العفو العام في لبنان: «قانون الممكن» أم «بازار سياسي»؟

العفو العام في لبنان: «قانون الممكن» أم «بازار سياسي»؟

نِعْمَت كَرُّوم

جاء قانون العفو العام إلى مجلس النواب محمولًا على أزمة قديمة: سجون مكتظة، وموقوفون أمضى بعضهم سنوات من دون محاكمة، وملفات قضائية تراكمت حتى أصبح العفو أحد مخارجها السياسية. لكن المشروع لم يبقَ محصورًا في معالجة الاكتظاظ؛ دخلت إليه ملفات الموقوفين الإسلاميين وأحداث عبرا والمبعدين إلى إسرائيل وجرائم المخدرات، وانتهى إلى صيغة أقرها مجلس النواب في 12 آب/أغسطس.
وليس هذا أول قانون عفو في لبنان. فمنذ الاستقلال، عرف لبنان 16 قانونًا للعفو العام، اختلفت دوافعها بين التسويات السياسية والسلم الأهلي ومعالجة تداعيات الحروب وأزمات السجون. وكان أول عفو عام في 19 تشرين الأول/أكتوبر 1949، بمناسبة بدء الولاية الثانية للرئيس بشارة الخوري، ثم تعاقبت قوانين العفو في مراحل سياسية مختلفة، وصولًا إلى قانون العفو الذي صدر عام 1991 بعد انتهاء الحرب الأهلية، والقانون الصادر عام 2005، قبل القانون الحالي.
قانون الممكن
وصف الصحافي د. بشير مصطفى القانون بأنه «قانون الممكن»، انطلاقًا من الأسباب الموجبة التي ربطته بأزمة القضاء وإدارة السجون، وبموقوفين أمضوا سنوات تتجاوز المهل القانونية من دون محاكمة، في بلد عانى أزمات سياسية ودستورية متلاحقة. وفي هذا السياق، أقر القانون إسقاط الدعوى العامة ومحو العقوبات الأصلية والفرعية والتدابير الاحترازية في الجرائم التي يشملها العفو.
لكن القانون لم يأتِ بعفو شامل. فقد استثنى جرائم عدة، بينها القتل عمدًا أو قصدًا، والجرائم الإرهابية، والخيانة والتجسس والصلات غير المشروعة بالعدو، وجرائم الفساد والمال العام، واستثنى القانون جرائم الاغتصاب وسفاح القربى والاتجار بالبشر والاعتداء الجنسي على القُصّر، إضافة إلى جنايات تكرار المخدرات وغيرها. وفي المقابل، خفّض العقوبات، فجعل الإعدام 28 سنة سجنية، والأشغال الشاقة المؤبدة 17 سنة، وخفّض ثلث العقوبات الأخرى.
وأدخل القانون معالجة مباشرة لملف التوقيف الطويل، فنص في صيغته النهائية على إخلاء سبيل من تجاوز توقيفه 12 سنة سجنية من دون صدور حكم بحقه، من دون أن يعني ذلك إنهاء المسار القضائي في الملف. وكان هذا الشرط قد خضع للتعديل في الجلسة النيابية الأخيرة، إذ خُفّض من 14 سنة إلى 12 سنة وحُذفت كلمة «مبرم».
هذه الصيغة تفسر لماذا لا يمكن اختزال القانون في معالجة أزمة السجون.
من «قانون الممكن» إلى «البازار السياسي»
ومنذ طرح قانون العفو العام، كان موقف النائب د. مصطفى علوش واضحًا في رفض تحويل معالجة أزمة السجون إلى تسوية سياسية. وفي مواقفه السابقة، ركّز على الموقوفين الذين أمضوا سنوات من دون محاكمة، وعلى ضرورة معالجة كل ملف وفق طبيعته ومساره القضائي، بدل جمع قضايا مختلفة تحت مظلة عفو واحد. ولم يتغير هذا الموقف مع إقرار القانون؛ بل عاد في الحوار الذي أجريته معه ليشرح بصورة أكثر مباشرة ما الذي يعنيه بـ«البازار السياسي».
بالنسبة إلى علوش، بدأ قانون العفو من عنوان اكتظاظ السجون، ثم دخلت عليه قضايا أخرى، بينها المظلومية وملف المبعدين وملفات الموقوفين في قضايا الإرهاب والمخدرات، إلى أن أصبحت التسوية في صيغتها الحالية ذات بعد طائفي. فجرى التعامل مع تسوية أوضاع الموقوفين في قضايا الإرهاب باعتبارها حصة للسنة أو للمعتقلين الإسلاميين، فيما عُدّت قضية المبعدين إلى إسرائيل قضية مسيحية، وأصبحت قضية المخدرات جزءًا من التوازنات التي تدخل فيها الاعتبارات الطائفية.
