دولة رئيس مجلس الوزراء القاضي نواف سلام المحترم.
أن يبقى المواطن في المسافة الفاصلة بين الإعلان والتنفيذ، فذلك هو الفراغ الذي ينبغي ألا يترك مفتوحا”.
كتب ربيع مينا
إلى دولة رئيس مجلس الوزراء القاضي نواف سلام، وإلى الحكومة اللبنانية بكل مكوّناتها.
ليس في لبنان اليوم من يحتاج إلى من يشرح له حجم الأزمة. فاللبناني يعيشها على مدار الساعة، لا في نشرات الأخبار وحدها، ولا في التقارير الإقتصادية، ولا في المؤتمرات الصحافية؛ بل في تفاصيل يومه التي باتت تزداد كلفة وضيقا” وتعقيدا”.
الأزمة لا تحتاج إلى شاهد يصفها، فالشعب شاهدها وضحيتها في آن واحد.
والمواطن لا ينتظر من أحد أن يبلغه بأن معيشته أصبحت أصعب، إنه يعرف ذلك كلما واجه استحقاقا” جديدا”، وكلما اصطدم دخله بحاجاته، وكلما اكتشف أن ما كان يستطيع تدبيره بالأمس بات اليوم خارج قدرته.
لذلك، لم يعد توصيف الواقع كافيا”، مهما بلغت دقته، ولم تعد النوايا وحدها إجابة عن أسئلة الناس. المطلوب قرار. قرار واضح، مسؤول، قابل للتنفيذ، تتقدم فيه سرعة المعالجة على بطء التدهور.
لقد إستمع اللبنانيون إلى كلام دولة الرئيس عن المؤشرات الإقتصادية، والموازنة، والرواتب، والصحة، وبرامج الحماية الإجتماعية، والتمكين الإقتصادي. وهذه ملفات لا يجوز الإستهانة بها، لكن الإعلان عنها يفتح بابا” أوسع للمساءلة.
ما الذي سينفذ أولًا؟
ما الذي يمكن إنجازه فورا”؟ وما الإجراءات التي ستمنع مزيدا” من العائلات من الإنزلاق إلى العجز عن تأمين أبسط إحتياجاتها؟
هذه ليست أسئلة خصومة سياسية، بل أسئلة مسؤولية عامة.
فالحكومة مطالبة بأن تحدد ما تستطيع فعله الآن، وأن تفعله، وأن تصارح الناس بما يتعذر عليها إنجازه، ولماذا، ومتى يمكن معالجته.
أما أن يبقى المواطن في المسافة الفاصلة بين الإعلان والتنفيذ، فذلك هو الفراغ الذي ينبغي ألا يترك مفتوحا”.
من هنا، فإن المرحلة الراهنة تحتاج إلى إجراءات عاجلة تخفف الضغط عن الفئات الأكثر تضررا”، وقرارات إقتصادية تحرك الإنتاج وفرص العمل، وخدمات عامة تقلص ما تدفعه الأسر من جيوبها، وجدول زمني معلن يسمح للرأي العام بمتابعة التنفيذ ومحاسبة المقصّرين وفق الوقائع.
لا يكفي أن نعرف حجم المشكلة، ينبغي أن نعرف حجم الإستجابة لها.
ولا يكفي أن تُدرج الحاجات في الخطط، ينبغي أن تحدد لها الوسائل والمواعيد والجهات المسؤولة.
ولا يكفي أن تعلن المخصصات المالية، ينبغي أن يعرف المستفيد متى تصل إليه، وبأي آلية، وما الذي يضمن ألا تبقى حقا” مؤجلا” على الورق.
إن المسألة اليوم ليست في إنتاج خطاب إقتصادي جديد، بل في بناء مسار تنفيذي لا يترك الناس أسرى الإنتظار. فحين تتسع الهوة بين سرعة تدهور الأحوال وسرعة اتخاذ القرارات، يصبح الزمن نفسه عبئا” إضافيا”.
نحن و بكل محبة، إذ نضع هذه المسائل أمام الحكومة، لا نصادر حقها في شرح الصعوبات ولا نتجاهل ما يحيط بالبلاد من تحديات. لكن شرح العوائق يجب أن يكون بداية لتحديد سبل تجاوزها، لا نهاية للنقاش عند حدودها.
إن المسؤولية الحكومية لا تنتهي عند إعلان النية، ولا عند عرض الخطة، ولا عند إقرار الموازنة. إنها تبدأ فعليا” عندما تتحول القرارات إلى نتائج يمكن للناس أن يلمسوها، وعندما تصبح الأولويات المعلنة التزامات لها مواعيد وآليات متابعة واضحة.
دولة الرئيس، إن اللبنانيين لا يطلبون منكم أن تعدوهم بغد مثالي، إنهم يطلبون ألا يترك الغد مفتوحا” على مزيد من التدهور فيما القرارات الممكنة تنتظر.
لقد طال زمن الإستنزاف، وأصبحت الحاجة إلى الحسم أكبر من قدرة المجتمع على تحمل جولة أخرى من التأجيل.
فلتكن المرحلة المقبلة مرحلة قرارات محددة، لا توصيفات إضافية، مرحلة تنفيذ معلن، لا عناوين مؤجلة، ومرحلة تقاس فيها السياسة العامة بما أنجزته، لا بما أعلنته عن نفسها.
فالبلاد لا ينقصها من يصف الطريق الوعر؛ ينقصها أن تبدأ السلطة، بما تملكه من صلاحيات وإمكانات، بإزالة العوائق التي تستطيع إزالتها الآن.
وهذا ليس مطلبا” فوق قدرة الدولة، بل هو الحد الأدنى الذي تبدأ عنده مسؤوليتها.
بناء الإنسان
