حسين غملوش :إن استعادة ثقة اللبنانيين بدولتهم تقتضي إشراك المواطنين في صناعة القرار،
بيان وطني
حسين غملوش
رئيس جمعية تنمية السلام العالمي
لبنان أولًا… فرصة تاريخية لبناء الدولة واستعادة ثقة المواطن بها
في أعقاب جولة المفاوضات التي عُقدت في العاصمة الإيطالية روما
يتابع اللبنانيون باهتمام بالغ نتائج الجولة الأخيرة من المفاوضات التي عُقدت في العاصمة الإيطالية روما، في مرحلة تُعد من أدق المراحل التي مرّ بها لبنان والمنطقة منذ سنوات، حيث تتقاطع المواجهات العسكرية مع المساعي الدبلوماسية، وتتداخل الحسابات الإقليمية والدولية مع مستقبل لبنان وسيادته واستقراره ووحدة شعبه.
إننا ننظر إلى كل جهد سياسي أو تفاوضي يهدف إلى وقف الاعتداءات، وإنهاء الاحتلال، وحماية المدنيين، وتهيئة الظروف لعودة أبناء الجنوب إلى أرضهم وقراهم ومنازلهم، باعتباره فرصة يجب التعامل معها بمسؤولية وطنية عالية، شرط أن يكون قائمًا على احترام القانون الدولي، وصون سيادة لبنان، وحماية حقوقه الوطنية كاملة غير منقوصة.
لقد أثبت التاريخ أن السلام الحقيقي لا يولد من رحم الحروب، ولا يُفرض بالقوة، ولا يقوم على منطق الغلبة أو الإملاءات، وإنما يُبنى على العدالة، والاحترام المتبادل، والالتزام بالقانون الدولي، والاعتراف بحقوق الشعوب في الأمن والحرية والسيادة.
ولقد دفع لبنان، كما دفعت شعوب المنطقة، أثمانًا باهظة من دماء أبنائه، ومن اقتصاده واستقراره ومستقبل أجياله. ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية تفرض علينا جميعًا أن نغتنم كل فرصة جدية لوقف دوامة العنف، ومنع تكرار المآسي، وبناء مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا وعدالة.
إن اللحظات المفصلية في تاريخ الأمم لا تُقاس فقط بنتائج المفاوضات أو بتوازنات القوى، بل بقدرة الشعوب على تحويل الأزمات إلى فرص، والانتقال من إدارة الصراعات إلى بناء الدولة، ومن منطق الانقسام إلى منطق الشراكة الوطنية، ومن ثقافة انتظار الحلول الخارجية إلى ثقافة صناعة المستقبل بإرادة وطنية جامعة.
غير أن استعادة الدولة لا تتحقق بالمفاوضات الخارجية وحدها، ولا بالشعارات والوعود، بل تبدأ من قيام الدولة بواجباتها تجاه مواطنيها. فالدولة لا يجوز أن تكتفي بفرض الضرائب والرسوم، أو بتلقي المساعدات الدولية باسم الشعب اللبناني، من دون أن يلمس المواطن أثرها في حياته اليومية وحقوقه الأساسية وخدماته العامة.
إن المواطن الذي يدفع الضرائب من حقه أن يحصل على الكهرباء والمياه والتعليم والصحة والرعاية الصحية والحماية الاجتماعية والأمن والقضاء العادل والإدارة الكفوءة والمحترمة. ومن حقه أيضًا أن يعرف كيف تُدار أموال الدولة، وكيف تُنفق المساعدات المقدمة باسم الشعب، وأن يخضع كل من يتولى الشأن العام للمساءلة والمحاسبة.
إن إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة ليست شعارًا سياسيًا، بل هي عقد وطني جديد يقوم على الحقوق والواجبات، وسيادة القانون، والشفافية، والمساءلة، والمشاركة الشعبية، والعدالة، والمساواة، بعيدًا عن المحاصصة والزبائنية والتمييز.
وانطلاقًا من مسؤوليتنا الوطنية والإنسانية، نؤكد المبادئ الآتية:
أولًا: إن الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جميع الأراضي اللبنانية، ووقف الاعتداءات والانتهاكات المتواصلة، واحترام سيادة لبنان وحدوده، والالتزام بالقرارات الدولية ذات الصلة، هي أسس لا غنى عنها لأي استقرار دائم أو سلام عادل.
ثانيًا: إن الجيش اللبناني هو المؤسسة الوطنية الجامعة، وحصن وحدة الوطن، والضامن لأمنه واستقراره. وإن دعمه وتعزيز قدراته وتمكينه من ممارسة مسؤولياته على كامل الأراضي اللبنانية يمثل مصلحة وطنية عليا تتقدم على أي اعتبار آخر.
ثالثًا: إن أي تفاهمات أو ترتيبات أمنية أو سياسية يجب أن تتم في إطار الدستور اللبناني والمؤسسات الدستورية، وبأعلى درجات الشفافية، وبتوافق وطني واسع، يحفظ وحدة القرار اللبناني، ويصون السلم الأهلي، ويمنع أي انقسام أو فتنة بين أبناء الوطن الواحد.
رابعًا: إن إعادة إعمار الجنوب، وتعويض المتضررين، وتأمين عودة آمنة وكريمة لجميع الأهالي إلى قراهم ومنازلهم، ليست قضية إنسانية فحسب، بل حق وطني ثابت، وجزء لا يتجزأ من أي مسار سياسي أو تفاوضي.
خامسًا: إن الدولة مسؤولة أمام مواطنيها عن تقديم الخدمات الأساسية، وحماية حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية، وضمان حياة كريمة لهم. فلا قيمة لدولة تجمع الضرائب وتتلقى المساعدات باسم شعبها، ثم تعجز عن توفير أبسط مقومات العيش الكريم.
