مؤتمر وطني جديد لإنقاذ كيان الدولة اللبنانية
د. مريم عبد الله اسحق
أعاد اندلاع النزاع المسلح بين اسرائيل وحزب الله خلق توترات سياسية وطائفية جديدة في لبنان، حيث أدت هذه الحرب لإنتاج نمط جديد من العنف، وأعادت طرح إشكاليات بنيوية تتعلق بالسلاح خارج إطار المؤسسة العسكرية ودور مؤسسات الدولة اللبنانية في الحفاظ على النظام العام.
في الوقت الذي يدافع فيه مناصرو المقاومة الإسلامية في لبنان عن هذه الحرب باعتبارها جزء من معادلة المقاومة المشروعة ضد الاحتلال الاسرائيلي، تعارض تيارات سياسية واجتماعية متعددة هذا التصور. الأمر الذي كشف عن انقسامات داخلية حادة بين من اعتبر أن الدخول في الحرب مع اسرائيل هو شرعية وطنية تقتضيها ضرورة الدفاع عن النفس، وبين من اعتبرها قراراً أحادياً جرى اتخاذه من حزب الله بعيداً عن القرار السيادي للدولة التي تختص بتقرير السلم والحرب.
ترتبط هذه الحرب أيضاً بمجموعة من العوامل التي عمّقت الخلافات السياسية الداخلية، حيث ترى شريحة واسعة من اللبنانيين أن قرار دخول حزب الله في النزاع المسلح مع اسرائيل مرتبط بأجندات خارجية إيرانية، بعد السابع من أكتوبر من العام 2023، ونتيجة علاقة الارتباط السياسية والعسكرية بين حزب الله وإيران. وهو ما أدى فعلياً إلى تصاعد الاحتقان الطائفي والسياسي وازدياد التفكك في الإجماع الوطني. فقد أعاد الصراع تسليط الضوء على الانقسام المزمن بين القوى السياسية والطائفية، خصوصاً وأن بعض هذه القوى ترى في حزب الله أداةً إيرانية ضمن مشروع إقليمي يشمل لبنان.
في هذا السياق، يتصاعد الخطاب الطائفي ليعكس مزيداً من التفتت في البنية الوطنية اللبنانية، حيث اعتبر من يؤيد حرب حزب الله ضد اسرائيل أن رفض الأطراف الأخرى لهذه الحرب هو من قبيل “العمالة للغرب ولإسرائيل” وخيانة للقضية الفلسطينية؛ في الوقت الذي اعتبرت الأطراف الرافضة لجر لبنان إلى الحرب أن انضمام حزب الله إلى النزاع المسلح هو ارتهان للأجندات الإيرانية، دون أية اعتبارات لمصلحة لبنان السيادية. وقد أعاد هذا الخطاب الطائفي إنتاج بيئة من العنف التي قد تتطور لديناميات أمنية أوسع، في ظل عجز مؤسسات الدولة عن تولي مهامها؛ الأمر الذي قد يؤدي لتعزيز الاصطفاف الطائفي والديني كبديل عن الاصطفاف الوطني.
لقد ساهم الخطاب الطائفي في إعادة تدوير العنف وفتح المجال أمام استمراره في مرحلة جديدة من حياة اللبنانيين، فقد انعكس هذا الخطاب الطائفي على الخطاب الإعلامي الذي استهدف تفعيل سرديات الانقسام وترويج منطق التخوين؛ الأمر الذي أدى لتزايد المشاعر العدائية بين المكونات الاجتماعية اللبنانية إلى حد كبير، وهو ما تجسّد في الواقع بممارسات مناطقية عدائية، وتحريض ضمني لإجراء فرز يقوم على الرأي السياسي والانتماء الطائفي والحزبي. لذلك، يمكن القول أن ارتدادت النزاع المسلح الأخير لم تكن عسكرية وحسب، بل أنها كشفت عن عمق أزمة الهشاشة في البنى الاجتماعية اللبنانية، وعمق إشكالية تجاوز الهوية الوطنية والسيادة اللبنانية؛ الأمر الذي يبين الاستعداد النفسي القائم لدى شريحة واسعة من المجتمع لانتهاج العنف كوسيلة لتثبيت الوجود، وكوسيلة لفرض القرارات ضمن الداخل اللبناني تجاه بقية المكونات. وهو ما يقتضي منهجاً منظماً لتفكيك جذور هذا العنف الداخلية التي تظهر في كل أزمة من الأزمات وتعيد تشكيل علاقات اللبنانيين مع بعضهم البعض على قاعدة إلغاء وتهميش الآخر.
