الغاية تبرر الحرب: الاقتصاد واللغة وإعادة إنتاج العنف

الغاية تبرر الحرب: الاقتصاد واللغة وإعادة إنتاج العنف

بقلم نعمت كروم

حين لا يُعرف العنف بوصفه جريمة يُعاد إنتاجه داخل البنى التي تنظمه وتديره.
تمثلات الاقتصاد في الحروب الحديثة
لم يغب عن مخططي الحروب تاريخ ًبإلحاق هزائم اقتصادية بالخصوم إلى جانب الهزائم العسكرية . فإلى جانب صور الدبابات المدمرة كانت المنشآت الاقتصادية جز ًءا من مشهد إعلان النصر والهزيمة.
ومع تحولات الحروب وتوسع أدواتها لم تعد الأهداف الاقتصادية نتيجة جانبية بل أصبحت هدفًا يبرر أحيانًا عبر مفهوم الاستخدامات بعد المزدوجة.

مباشر كما في تصريحات دونالد ترامب حين اعتبر أن حصار الموانئ الإيرانية أكثر تأثيرا من الضربات العسكرية.
تصبح العقوبات الاقتصادية إحدى أبرز أدوات الحرب المعاصرة، فهي لا تصيب الجيوش مباشرة، بل تعيد تشكيل حياة المجتمعات عبر الضغط على الاقتصاد اليومي، لكن هذا النوع من الأدوات يضع مسألة العدالة في الواجهة، إذ غالبا ًبا ما تتحمل الشعوب العبء الأكبر بينما تمتلك الأنظمة وسائل متعددة للتحايل عليها.
في كوبا، تكشف العقوبات الممتدة كيف يتحول الضغط الاقتصادي إلى حياة يومية عبر تقييد التجارة والمعاملات المالية وفرض عزلة طويلة.

في روسيا وإيران، لا تؤدي العقوبات إلى ضغط اقتصادي فقط، بل إلى إعادة تشكيل البنية الاجتماعية: انكماش الاستثمار، تراجع الطبقة الوسطى، وارتفاع الاقتصاد الموازي. في إيران يترافق ذلك مع تضخم مزمن وعجز مالي مستمر رغم استمرار الإنفاق الأمني والعسكري، مع تح ّول تدريجي نحو اقتصاد حصار تديره شبكات غير رسمية ومؤسسات أمنية تتحكم في قنوات التجارة والتمويل خارج النظام الرسمي.

في روسيا، تتقاطع العقوبات مع حرب طويلة مكلفة، حيث تشير التقديرات إلى خسائر بشرية تقارب 1.2 مليون، بينهم نحو 325 ألف قتيل، ما ينعكس مباشرة على سوق العمل والإنتاج والضرائب. ورغم خسائر اقتصادية تُق َّدر بنحو 450 مليار دولار منذ 2022، يتجه الاقتصاد الروسي بشكل متزايد نحو تمويل الحرب، مع تخصيص نحو 40% من الموازنة للإنفاق العسكري والأمني، وتكلفة يومية للحرب تتراوح بين 500 مليون ومليار دولار.
يتشكل هنا اقتصاد صراع ُمدار أمن ًيا، حيث يصبح التوتر الخارجي جز ًءا من إعادة إنتاج السلطة.
في الحروب المعاصرة، لا يكون العنف حدثًا منفص ًلا، بل عملية مستمرة تُنتج وتُدار عبر مستويات متعددة، وهنا يصبح التمويل ليس مجرد دعم للحرب بل شر ًطا لبقائها واستمرارها.
في هذه المنظومة لا يبقى تمويل الحرب قرا ًرا سياس ًيا مجر ًدا بل يتحول إلى واقع يومي تشارك فيه مجتمعات كاملة حتى حين ترفضه أخلاق ًيا. فشعب يعارض الحرب يجد نفسه ممو ًلا لها عبر الضرائب وإعادة توزيع الموارد.
حرب تُخاض باسمه وتبرر بأمنه ضد شعوب أخرى لا تختلف عنه يكونها ضحية للبنية نفسها.
لكن ما يجعل هذا الصنف قاب ًلا للاستمرار ليس التمويل وحده، بل اللغة التي تعيد تشكيله.
البيت بما يحمله من ذاكرة يومية وتفاصيل حياة لا ُيقصف فقط، بل ُيعاد تسميته، يتحول إلى “هدف”، وإلى مصطلح بارد يختزل المكان إلى مساحة قابلة للتقييم. هذا لا يمحو المكان فقط، بل ينزع عنه سكينته المعتادة.
وعلى المستوى القانوني، تُستخدم مصطلحات مثل الأعيان المدنية لتحديد ما يفترض حمايته، لكنها في الممارسة تصبح جز ًءا من إدارة الدمار حيث تُقاس الخسائر وتُصنف، بينما يتراجع الإنسان أمام منطق الإحصاء.
وفي الخطاب العسكري والإعلامي، تُق َّدم الغارات بوصفها “عمليات دقيقة”، بينما ُيختزل المدنيون إلى أضرار جانبية. وهكذا لا ُيعاد فقط وصف العنف بل ُيعاد إنتاجه لغو ًيا بطريقة تفصل الفعل عن أثره الإنساني.
وكما يشير جورج أورويل، فإن إفساد اللغة يؤدي إلى إفساد التفكير، وإذا فسد التفكير ضعفت القدرة على إدراك الواقع. في النهاية لا تبدو العدالة مسألة قانونية خالصة، بل نتيجة تقاطع البنية القانونية مع آليات التمويل ومنطق اللغة. وعندما ُيعاد صياغة العنف داخل هذه المنظومة، لا ُيمحى العنف… بل ُينزع عنه وصف الجريمة.

Spread the love

MSK