سادسًا: إن كل مساعدة أو منحة أو قرض يُقدم إلى لبنان باسم شعبه يجب أن يخضع لأعلى معايير الشفافية والرقابة والمحاسبة، وأن يُخصص لخدمة المواطنين وإعادة بناء المؤسسات والبنية التحتية، لا لتعزيز الفساد أو المحاصصة أو شبكات المصالح.
سابعًا: إن بناء الدولة اللبنانية الحديثة يبدأ بترسيخ سيادة القانون، واستقلال القضاء، ومكافحة الفساد، وبناء مؤسسات قوية وشفافة، وإدارة كفوءة، واقتصاد منتج يحقق العدالة الاجتماعية ويحفظ كرامة الإنسان.
ثامنًا: إن استعادة ثقة اللبنانيين بدولتهم تقتضي إشراك المواطنين في صناعة القرار، وتعزيز الرقابة والمساءلة، واعتماد الكفاءة والنزاهة وتكافؤ الفرص معيارًا وحيدًا في إدارة الدولة ومؤسساتها.
تاسعًا: إن حماية لبنان لا تتحقق بالسلاح وحده، ولا بالمفاوضات وحدها، بل بوحدة اللبنانيين، وثقتهم بدولتهم، وقوة مؤسساتهم، وعدالة قوانينهم، وإيمانهم بأن الوطن يتسع لجميع أبنائه دون استثناء.
عاشرًا: إن التنوع الديني والثقافي الذي يتميز به لبنان ليس عبئًا ولا مصدر ضعف، بل ثروة وطنية وحضارية يجب الحفاظ عليها وترسيخها في إطار المواطنة الكاملة، والمساواة في الحقوق والواجبات، والشراكة الوطنية الحقيقية.
وفي ظل التطورات الإقليمية المتسارعة، وما تشهده المنطقة من تصعيد خطير يهدد الأمن والاستقرار، ندعو جميع الأطراف الإقليمية والدولية إلى تغليب لغة الحوار والدبلوماسية، والاحتكام إلى القانون الدولي، والعمل الجاد لمنع اتساع دائرة الحرب، لأن شعوب المنطقة تستحق مستقبلًا يقوم على الأمن والتنمية والسلام، لا على الحروب والصراعات المستمرة.
كما ندعو جميع القوى السياسية اللبنانية إلى الارتقاء فوق الحسابات الفئوية والاصطفافات الضيقة، والانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء الدولة، ومن منطق المحاصصة إلى منطق المواطنة، ومن تبادل الاتهامات إلى تحمل المسؤولية الوطنية.
وندعو الحكومة ومجلس النواب وجميع أجهزة الدولة إلى الانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى سياسة بناء الدولة، ومن الوعود إلى الإنجاز، ومن التعامل مع المواطن بوصفه مصدرًا للضرائب والأصوات الانتخابية إلى الاعتراف به شريكًا أصيلًا وصاحب الحق الأول في الدولة ومؤسساتها وثرواتها.
إن الدولة التي نريدها ليست سلطة فوق الشعب، بل مؤسسات في خدمة الشعب. وهي دولة تؤدي واجباتها قبل أن تطالب مواطنيها بواجباتهم، وتحفظ كرامتهم قبل أن تطلب منهم التضحيات، وتبني الثقة بالإنجاز لا بالوعود.
إن لبنان الذي نؤمن به هو دولة سيدة، حرة، مستقلة، عادلة، قوية بمؤسساتها، مزدهرة باقتصادها، آمنة بمجتمعها، يحكمها الدستور والقانون، ويشعر فيها كل مواطن بأنه شريك كامل في وطنه؛ لا تابعًا لطائفة، ولا رهينة لمحور، ولا ضحية لانقسام.
إن مستقبل لبنان لا يُبنى إلا بإرادة اللبنانيين أنفسهم، وبمشروع وطني جامع يجعل الإنسان أولًا، ويضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، ويؤسس لجمهورية حديثة تقوم على المواطنة، والعدالة، والكفاءة، والشفافية، والمساءلة، والمشاركة الشعبية.
إن الشعوب العظيمة لا تُقاس بعدد الحروب التي خاضتها، بل بعدد المرات التي استطاعت فيها أن تنهض من أزماتها، وأن تبني دولة عادلة تحفظ كرامة الإنسان، وتصون حقوقه، وتحقق العدالة بين جميع أبنائها.
فالشعب ليس عبئًا على الدولة، بل هو أساسها ومصدر شرعيتها، وأموال الدولة والمساعدات المقدمة باسم اللبنانيين هي حق للشعب وأمانة في أعناق المسؤولين، وليست ملكًا للسلطة ولا وسيلة للمحاصصة أو النفوذ أو تحقيق المصالح الخاصة.
إن الدولة التي تؤدي واجباتها قبل أن تطالب مواطنيها بواجباتهم، وتحترم القانون قبل أن تطلب احترامه، وتساوي بين جميع أبنائها دون تمييز، هي وحدها القادرة على استعادة ثقة شعبها، وترسيخ سيادتها، وصناعة السلام، وبناء مستقبل يليق بالأجيال القادمة.
إن لبنان الذي نحلم به ليس حلمًا مستحيلًا، بل مشروع وطن يستحقه كل لبناني ولبنانية؛ وطن يقوم على الحرية والعدالة والمواطنة وسيادة القانون، ويجعل الإنسان غايته الأولى، والدولة في خدمة المجتمع، لا متسلطة عليه.
حمى الله لبنان، وحمى شعبه، وحمى جيشه ومؤسساته، وألهم أبناءه الحكمة والوحدة، وجعل العدالة وسيادة القانون وخدمة الإنسان الأساس الذي تُبنى عليه الجمهورية اللبنانية الحديثة.
