائفية لكسب النفوذ في النظام لصالح اللاعبين السياسيين ومنظومة مصالحهم .  
هكذا وعلى رغم انضمامهم الى دولة واحدة، بقي اللبنانيون يتعاطون مع الدولة بذهنية المستأجر ، فلا لبنان الصغير أدرك معنى توسّعِه ولا الأقضية الأربعة فهمت معنى انضمامها .

وقال :تجاهلنا سؤ ادارة التنوع وغياب العدالة الاقتصادية والضريبية والاجتماعية والتنموية . حمّلنا التنوع الطائفي كلّ أخطائنا لنهرب من مواجهة الحقيقة التي كشفها مسلسل الفشل السياسي والاقتصادي والإداري منذ الاستقلال وفضحها الانهيار المالي الكبير الذي حصل عام 2019 .
كشف هذا الانهيار أن المشكلة ليست في التنوع الطائفي للبنانيين بل في فساد الدولة وضعف الانتماء الوطني لمكوناتها . 
لا نجاح الدول يتوقف على شرط تجانس شعبها ، و لا فشلها يكون بسبب تنوعه ، النجاح أو الفشل تحددهما قدرة الدولة على إدارة هذا التنوع أو عجزها عن ذلك . 
 لقد امتلك لبنان بعد الاستقلال عناصر نجاح حقيقية: دستور متقدم مدنيًّا ، وحريات واسعة، ومؤسسات تعليمية رائدة، واقتصاد منفتح، وانتشار اغترابي واسع وفاعل . باختصار امتلك دورًا.
بعد اتفاق الطائف تعاملت الطبقة السياسية مع الدولة بأسوأ مما كانت عليه قبل العام ١٩٧٥ فحولتها الى غنيمة حرب ، وراحت بسلطتها ومعارضتها ، تراكم الجرائم بحق الدستور والمال العام وحقوق الناس وتتقاسم النفوذ وتؤجّر السيادة وتمنع الاصلاح وتتذرع بتنوع الطوائف لتعطيل المحاسبة . 
صار الفساد يتغطّى بالانتماء، والعدالة تُستبدل بالولاء .
منذ اتفاق القاهرة عام 1969 مروراً بالحرب بين الاحزاب اللبنانية عام ١٩٧٥ وبمشاركة منظمات فلسطينية ، وما تلاها من مؤامرات وتدخلات واحتلالات  وصولاً إلى مرحلة النفوذ الإيراني ، أثبتت التجربة اللبنانية أن الخارج لم يكن ليستغل لبنان لولا انقسامات الداخل .
فقدت الدولة قدرتها على احتكار القوة لأنها فشلت في الحماية، وسلّمت للطوائف الأمن الذاتي والمقاومة على تنوعها ضدّ الاحتلال الاسرائيلي والهيمنة الفلسطينية والسورية .
لبنان اليوم مجددًا في قلب التحولات وخوف اللبنانيين مصدره من جديد الدولة الضعيفة . فالأمن الذاتي لا يبني استقراراً دائماً، وليس طبيعياً أن تبقى المقاومة كيانًا موازيًا للدولة. 
لكن الخطر الحقيقي على لبنان لا يكمن فقط في الانقسامات الداخلية أو في أزمات الاقتصاد والسياسة، بل في النظرة  إليه بوصفه ساحة أو وظيفة تخدم مصالح هذا المحور او ذاك . لبنان في  بعض العقل الحاكم في امريكا والغرب هامش لحماية أمن اسرائيل وفي بعض العقل الايراني امتداد لطموح توسعي وفي بعض العقل السوري لزوم ما لا يلزم وفي العقل الصهيوني جغرافيا توراتية .
إن بقاء لبنان يتطلب من أبنائه أوّلًا الاعتراف بحقه الكامل في السيادة والدفاع عن نفسه وامتلاك قراره الوطني، لا التعامل معه كدولة وظيفية يرسم الخارج حدود دورها .

ومما جاء في مداخلة قسطنطين:
القلق المسيحي على  الوجود مفهوم، لكن هل تعتقدون فعلًا ان مصدره الشريك المسلم ، أمْ غياب الدولة الضامنة ؟
 الفقر والانهيار الاقتصادي وانعدام فرص العمل والتراجع الديموغرافي والهجرة وبيع الأراضي وسرقة الودائع وفقدان الثقة بالدولة سببها المسلمون ، أم  الحروب والسرقات والفساد وغياب المحاسبة وانعدام دولة الحق؟! .
وقال :حماية الوجود المسيحي لا تكون بالانعزال عن الآخرين، ولا بالخوف منهم ولا باتهام التنوع ، بل بالتجرؤ على  المحاسبة وبناء الشراكة في دولة مدنية تفصل حقوق بين حقوق المواطنين  وانتمائهم الديني . 
‏كذلك فإنّ حماية المسلمين لا تكون بالاختباء  وراء مطالب اصلاحية كإلغاء الطائفية السياسية ، لفرض هيمنة العدد والسطو على النظام .
وإذا كان بعض المسيحيين يخطئون عندما يظنون أن خلاصهم يكون بالانعزال أو بالتقسيم أو بالبحث عن حماية خارج الدولة، فإن بعض المسلمين يخطئون أيضاً عندما يظنون أن قوة الطائفة أو السلاح أو العدد يمكن أن تحل محل الدولة. فالتاريخ شاهد على أنّ فائض القوة كان يرتد على اصحابه في كل مرّة ، وانّ الجميع يخسرون عندما يحاول أي فريق أن يهيمن او يتفرّد .

