فحيلي “للتكه” أي تصعيد إقليمي إضافي قد ينعكس على علاقات لبنان المصرفية وعلى حركة التحويلات وان إستمرارية التعميمين 158و166 ترتبط بقدرة النظام النقدي بأكمله

فحيلي “للتكه” أي تصعيد إقليمي إضافي قد ينعكس على علاقات لبنان المصرفية وعلى حركة التحويلات وان إستمرارية التعميمين 158و166 ترتبط بقدرة النظام النقدي بأكمله

لبنان على خط النار الاقتصادي

كتبت ريتا شمعون

من مضيق هرمز إلى مصرف لبنان؛ كيف يعيش اللبنانيون على حافة العاصفة؟

سؤال يجيب عليه الدكتور محمد فحيلي باحث مقيم لدى كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال (OSB) في الجامعة الأميركية في بيروت ( AUB)  ذلك في حديث خاص لجريدة” الشرق” يقول فحيلي، لم تعد أخطر الحروب تلك التي تُخاض بالصواريخ وحدها، بل تلك التي تُخاض عبر الطاقة، والعقوبات، والتمويل، وسلاسل الإمداد، وارتفاع كلفة المخاطر.  لافتا الى ان الحروب الحديثة لم تعد فقط معارك جيوش، بل أصبحت أيضاً معارك اقتصادات وقدرة على الاحتمال. وعندما تختلط كل هذه الضغوط في بلد هش مثل لبنان، تتحول الدولة نفسها إلى ساحة استنزاف مفتوحة تتجاوز بكثير حدود المواجهة العسكرية التقليدية.

من هنا، لا يمكن قراءة ما يجري اليوم في مضيق هرمز، أو التصعيد الأميركي ضد إيران، أو القلق الصيني على تدفقات الطاقة، كملفات منفصلة. فكل هذه التطورات مترابطة داخل مشهد عالمي جديد تتحول فيه الطاقة إلى سلاح، والعقوبات إلى أداة خنق مالي، والأسواق إلى ساحات مواجهة غير معلنة.

أما لبنان، يقول فحيلي، يقف في قلب ارتدادات هذا المشهد، رغم أنه لا يمتلك القدرة الفعلية على التأثير في مساره.

فمضيق هرمز لم يعد مجرد ممر مائي بعيد عن اللبنانيين. إنه شريان يمر عبره جزء أساسي من تجارة النفط العالمية، وأي اضطراب فيه ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة، وكلفة النقل، وأسعار الغذاء، والتضخم، وحتى على حركة الدولار في الأسواق العالمية. وفي بلد مثل لبنان، يعتمد على الاستيراد في معظم احتياجاته الأساسية، تصبح أي زيادة في أسعار النفط أو الشحن أو التأمين عبئاً إضافياً على اقتصاد منهك أصلاً.

لكن الصورة الأعمق تكمن في التحول الذي تقوده واشنطن في طريقة إدارة الصراع مع إيران. فالعقوبات الأميركية لم تعد مجرد قيود مالية تقليدية، بل أصبحت جزءاً من منظومة ضغط عالمية تستهدف شبكات التمويل، وحركة التجارة، وسلاسل الإمداد، وحتى المؤسسات المالية التي قد تتعامل بصورة مباشرة أو غير مباشرة مع إيران. وفي عالم مالي شديد الحساسية للمخاطر، يكفي ارتفاع مستوى الشبهات أو ضعف الامتثال حتى تبدأ العزلة المالية بالتوسع تدريجيا.

وهنا تحديداً تبدأ المخاوف اللبنانية. فلبنان لا يدخل هذه المرحلة من موقع القوة، بل من موقع هش للغاية: قطاع مصرفي مأزوم، اقتصاد نقدي متضخم، ثقة شبه مفقودة، وإدراج على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي. وهذا يعني أن أي تصعيد إقليمي إضافي، أو أي تشدد أكبر في العقوبات، أو أي ارتفاع في منسوب المخاطر، قد ينعكس فوراً على علاقات لبنان المصرفية، وعلى حركة التحويلات، وعلى قدرة الاقتصاد على استقطاب الدولار.

وأضاف فحيلي،  وسط هذا المشهد، يجد مصرف لبنان نفسه في موقع لا يُحسد عليه. فالمصرف المركزي لا يدير فقط ملف سعر الصرف، بل يدير عملياً توازناً هشاً بين الاستقرار النقدي والاستقرار الاجتماعي. مؤكدا أن أي اهتزاز كبير في المنطقة، سواء عبر توسع أزمة مضيق هرمز، أو ارتفاع أسعار النفط، أو تصاعد الضغوط المالية والجيوسياسية على لبنان، قد يغيّر المعادلة النقدية بسرعة، في ظل اقتصاد لا يزال يعتمد بصورة عميقة على التدفقات الخارجية بالدولار للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار.

ولهذا، لم يعد دور مصرف لبنان محصوراً فقط بالدفاع عن سعر صرف الليرة، بل أصبح أيضاً دفاعاً عن الحد الأدنى من القابلية الاجتماعية للاستمرار. فالتعميمان 158 و166 تحولا بالنسبة إلى شريحة واسعة من اللبنانيين إلى مصدر سيولة نقدية شهرية يساعد على امتصاص جزء من آثار الانهيار الاقتصادي والاجتماعي. كثير من العائلات باتت تبني جزءاً من قدرتها على الاستمرار على هذه السحوبات الشهرية، سواء لتغطية الطبابة، أو الأقساط، أو المعيشة اليومية.

