اعتقال علي الكيالي (معراج أورال) في لبنان: العلاقة اللبنانية السورية فيما بعد سقوط الأسد:

اعتقال علي الكيالي (معراج أورال) في لبنان: العلاقة اللبنانية السورية فيما بعد سقوط الأسد:

د.مريم اسحق

في السادس عشر من الشهر الحالي، صرّح مصدر أمني لبناني بأن علي الكيالي المعروف باسم معراج أورال الذي أوقفته دمشق، قد تم اعتقاله من بيروت دون علم السلطات الأمنية اللبنانية. وقد أشارت بعض الوسائل الإعلامية إلى أن  عناصر من المخابرات السورية قامت باقتحام منزله في منطقة المنصورية- بيروت، واقتياده للسفارة السورية في بعبدا ومن ثم نقله سراً إلى دمشق. في الوقت الذي أصدرت فيه السفارة السورية في بيروت بياناً يؤكد عدم ضلوعها في أي نشاط لتسهيل عملية الاعتقال هذه. 

علي الكيالي أو (معراج أورال) هو واحد من أبرز القادة العسكريين التابعين لنظام الأسد، ومتهم بمسؤوليته عن ارتكاب مجزرة جماعية في قرية البيضة بريف بانياس، راح ضحيتها 264 مدنياً بينهم 36 طفلاً و28 امرأة، ومجزرة رأس النبع بريف بانياس أيضاً والتي راح ضحيتها 195 مدنياً بينهم 56 طفلاً و43 امرأة. وفي أعقاب سقوط نظام الأسد في كانون الأول من العام 2024، أفادت العديد من التقارير الصحفية عن فرار عدد كبير من القادة العسكريين والأمنيين من هذا النظام إلى الأراضي اللبنانية، حيث غادر قسم منهم عبر لبنان إلى الخارج، فيما تشير العديد من التقاريرالصحفية أيضاً إلى أن بعضهم لا يزال داخل لبنان. 

لا تكمن الأهمية الاستراتيجية لقضية اعتقال علي الكيالي (معراج أورال)، في اعتقال شخصية متهمة بالضلوع في ارتكاب مجازرجماعية خلال الحرب في سوريا فحسب، بل في ما تكشفه عن التحولات الجارية في العلاقة اللبنانية السورية بعد سقوط نظام الأسد. فالقضية تطرح سؤالاً يتجاوز هوية المعتقل ومصيره لتطال مسألة سيادة لبنان الأمنية على أراضيه. فقبل سقوط نظام الأسد، استطاعت المخابرات السورية بناء شبكات نفوذ داخل لبنان بما قد يتجاوز سيادة لبنان على أراضيه، وقد تكشف عملية الاعتقال التي جرت منذ يومين أن شبكات النفوذ الأمنية تلك لا تزال قادرة على العمل، لكن بأدوات جديدة وبمرجعية مختلفة. وبالتالي، فإن الإشكالية لا تتعلق بنجاح عملية اعتقال شخص متهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، بل تتعلق بطبيعة الجهة التي قررت تنفيذ العملية، والإطار القانوني الذي حكمها، والسلطة التي اتخذت القرار النهائي بشأنها.

تكمن المعضلة اللبنانية في أن السيادة لا تُختبر فقط بقدرة الدولة على ضبط حدودها أو حصر السلاح، بل أيضاً بقدرتها على احتكار القرار المتعلق بالقبض على الأشخاص واحتجازهم وتسليمهمبموجب اتفاقيات تسليم المجرمين. فإذا جرت العملية عبر المؤسسات الرسمية وتحت رقابة قضائية، فقد تشكل خطوة نحو بناء تعاون أمني لبناني سوري مؤسسي، وفقاً لما جرى الإعلان عنه من قبل البلدين بعد سقوط نظام الأسد. لكن تنفيذها قد جرى على ما يبدوخارج الأطر الرسمية، ما يعني أن نقل شخص إلى سوريا، مهما كانت خطورة الاتهامات الموجهة إليه، قد يكشف عن فجوة بين السيادة القانونية والسيادة الفعلية. فالدولة لا تستعيد سلطتها بمجرد الوصول إلى المطلوبين، وإنما بفرض قواعد موحدة على جميع الجهات التي تمارس القوة داخل أراضيها. وفي هذا الشأن، تتضاعف أهمية القضية الحالية، لأن سقوط نظام الأسد لم يؤدِّ بالضرورة إلى إنهاء عقود من مفهوم الاعتماد على الشبكات الأمنية والسياسية والمالية التي تعمل خارج نطاق القانون. ومن الضروري إيلاء الاهتمام إلى أية شبكات جديدة قد تكون نشأت في ظل السلطة السورية الجديدة، وقد تسعى إلى إعادة إنتاج نفوذها عبر علاقات جديدة أو مساحات خارج السيطرة المؤسسية المباشرة. 

