إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان:لا شرعية للقتل أمام شرعية الحياة. 

إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان:لا شرعية للقتل أمام شرعية الحياة. 

د. مريم عبدالله اسحق.

مع إلغاء البرلمان اللبناني لعقوبة الإعدام، يدخل لبنان مرحلة جديدة في مقاربته للعدالة الجنائية، تتجاوز مسألة إلغاء عقوبة بعينها إلى إعادة النظر في فلسفة العقاب وحدود السلطة العقابية للدولة. فهذه الخطوة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها تساهلاً مع الجريمة أو انتقاصاً من حقوق الضحايا، وإنما باعتبارها تحولاً نحو مقاربة قانونية أكثر ارتباطاً بالحق في الحياة، وكرامة الإنسان، ونحو إعادة تعريف للحدود التي يجب أن تقف عندها الدولة في مواجهة الجريمة. فالمسألة ليست محصورة في تحديد العقوبة المتناسبة مع الجريمة، وإنما تتصل بسؤال جوهري يتمثل في قدرة الدولة أصلاً على أن تنهي حياة إنسان باسم القانون. 

الحق في الحياة هو الأصل الذي تنبع منه جميع الحقوق الأخرى، وهو حق مُصان ومقدس في جميع الشرائع والديانات السماوية. وحتّى وإن كانت الدولة تحتكر القوة، فإن هذا الاحتكار لا يعني أبداً أن القتل باسم القانون مباح أو مشروع. وصحيح أن النظام القانوني يميز بين الجريمة وبين تنفيذ العقوبة، ولا يساوي قانوناً بين الجريمة الفردية والإعدام القضائي. لكن هذا التمييز لا يحسم سؤال حقوقي واخلاقي وهو: هل ينبغي للدولة التي تحظر القتل أن تحتفظ في الوقت نفسه لها بسلطة قتل الإنسان كعقوبة؟

شرعية الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على إنزال العقاب، بل أيضاً بقدرتها على تقييد نفسها عندما تكون أمام حقوق مقدّسة لم تهبها هي ليكون لها الحق في استردادها، فالخالق هو واهب الحياة، وهو مُستردها فقط. وبغض النظر عن هذا الأساس الأخلاقي لإلغاء القتل باسم القانون، فإن إلغاء الإعدام مرتبط بفلسفة قانونية تقوم على الفصل بين أمرين: الأمر الأول هو المساءلة عن الفعل، أما الثاني فهو إنهاء وجود المجرم بشكل كامل. والأمر الأول ضرورة قانونية، أما الثاني فليس ضرورة قانونية. فالمجتمع يستطيع حماية نفسه من أخطر المجرمين من خلال السجن المؤبد والعقوبات المقيدة للحرية، من دون أن يجعل الموت شرطاً لتحقيق العدالة.

من أكثر الحجج التي تُثار دفاعاً عن الإعدام أنه يمثل القصاص العادل. لكن الدولة لا تتصرف بمنطق العاطفة، بل بمنطق القانون والحقوق. ولا يمكن أن تكون الدولة وسيلة للانتقام. وقد يكون الانتقام مفهوماً من الناحية النفسية بالنسبة إلى عائلة فقدت أحد أفرادها نتيجة جريمة بشعة، ولكن السياسة الجنائية لا يمكن أن تُبنى على الانفعال الفردي، بل أن وظيفة الدولة هي نقل النزاع من منطق الانتقام الخاص إلى منطق العدالة العامة. وبمجرد انتقال الجريمة إلى النظام القضائي، يصبح هدف العقوبة حماية المجتمع، وتحقيق الردع، والمساءلة، وإعادة التأهيل، وليس إشباع الرغبة في الانتقام.ولذلك، فإن الدولة لا ينبغي أن تقول للضحية سننتقم لك، بل ينبغي أن تقول: سنحقق العدالة ونحاسب المجرم وسنمنع تكرار الجريمة. 