ولهذا وصف علوش ما جرى بأنه «بازار سياسي»، لا معالجة حقوقية.
المعالجة الحقوقية، بحسب منطقه، تبدأ من السجن نفسه: إذا كان السجن مكتظًا، تعالج الدولة مشكلة السجون؛ وإذا كانت ظروف الاحتجاز غير إنسانية، تحسنها؛ وإذا كان الخلل في المسار القضائي، تسرّع المحاكمات وتصنّف الاتهامات وتتعامل مع كل فئة وفق طبيعة قضيتها.
أما اللجوء إلى العفو العام كحل لتسوية سياسية، فينقل المشكلة إلى مكان آخر.
ويعطي علوش مثالًا على ذلك من حجم السجون. فحين يكون عدد الموجودين فيها قرابة ثمانية آلاف، فيما تبلغ قدرتها الاستيعابية في أفضل الظروف نحو أربعة آلاف، فإن إخراج عشرات الموقوفين لا يحل مشكلة الاكتظاظ. ويرى أن من الحلول التي كان يمكن العمل عليها معالجة ملف الموقوفين السوريين وإعادتهم إلى سوريا، بما يخفف عدد الموجودين في السجون اللبنانية، ثم معالجة بقية الملفات.
ويرى علوش أن الحل القضائي يبدأ بتجزئة الملف: الموقوفون من دون محاكمة تُسرّع محاكماتهم، ومن يُحتمل أن تكون عقوبته قد استُنفدت خلال فترة توقيفه يُخلى سبيله، ثم تُبحث مدد العقوبات والسنة السجنية وظروف الاحتجاز، وفق طبيعة كل ملف وحكمه.
وهنا يدخل العامل السياسي أيضًا. فبعض الملفات التي كانت تُقرأ بطريقة معينة في مرحلة سابقة أصبحت تُقرأ بطريقة مختلفة اليوم. ويشير علوش إلى قضية أحمد الأسير، وإلى أن مواجهة النظام السوري أو المشاركة في القتال معه كانت تحمل توصيفًا سياسيًا في مرحلة سابقة، بينما تغيرت المعطيات السياسية. كما يشير إلى أن تصنيف حزب الله نفسه تغيّر في الخطاب السياسي والقانوني بين اعتباره مقاومة في مرحلة سابقة وتصنيفه اليوم من جانب خصومه كتنظيم مسلح.
ومن هنا، يرى أن إعادة قراءة أوضاع السجون بحسب طبيعة الجرم والأحكام والمدد أكثر إنصافًا من إخراج السجين تحت صفة العفو العام. فالعفو، في رأيه، يترك على الشخص صفة أنه ارتكب جريمة ثم عُفي عنه، بينما قد يكون بين الخارجين من لم تصدر بحقه محاكمة.
وهنا تبرز المشكلة التي يطرحها علوش بوضوح: ماذا عن الشخص الذي أمضى سنوات في السجن من دون محاكمة ثم خرج بريئًا؟ ومن يعوضه عن السنوات التي قضاها خلف القضبان؟
عبرا وإعادة تصنيف الوقائع
ويصل علوش إلى ملف عبرا من باب إعادة تصنيف الوقائع. فالقضايا التي حوكم على أساسها أشخاص في مرحلة سياسية معينة، يقول، لا يمكن التعامل معها بمعزل عن تغير الظروف التي أحاطت بها. ويضرب مثالًا بقضية أحمد الأسير، معتبرًا أن ما كان يُنظر إليه سياسيًا وأمنيًا في مرحلة سابقة قد يحتاج اليوم إلى مراجعة في ضوء ما تغيّر في لبنان والمنطقة.
ويطرح، في هذا السياق، إعادة محاكمة الملفات التي ظهرت فيها معطيات جديدة، ومراجعة مسؤوليات الأطراف التي شاركت في أحداث عبرا، بما فيها دور عناصر حزب الله الذين شاركوا في المعارك ولم يخضعوا للمحاسبة نفسها، إضافة إلى مراجعة دور ضباط الجيش الذين شاركوا في إدارة العمليات.
ولا يضع علوش أحمد الأسير ونعيم عباس في خانة واحدة. بل يرى أن المقارنة بين الجرائم في مثل هذه الملفات يجب أن تكون على أساس الوقائع والأفعال، لا الانتماء السياسي أو الطائفي.
وبالنسبة إلى سؤالي عن قضية نوح زعيتر، في ظل المخاوف من إمكان استفادته من قانون العفو، لم يحسم علوش الأمر، وقال إنه لا يستطيع معرفة ذلك في هذه المرحلة. لكنه أشار إلى أن استمرار بقائه سنوات طويلة خارج التوقيف، رغم وجوده في مناطق نفوذ حزب الله، يثير في رأيه تساؤلات حول علاقاته السياسية والأمنية، وقال إن حزب الله كان مستفيدا من هذه القضية، على الأقل وفق توصيفه.