 واضاف:الانعزال والهيمنة خياران قاتلان ، فيما تتوفّر خيارات اخرى لبناء دولة ضامنة لأمن كل مواطن ولمستقبله وحقوقه في الصحة والتعليم وفرص العمل .
 قوة المسيحيين لم تكن يوماً في عددهم ، بل في دورهم ، فكلما قويت الدولة تعزز هذا الدور . وكلما ضعفت تراجع حضور المسيحيين، وخسر المسلمون وفقد لبنان قوته.

وختم
إذا كانت الدولة هي الحل ، فالمطلوب ليس استعادة دولة الماضي الفاشلة ، بل اعتماد نموذج جديد يستفيد من أخطائها .
 بعد قرن على قيامها، لم تستكمل الدولة  بناء وظائفها الأساسية. وقد ظهر هذا النقص في السيادة والتنمية والعدالة والإدارة والمحاسبة والتمثيل السياسي والنظام الاقتصادي .
 ‏هي لا تزال في طور التشكّل ولا يمكن استنهاضها بتجاهل مخاوف أي مكوّن أو إنكار التجارب السابقة ، بل بفهم ناضج للتاريخ  بكل نجاحاته وإخفاقاته ، وبتحويل التنوع من سبب للتنازع إلى مصدر غنى لمشروع وطني جديد .
يمكن للأزمات الكبرى ان تشكل لحظة تأسيس جديدة . لكن مسار بناء الدولة يتحقق بالقرارات لا بالشعارات …وعلى الأسس الاتية :
أولاً: دولة مركزية في السياسة الخارجية والدفاع والمال تفرض سيادتها وتمتلك القدرة على حماية شعبها وحدودها فتفرض حكمًا حصرية امتلاكها للسلاح وقرار الحرب .
ثانياً: قضاء مستقل يحمي المواطن لا السلطة.
ثالثاً: لامركزية إدارية وإنمائية فعلية تعزز الشفافية والتنمية المناطقية والقطاعية المتوازنة .
رابعاً: نظام ضرائبي عادل ومتوازن 
واقتصاد إنتاجي قائم على الميزات التفاضلية التي يملكها لبنان في الطاقات البشرية والمناخ والمعرفة والابتكار .
وفوق كل ذلك يبقى الأهمّ إعادة الاعتبار للأخلاق السياسية والشفافية، فالفساد يستفيد من غياب القيم والمساءلة.

على المسيحيين في المرحلة الآتية ،ان يغادروا وضعية الدفاع عن حقوقهم الطائفية ومواقعهم في الدولة، وأن يصبحوا في طليعة المطالبين باستكمال بناء الدولة العصرية ، فإرثهم التاريخي  لم يقم فقط على حماية الجماعة، بل على المساهمة في بناء نموذج يوحّد مصير  الجماعات في دولة حق ومؤسسات.

إن أفضل مقاربة للأزمة الحالية ليست في البحث عن ضمانات خارج الدولة، بل في قيادة مشروع الدولة المدنية القادرة . دولة مواطنين لا رعايا و لا زبائن، دولة ثقة بالعيش معًا لا دولة خوف من العيش معًا.
لم يعد التحدي أن ينتصر فريق على فريق، ولا أن تطغى طائفة على أخرى، بل أن ينتصر لبنان على أسباب فشله.
فكيف يكون المسيحيون بخير إذا استمرّت اسباب انهيار الدولة ؟ 
وكيف يشعر المسلمون بالأمان إذا كانوا قلقين على مستقبلهم في وطنهم؟
بكلمة واحدة، كيف ينهض لبنان إذا اختلّ توازن مكوّناته أو إذا شعر أيّ منها بأنه خارج مشروع الدولة؟
إن معركة المئوية الثانية من عمر لبنان الكبير ليست معركة حماية طائفة أو انتزاع امتيازات، بل معركة بناء دولة تحمي مواطنيها بالقانون وتصون حقوقهم بالمؤسسات.
وحين تكون الدولة قوية وعادلة ومزدهرة يضمن الجميع بقاءهم .
قد يفتح الاتفاق الأميركي – الإيراني مرحلة جديدة في المنطقة، لكن التجربة اللبنانية تعلمنا أن التحولات الخارجية لا تتحول فرصاً إلا عندما تجد دولة قادرة على استثمارها.
واجبنا بناء هذه الدولة لنبرهن أن لبنان لم يكن محاولة فاشلة في التاريخ، وانه
 لايزال يمتلك المستقبل، وانّ المئوية الثانية للدولة ستتعلّم من تجارب مئويتها الأولى .

Spread the love

adel karroum