الرفاعي: التفاوض يفقد معناه حين يتحول إلى جسر للتطبيع أو وسيلة لتعطيل أسباب القوة
أشار مفتي محافظة بعلبك – الهرمل الشيخ الدكتور بكر الرفاعي، في خطبة الجمعة، إلى أن “ليس كل باب يُفتح يُفضي إلى نجاة، ولا كل يدٍ تمتد تحمل خيرًا، بل قد يكون في ظاهر اللين ما يخفي وراءه قسوةً أشد. والإسلام، وهو دين الحكمة والعدل، لم يغلق باب التفاوض، بل جعله أداة من أدوات السياسة الرشيدة إذا أُحسن توظيفها، وربطه بالمصلحة، وقيده بالثوابت”.
وقال: “حين جنح العدو إلى السلم، أُمرنا أن نجنح، وقد علّمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نُحسن قراءة اللحظة، وأن نوازن بين المبادئ والمصالح دون أن نُفرّط في حق أو نُسلم أمرنا لوهم”، معتبرًا إن “التفاوض حين يتحول إلى غطاءٍ للتنازل، أو جسرٍ للتطبيع، أو وسيلةٍ لتعطيل أسباب القوة، فإنه يفقد معناه، ويتحول من أداةٍ لحفظ الحقوق إلى بابٍ لتضييعها. فالأمم لا تُصان حقوقها بالكلمات وحدها، بل بما تملكه من إرادةٍ وقوةٍ واستعداد، وما تحمله من وعيٍ يحول دون خداعها بالشعارات”.
ورأى ان “أخطر ما يواجه الأمة ليس عدوها الظاهر فحسب، بل ما يتسلل إلى داخلها من ضعفٍ في الوعي، أو تزيينٍ للتنازل، أو خلطٍ بين السلام المشروع والاستسلام المذموم. فكم من أمةٍ خسرت حقوقها لا لأنها هُزمت، بل لأنها صدّقت وعودًا لم تُبنَ على حق، واطمأنت إلى واقعٍ لم يُصن بقوة”.
وأضاف: “لا سبيل للخروج من هذا الواقع إلا بالعودة إلى الأصول التي تُبنى عليها الأمم: صدق الصلة بالله، وإصلاح الداخل، وبناء القوة، وتربية الأجيال على الوعي والثبات. فالنصر ليس وليد لحظة، بل هو حصيلة مسار طويل من الإعداد، تُبذل فيه الطاقات، وتُشحذ فيه الهمم، وتُصان فيه الثوابت”.
وتابع: “نخشى أن تُؤَمِّن الهدنة للعدو هامشًا أمنيًا في جنوبي الليطاني، وأن لا تمنحه ما عجز عنه بالحرب على طاولة التهدئة. وفي المقابل، تتبدّى نية واضحة لنقل التوتر من الأطراف إلى عمق الداخل اللبناني، بحيث يتحول الاستقرار الهش إلى ساحة ضغطٍ داخلي، يُستنزف فيها البلد سياسيًا وأمنيًا”.
وأردف: “يبدو أن النظرة الدولية تتعامل مع وقف إطلاق النار لا كحقٍّ للبنان، بل كتنازلٍ مشروط، يُراد توظيفه لفرض وقائع جديدة، تزيد من حجم الالتزامات على الدولة اللبنانية. ومن المتوقع أن تتصاعد الضغوط في المرحلة المقبلة ضمن مسار تفاوضي غير متكافئ، تُرسم حدوده خارج الإرادة الوطنية، وتُحدَّد نتائجه سلفًا”.
وأبدى الخشية من أن “ينزلق لبنان الرسمي تدريجيًا إلى أشكالٍ من التطبيع دون أن يحقق أي مكسبٍ حقيقي، فالتفاوض في ذاته ليس خطيئة، لكنه يصبح كذلك حين يُخاض بلا رؤية، ولا أوراق قوة، ولا سندٍ إقليمي يحفظ التوازن”.
ولفت إلى “مأساةٌ تتجاوز حدود الأسر إلى مشهدٍ أقرب إلى “مقابر الأحياء”، حيث يُترك آلاف الأسرى في سجون الإحتلال لمصيرٍ بطيء تحت وطأة التجويع والمرض والعزلة، بلا محاكمةٍ عادلة ولا رعايةٍ إنسانية”.
وقال: “نحن أمام مرحلةٍ يتفكك فيها النظام الدولي دون بديل واضح، فتُدار الصراعات بدل أن تُحسم، وتتحول الهدنات إلى أدوات تأجيل لا حلول. وفي هذا الفراغ ينتقل النزاع إلى معركة الوعي داخل المجتمعات، ما يفتح باب التحول دون ضمان نتائجه، ولا يُحسن التعامل معه إلا بوعيٍ يجمع بين فهم الواقع وسنن التغيير”.
وأضاف: “تتشكّل ملامح مرحلةٍ مضطربة تُدار فيها الصراعات بهدنٍ هشة لا تُنهي الحروب بل تؤجلها، وتُبقي المنطقة تحت تهديدٍ دائم بالاشتعال. لم تعد قوةٌ قادرة على فرض إرادتها أو ضمان استقرارٍ مستدام، فحلّت توازنات الضعف مكان توازنات القوة، واتسع الفراغ حتى باتت كل الأطراف تتحرك ضمن حدود العجز لا السيطرة”.
ختم : “يبقى الأمل في دولةٍ عادلةٍ قوية، قادرة على حماية شعبها وصون سيادتها وأرضها، وإدارة مصالحها بميزان الحكمة والتوازن بعيدًا عن الانفعالات أو الإملاءات، بما يحفظ الاستقرار الداخلي ويصون الكرامة الوطنية، ويؤسس لمسارٍ يحمي الحقوق ويمنع الانزلاق إلى الفوضى، ضمن رؤيةٍ مسؤولة تراعي تعقيدات المرحلة وتحدياتها”.