لكن السؤال الذي يقلق اللبنانيين اليوم يبقى واضحاً: إلى متى يستطيع مصرف لبنان الاستمرار في تأمين هذه السيولة بالدولار؟

الواقع أن استمرارية التعميمين 158 و166 لا ترتبط فقط بقرار إداري يصدر عن مصرف لبنان، بل بقدرة النظام النقدي بأكمله على الاستمرار في تأمين وتدوير السيولة بالدولار داخل اقتصاد يعتمد بصورة شبه كاملة على تدفقات خارجية هشة وغير مستقرة. فالتعميم 158 يقوم عملياً على قدرة مصرف لبنان على توفير جزء من السحوبات النقدية بالدولار للمودعين بشكل شهري، فيما يشكل التعميم 166 آلية مختلفة نسبياً لمعالجة جزء من الودائع القديمة المحتجزة بالدولار وتنظيم السحوبات المرتبطة بها. لكن، رغم اختلاف الآليات والتفاصيل التقنية بين التعميمين، يبقى العامل الحاسم في استمرارهما واحداً: قدرة مصرف لبنان والنظام المصرفي على الحفاظ على حد أدنى مستدام من السيولة بالعملة الأجنبية.

حتى الآن، يبدو أن مصرف لبنان لا يزال قادراً على إدارة هذا التوازن الهش، مستفيداً من عدة عوامل، أبرزها استمرار التحويلات من الخارج، وتراجع الطلب على الاستيراد مقارنة بسنوات ما قبل الأزمة، والسيطرة النسبية على الكتلة النقدية بالليرة، إضافة إلى استمرار الاقتصاد النقدي بالدولار. لكن هذا الاستقرار يبقى هشاً للغاية، لأنه لا يقوم على تعافٍ اقتصادي حقيقي، بل على إدارة دقيقة للأزمة ومحاولة شراء الوقت.

وهنا تكمن المعضلة الحقيقية. فمن الناحية النقدية البحتة، لا يستطيع أي مصرف مركزي الاستمرار إلى ما لا نهاية في تمويل آليات استثنائية بهذا الحجم في غياب معالجة فعلية للأزمة. فاستدامة أي استقرار نقدي تتطلب إعادة هيكلة مصرفية حقيقية، وإصلاحاً مالياً للدولة، واستعادة الحد الأدنى من الثقة الداخلية والخارجية، إضافة إلى تدفقات رأسمالية واستثمارية مستدامة تعيد تكوين مصادر الدولار داخل الاقتصاد.

بمعنى أكثر واقعية، قد يكون مصرف لبنان قادراً على شراء الوقت وإدارة الهشاشة النقدية مرحلياً، لكنه لا يستطيع وحده إنتاج الحل أو تعويض غياب القرار الاقتصادي والسياسي الشامل.

المشكلة أن الزمن الإقليمي لا يشبه الزمن اللبناني. فالدول الكبرى تستطيع إدارة الصراعات لسنوات طويلة بانتظار التسويات، أما اللبنانيون فلا يملكون هذا الترف. فالاقتصاد يستهلك ما تبقى من قدرته على الصمود، والطبقة الوسطى تتآكل تدريجياً، والهجرة تتحول إلى نزيف دائم للكفاءات والشباب، فيما تعيش الدولة نفسها حالة إنهاك مالي ومؤسساتي غير مسبوقة.

وفي ظل كل ذلك، قد لا يكون الخطر الأكبر على لبنان هو الحرب المباشرة بحد ذاتها، بل الاستنزاف البطيء. ذلك النوع من الانهيار الذي لا يحدث دفعة واحدة، بل يتسلل تدريجياً إلى الاقتصاد والمجتمع والمؤسسات إلى أن تصبح العودة إلى التعافي أكثر صعوبة وكلفة.

ورداً على سؤال، حول ما يتم تداوله عن أهمية شركة K2 integrity  التي تعاقد معها مصرف لبنان يؤكد فحيلي،  ان دورها يقتصر على الاستشارات التقنية لمساعدة لبنان للحدّ من تفاقم الأوضاع المالية ومكافحة تبييض الأموال ومكافحة الإرهاب خصوصا أن لبنان يخضع لمراقبة مكثفة منذ ادراجه في القائمة الرمادية FaTF نتيجة أداء بعض المكونات الاقتصادية غير المصرفية مثل كتاب العدل، قضاة، وتجار العقارات والذهب وغيرها من المؤسسات التي تتعامل “بالكاش”.

أما بالنسبة للتحويلات المالية والمعاملات المصرفية العابرة للحدود، أو الخدمات والتحويلات المالية تتم بين المصارف التجارية ذات سمعة جيدة لضمان أعلى مستويات الأمان المالي والامتثال، مما يساهم بشكل مباشر في الحدّ من مخاطر الائتمان ولا علاقة لمصرف لبنان بها، لافتا الى أن شركة K2 integrity  استعان بها البنك المركزي العراقي لمراقبة التحويلات المالية وأثار عملها انتقادات واسعة بسبب استمرار الخروقات في المنظومة الرقابية وفشلت، وفي لبنان قد تواجه تحديات سياسية وقانونية معقدة  متوقعا الفشل في مهامها.

Spread the love

MSK