لقد عانى لبنان سابقاً من نفوذ أمني وسياسي كبير لنظام الأسد عبر الشبكات غير الرسمية، وبالتالي، فإن التحدي أمام الدولة اللبنانية في ظل قضية اعتقال علي الكيالي لا يقتصر على المساهمة في ملاحقة رموز نظام الأسد الموجودين ربّما على أراضيه وتسليمهم للمحاكمة بموجب اتفاقيات تسليم المجرمين، بل بات متعلقاً بالكشف عن البنى الأمنية التي قد تتحرك بمعزل عن القرار الأمني المؤسساتي اللبناني، وبما يتجاوز السيادة الأمنية اللبنانية على أراضي الدولة. 

بعد سقوط الأسد، جرى تحديد طبيعة العلاقة اللبنانية السورية من خلال اللقاءات السياسية والدبلوماسية التي جمعت مسؤوليين سياسيين وأمنيين وعسكريين من الجانبين على مدار الفترة الماضية، وهي تقوم بشكل أساسي على احترام السيادة والتعاون الأمني المشترك في العديد من الملفات، وأبرزها ملف ضبط الحدود، ولكن قضية اعتقال الكيالي في لبنان قد تشكّل إخلالاً بالأسس القانونية والسياسية التي يجب أن تبنى عليها هذه العلاقة، وأولها ضرورة التعاون الأمني والاعتماد على اتفاقية التعاون القضائي بين سوريا ولبنان في العام 1951 والتي تنضم مسألة تسليم المطلوبين. وعلى الرغم من أهمية اعتقال رموز نظام الأسد المتهمين بارتكاب الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، إلا أن هذا الأمر لا يلغي بأي شكل من الأشكال ضرورة أن يكون القرار الأمني على الأراضي اللبنانية محصوراً بالمؤسسات الأمنية اللبنانية فقط، خصوصاً لناحية التنفيذ. كما أنه لا يلغي بأي شكل من الأشكال ضرورة الالتزام بالمعايير القانونية المتعلقة بضمانات المحاكمة الجنائية العادلة والالتزام بالإجراءات الموثوقة التي تحمي الأدلة والشهود وتمنع الطعن في نزاهة عملية المساءلة. 

بناء على ما سبق، ينبغي قراءة قضية اعتقال الكيالي من خلال عدة نقاط، وليس من خلال مسؤوليته عن المجازر الجماعية خلال الحرب في سوريا. فأي عملية أمنية خارج الأطر الرسمية اللبنانية من شأنها أن تكشف خللاً في احتكار الدولة للقرار الأمني، أو جزءاً من مسار أوسع لعمل شبكات أمنية جديدة خارج نطاق السيادة اللبنانية. وهو ما يجب أن تعمل عليه الدولة اللبنانية لتحديد معالم العلاقة الرسمية بين سوريا ولبنان مستقبلاً، وبما يضمن عدم تكرار نهج نظام الأسد السابق تجاه الدولة اللبنانية. وفي هذا السياق،يمكن القول أن التحول الحقيقي بعد سقوط الأسد لا يجب أن يُقاس بعدد الشخصيات التي تُلاحق أو تُنقل عبر الحدود، بل بمدى قدرة الدولتين على إخضاع العلاقة بينهما لسلطة القانون، خاصة وأن قضية اعتقال الكيالي قد تشكل اختباراً مبكراً لنظام أمني جديد يُعاد تشكيله بعد سقوط الأسد، وهو ما يجب أن ترفضه الدولة اللبنانية عملاً بمبدأ السيادة ومنعاً لاستمرار مراكز النفوذ خارج المؤسسات الرسمية.

Spread the love

MSK