في هذا السياق، تشكّل اشكالية ضعف الأداء المؤسسي واحدة من أبرز العوائق أمام قدرة الدولة على مواجهة التحديات وإدارة النزاعات الداخلية المتكررة والمتشعبة في لبنان. حيث يشكل غياب منظومة عمل مؤسساتية قادرة على فرض القانون ومحاسبة الفاعلين من السياسيين مظهراً عاماً من مظاهر الضعف في الدور الحكومي، وهو ما يؤدي إلى تفاقم حالة الفوضى والاستقطاب السياسي والطائفي، ويعيق وجود حلول مستدامة للأزمات المستمرة في لبنان.
من الناحية العملية، تم بناء المنظومة المؤسساتية في لبنان بتوافق طائفي سياسي ضمني، وبوجود شكلي لمعايير الحوكمة؛ الأمر الذي أدى لعكس الإرادة الطائفية والسياسية خلال إجراءات الدولة، وحوّل المؤسسات الحكومية إلى مضمار تحاصص وخلافات مستمرة. وهو الأمر الذي لا يزال يشكل عقبة أمام دور فاعل وحقيقي للأجهزة الأمنية والسلطة القضائية، مما ساهم في تعزيز الإفلات من العقاب، وكرس شعوراً جماعياً بعدم وجود عدالة حقيقية يمكن أن يثق بها الجمهور. لذلك، يُعاد دائماً تشكيل العلاقات الاجتماعية في لبنان من منظور الحزب السياسي والطائفة وليس من منظور سيادة القانون.
لم يكن لمؤسسات الدولة اللبنانية دور كبير في ضبط العنف البنيوي في المجتمع اللبناني خلال الفترات السابقة عموماً، وخلال الحرب الأخيرة على وجه الخصوص، فالأزمات المتلاحقة التي عصفت بلبنان، وعدم وجود إرادة وطنية موحدة، انعكست على قدرة الدولة اللبنانية في فرض الأمن وسيادة القانون. وهو ما شجع على استخدام العنف وتحوّل الخطاب الطائفي والسياسي نحو التهديد.
المشكلة الأساسية في هذا الشأن مرتبطة باستشراء نمط العلاقات المبني على الولاء الحزبي والطائفي ضمن مؤسسات الدولة وأجهزتها الرسمية، فبدلاً من أن تنتهج هذه المؤسسات نهج الحياد، باتت أدوات بيد الأحزاب السياسية والقيادات الطائفية التي تستعملها في خصوماتها المستمرة؛ الأمر الذي حول المجال العام اللبناني إلى مساحة لتصفية الخصومات وأفقدها وظيفتها الرئيسية. لذلك، لم تكن مؤسسات الدولة اللبنانية قادرة على اتخاذ القرارات المناسبة بخصوص الأوضاع السياسية أو الأمنية بالشكل الأمثل، وخضعت لتجاذبات سياسية بين الأحزاب، ما أدى لتداعيات سلبية مباشرة على قدرة لبنان على احتواء وإدارة نزاعاته الداخلية، وضبط مسألة عدم التدخل بشؤونه الداخلية. فبدلاً من أن تلعب المؤسسات دور الوسيط والضامن للحوار والتوافق، أصبحت جزءاً من المشكلة، وسببت تراكم للأزمات وتصاعداً لوتيرة العنف التي باتت تهديداً حقيقياً للهوية الوطنية الجامعة.
من هذا المنطلق، تبدو مسألة علاج الضعف المؤسساتي في لبنان كضرورة حتمية، إلا أنه لا يمكن أن يتم بالاعتماد على نماذج مستوردة من الخارج، بل يجب أن يُصمم بإرادة وطنية تتجاوز الخلافات الطائفية أو السياسية وتعتمد على عنصر المواطنة لإعادة هيكلة المؤسسات وضمان عدم اندماجها بالمنظومة السياسية. وهذا الأمر يحتاج لايلاء النظر بمؤتمر وطني جديد يجمع كافة القوى الوطنية السياسية ويوحّدها ضمن مسار عمل مشترك يهدف لتحييد لبنان عن الصراعات والارتهان الخارجي، ولا يقل هذا الأمر أهمية عن أهمية أية جهود سياسية أو دبلوماسية تعمل عليها مؤسسات الدولة على الصعيد الخارجي، فتنظيم العلاقة بين المكونات الوطنية اللبنانية وإيجاد تفاهم بينها يحظى بأولوية على أية تفاهمات سياسية خارجية.
