لبنان أمام زمن جديد: من يحجز مقعده في القطار؟
مصباح العلي
يبدو أن لبنان بدأ يخطو، ولو متأخراً، نحو تموضع استراتيجي جديد. وما جرى أمس في نيودلهي، مع توقيع مرفأي بيروت وطرابلس الإعلان المشترك لإطلاق «نادي موانئ الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا» (IMEC)، ليس مجرد اتفاق لوجستي عابر. فهو يضع لبنان للمرة الأولى منذ سنوات أمام احتمال العودة إلى شبكة اقتصادية إقليمية ودولية يجري بناؤها على أنقاض خرائط المنطقة القديمة.
صحيح أن لبنان لم يصبح، بالمعنى التقني، جزءاً من المسار الأساسي للممر، لكن انضمام مرفأيه إلى نادي موانئه يفتح نافذة على هذا المسار، ويمنحه موقعاً يمكن تطويره إذا توافرت الشروط السياسية والأمنية والاقتصادية. والممر في نهاية المطاف ليس مجرد سكك حديد وموانئ وحاويات؛ إنه أحد تعبيرات إعادة تشكيل الشرق الأوسط، حيث تتقاطع التجارة مع السياسة والأمن وموازين النفوذ.
وهنا تبدأ القصة اللبنانية الحقيقية.
فالمتغير الاقتصادي يأتي متزامناً مع ضغط سياسي وأمني عنوانه الأبرز حصرية السلاح بيد الدولة. وفي واشنطن، حمل لقاء رئيس الحكومة نواف سلام بوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو رسالة واضحة حول ضرورة اتخاذ خطوات عملية في هذا الملف، فيما تمسكت الحكومة اللبنانية بربط المسار بنسق متوازن يشمل الانسحاب الإسرائيلي ودعم الجيش وإعادة الإعمار.
وبمعنى آخر، ثمة مساران يتحركان في الوقت نفسه: لبنان يريد أن يدخل شبكة اقتصادية جديدة، والمجتمع الدولي يريد أن يرى دولة أكثر قدرة على الإمساك بقرارها الأمني والسيادي.
ليس بالضرورة أن يكون المساران منفصلين.
فالاستثمار في المرافئ والطرق واللوجستيات لا يعيش في بيئة أمنية مضطربة، والممرات التجارية الكبرى تحتاج إلى دول قادرة على حماية حدودها ومؤسساتها وقراراتها. لذلك فإن إعادة تموضع لبنان الاقتصادي قد تكون، في جانب منها، الوجه الآخر لإعادة تعريف موقع الدولة اللبنانية السياسي والأمني.
ومن هنا يمكن فهم التحولات التي تطاول الطبقة السياسية نفسها.
الطبقة التي أدارت لبنان طوال نحو ثلاثة عقود تجد نفسها أمام زمن مختلف. ليس المطلوب فقط أن تعيد إنتاج نفسها، بل أن تثبت قدرتها على الانتقال من مرحلة إدارة التوازنات إلى مرحلة بناء موقع جديد للبنان.
نبيه بري يقف أمام جنوبٍ تبدلت ملامحه بعد الحرب، في لحظة تضع أمامه إرثاً سياسياً عمره عقود أمام امتحان قاسٍ. وليد جنبلاط اختار الانتقال إلى موقع أكثر ابتعاداً عن الواجهة المباشرة، بينما خرج سعد الحريري من السياسة اليومية، رغم أن موقعه داخل البيئة السنية لم يفقد دلالته السياسية. أما جبران باسيل، فيخوض معركة الحفاظ على موقع التيار الوطني الحر في مشهد مسيحي ووطني يتغير بسرعة.
وإذا كانت هذه التحولات تعني شيئاً، فهي أن المرحلة المقبلة لن تكون مجرد تمديد للمرحلة السابقة بأسماء جديدة.
في المقلب المسيحي تحديداً، يظهر سؤال آخر أكثر حساسية: من سيكون شريكاً أساسياً في صياغة المرحلة المقبلة؟
هنا تبرز العلاقة بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس القوات اللبنانية سمير جعجع، وهي علاقة لا يمكن فصلها عن سؤال أوسع يتعلق بالتمثيل المسيحي وموقع الرئاسة والفاعلين المسيحيين في النظام السياسي الجديد.
ويأتي طرح تعديل وزاري محدود، وخصوصاً في حقيبة الخارجية، في هذا السياق.
فبالنسبة إلى رئيس الجمهورية، تبدو وزارة الخارجية جزءاً من أدوات المرحلة المقبلة: اتفاقات، علاقات دولية، انفتاح على العواصم، وموقع جديد للبنان في شبكة إقليمية تتشكل بسرعة.
أما بالنسبة إلى جعجع، فإن المعركة على هذا الموقع يمكن أن تُقرأ في إطار أوسع: من يشارك في صناعة التحول، ومن يكتفي بمراقبته؟
ولهذا فإن الخلاف، إن تطور، لن يكون خلافاً على اسم وزير فقط، بل على من يملك مفاتيح المرحلة الخارجية للبنان، ومن يشارك في رسم صورته المقبلة لدى العالم.
والأكثر أهمية أن لبنان يبدو اليوم بلا المظلة التقليدية التي اعتاد الاحتماء بها عند الخيارات المفصلية.
لم تعد هناك جهة واحدة تقول للبنانيين ماذا يفعلون ثم تتولى حماية القرار. العالم نفسه تغير، والمنطقة تغيرت، والتحالفات تتبدل، والأولويات الدولية لم تعد مطابقة لأولويات لبنان القديمة.
ما يصل إلى بيروت اليوم أقرب إلى النصيحة منه إلى الوصاية: اركب القطار الإقليمي والدولي قبل أن يغادر.
لكن ركوب القطار يحتاج إلى دولة، والدولة تحتاج إلى قرار، والقرار يحتاج إلى تسوية داخلية حول شكل لبنان المقبل.
وهنا تكمن المسألة الأصعب.
فلبنان لا يواجه فقط سؤالاً حول سلاح حزب الله، ولا حول مرفأي بيروت وطرابلس، ولا حول حكومة أو تعديل وزاري. إنه أمام سؤال أكبر بكثير:
هل يستطيع أن ينتقل من لبنان الذي عاش على إدارة الأزمات إلى لبنان الذي يحاول أن يصنع موقعه في خريطة المنطقة؟
القطار تحرك فعلاً.