الأحكام القضائية تتمتع بأعلى درجات الحجية، لكنها ليست معصومة من الخطأ، لأن القاضي سيظل إنساناً. وهذا أمر تعترف به جميع الأنظمة القضائية من خلال الاستئناف وإعادة المحاكمة وطرق الطعن المختلفة. وقد تثبت الوقائع في بعض الحالات أن حكماً جنائياً كان خاطئاً، أو أن دليلاً جوهرياً لم يكن معروفاً وقت المحاكمة، أو أن شهادة كانت مضللة، أو أن اعترافاً لم يكن صحيحاً. فإذا تم تنفيذ الإعدام، لن يكون هنالك أي مجال لتصحيح الخطأ. 

على الرغم من أن إلغاء عقوبة الإعدام يمثّل انتصاراً للإنسانية وللحق في الحياة، إلا أن هذا الأمر يضع على الدولة اللبنانية مسؤولية أساسية تتعلق في إكمال مسار إصلاح السياسة الجنائية. فإلغاء عقوبة الإعدام، في غياب إصلاح حقيقي للسجون، قد ينتج مشكلة جديدة بدلاً من حل المشكلة القديمة. وإذا كان البديل عن الإعدام هو السجن، فإن السؤال القانوني التالي يصبح: أي سجن؟فلا يمكن أن تتحول الدولة من “الإعدام” إلى “السجن” ثم تعتبر أنها أنجزت إصلاح السياسة الجنائية. السجن في فلسفة حقوق الإنسان يجب أن يكون متوافقاً مع الكرامة الإنسانية، وأن يحقق غرض العقوبة والحماية وإعادة التأهيل. أما السجون المكتظة، التي تفتقر إلى الموارد والخدمات الصحية والنفسية والتعليمية وبرامج التأهيل، فقد تتحول إلى بيئات تعيد إنتاج الجريمة. وهذا يجعل إصلاح السجون شرطاً ملازماً لإصلاح سياسة الإعدام.

إن إلغاء عقوبة الإعدام لا يعني أن الدولة أصبحت أقل حزماً تجاه الجريمة. بل يعني أنها أصبحت أكثر وضوحاً في تحديد وظيفة القانون الذي لا ينبغي أن يكون أداة للانتقام، وإنما أداة للعدالة.والعدالة لا ينبغي أن تعني موت الجاني بالضرورة، وإنما حماية المجتمع، وإنصاف الضحية، ومساءلة الجاني، وإصلاحه حيثما أمكن. ومن هنا، فإن إلغاء عقوبة الإعدام ينبغي أن يُنظر إليه في لبنان باعتباره إصلاحاً في فلسفة السلطة العقابية نفسها. فالدولة التي تحظر القتل على أفراد المجتمع يجب أن تكون شديدة الحذر عندما تمنح نفسها سلطة القتل. والنظام القانوني الذي يؤمن بكرامة الإنسان لا ينبغي أن يجعل كرامته قابلة للسقوط بالكامل بمجرد صدور حكم جنائي.

وبالمقابل، فإن الدولة التي تريد حماية المجتمع لا يكفيها أن تسجن المجرم؛ بل عليها أن تصلح نظام السجون. ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست بين “مع الإعدام” و”ضد الإعدام”. بل أن المعركة الحقيقية هي بين فلسفتين للعدالة: فلسفة ترى أن نهاية الجريمة هي موت مرتكبها، وفلسفة ترى أن نهاية الجريمة يجب أن تكون مجتمعاً أكثر أمناً، وضحية أكثر إنصافاً، ونظاماً قضائياً أكثر عدالة، ومجرماً جرى إصلاحه حيثما كان الإصلاح ممكناً. ومن هذه الزاوية، فإن إلغاء عقوبة الإعدام ليس نهاية السياسة الجنائية. إنه اختبار لقدرة الدولة على الانتقال من منطق العقاب إلى منطق العدالة.

Spread the love

adel karroum