وفي ملف الموقوفين الإسلاميين، يرى علوش أن القانون لن يحل قضية الجميع، مشيرًا إلى أن الأرقام التي جرى تداولها عن آلاف أو مئات الموقوفين لا تنعكس في عدد المستفيدين فعليًا. وقال إن العدد الذي سيخرج في المرحلة الأولى يبلغ نحو 79 شخصًا، وهو عدد محدود مقارنة بحجم المشكلة.
ويعود علوش إلى النقطة الأساسية: لا يمكن تطبيق قانون عفو عام بصورة عادلة من دون تصنيف الجرائم والأحكام، ومعرفة من هو موقوف ومن هو محكوم، ومدة التوقيف، وطبيعة الجرم، وما إذا كانت العقوبة قد استُنفدت أو لا.
بين العفو والتصنيف
هذه النقطة تظهر أيضًا في نص القانون نفسه. فالمشرّع لم يضع جميع الجرائم في خانة واحدة؛ بل حدد جرائم مستثناة، وخفّض عقوبات أخرى، ووضع معالجة خاصة للموقوفين الذين تجاوز توقيفهم 12 سنة من دون حكم.
لكن تطبيق هذه القواعد يبقى مرتبطًا بتفاصيل كل ملف. وهذا ما يجعل الانتقال من النص إلى الحالات الفردية ضروريًا، خصوصًا في الجرائم التي تمس المجتمع مباشرة.
وفي ملف المخدرات، تصبح طبيعة الجريمة نفسها جزءًا أساسيًا من النقاش. فهذه الجرائم لا يتوقف أثرها عند مرتكبها، بل قد تمتد إلى ضحايا آخرين وإلى المجتمع، وقد ترافق ملاحقتها اشتباكات مسلحة وسقوط عناصر من القوى الأمنية. ففي شباط 2023 قُتل ثلاثة عسكريين لبنانيين خلال مداهمة لمطلوبين بقضايا اتجار بالمخدرات في البقاع، وانتهت المواجهة أيضًا بمقتل ثلاثة من المطلوبين. وفي آب 2025، قتل الجيش ثلاثة من أبرز تجار المخدرات في الشراونة ـ بعلبك خلال اشتباك، وقال إنهم مطلوبون أيضًا بقتل عسكريين وإطلاق النار على مراكز ودوريات الجيش.
ويبرز هنا ملف جورج ديب، الذي صدر بحقه في 16 تموز/يوليو حكم غيابي بالأشغال الشاقة المؤبدة في قضية مخدرات. وتظهر مثل هذه الملفات الفارق بين التعاطي الفردي وبين الجرائم المرتبطة بتصنيع المخدرات والاتجار بها وتهريبها، وهي أفعال تختلف في طبيعتها وحجمها عن جرائم التعاطي.
العفو بدل المحاكمة
المشكلة الأساسية التي يكشفها القانون لا تكمن فقط في عدد من سيخرج من السجن، بل في أن العفو دخل إلى مكان كان يفترض أن تعالجه المحاكم.
هناك موقوفون أمضوا سنوات من دون محاكمة، وهناك محكومون ينتظرون تنفيذ أحكامهم، وهناك جرائم استُثنيت من العفو، وأخرى خُفّضت عقوباتها، وهناك ملفات سياسية بقيت عالقة لسنوات طويلة.
في حالة الموقوف الذي لم يُحاكم، لا تعالج المشكلة بإسقاط الملف، بل بإعطاء المحاكمة حقها. وفي حالة من تجاوز توقيفه 12 سنة من دون حكم، فإن القانون نفسه يعترف بأن استمرار الاحتجاز إلى ما لا نهاية لم يعد مقبولًا.
أما في الجرائم التي صدر فيها حكم، فالمسألة مختلفة: هناك عقوبة قررتها المحكمة، وهناك قانون جديد يحدد ما إذا كانت هذه العقوبة ستبقى كما هي أو تُخفض وفق شروطه.
لهذا لا يكفي إعلان العفو وإغلاق الملفات. ما يكشفه القانون هو حجم العمل الذي بقي على القضاء والدولة: تسريع المحاكمات، فرز الملفات، تحديد أوصاف الجرائم، معالجة التوقيف الطويل، وتحسين ظروف السجون.
والأخطر أن يتحول العفو، مرة أخرى، إلى الحل الأسهل في بلد تتراكم فيه الملفات إلى أن يصبح العفو نفسه جزءًا من طريقة إدارة العدالة.
بين «قانون الممكن» و«البازار السياسي» تبقى الحقيقة التي لا يستطيع القانون الاستثنائي إخفاءها: لبنان لا يعاني فقط من اكتظاظ السجون، بل من تأخر العدالة إلى الحد الذي يجعل العفو أحيانًا بدل المحاكمة.

Spread the love

adel karroum