الأمن الغذائي بين التحديات الاقتصادية والحاجة إلى سياسات تنموية

الأمن الغذائي بين التحديات الاقتصادية والحاجة إلى سياسات تنموية

بقلم الباحثة دورين عكر

في لبنان، لم يعد الأمن الغذائي مسألة مستقبلية أو احتمالًا نظريًا، بل أصبح واقعًا يوميًا تعيشه آلاف الأسر التي باتت تكافح لتأمين أبسط احتياجاتها الغذائية. فالأزمة الاقتصادية غير المسبوقة، وما رافقها من انهيار العملة الوطنية وارتفاع معدلات التضخّم، وضعت الغذاء في صلب معادلة البقاء، وحوّلته من حق أساسي إلى عبء ثقيل على كاهل المواطنين.

يُفترض أن يُقاس الأمن الغذائي بقدرة الأفراد على الوصول الدائم إلى غذاء كافٍ، آمن، ومغذٍ. إلا أن هذا المفهوم بات مهدّدًا في لبنان، حيث تراجعت القدرة الشرائية إلى مستويات خطيرة، وارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسب تفوق قدرة معظم الأسر على التحمّل. ومع اعتماد البلاد شبه الكامل على الاستيراد، أصبح أي اهتزاز في سعر الصرف أو في الأسواق العالمية ينعكس مباشرة على موائد اللبنانيين.

اقتصاديًا، يكشف الواقع الغذائي حجم الاختلال البنيوي في النموذج الاقتصادي اللبناني. فإهمال القطاعات الإنتاجية، ولا سيما الزراعة والصناعات الغذائية، جعل الأمن الغذائي رهينة الاستيراد والدعم المؤقّت. في المقابل، كان يمكن للزراعة أن تشكّل رافعة تنموية حقيقية، توفّر فرص عمل، وتدعم المناطق الريفية، وتخفّف الضغط عن الميزان التجاري. غير أن غياب السياسات الداعمة، وارتفاع كلفة الإنتاج، وغياب التخطيط الزراعي، كلها عوامل أسهمت في إضعاف هذا القطاع الحيوي.

أما على المستوى الاجتماعي، فقد عمّقت أزمة الغذاء الفجوة بين الفئات الاجتماعية والمناطق. فالأسر ذات الدخل المحدود باتت تضطر إلى تقليص نوعية الغذاء وكميته، ما ينعكس مباشرة على صحة الأطفال ونموّهم، وعلى قدرة الطلاب على التعلّم، وعلى الاستقرار الأسري عمومًا. كما ازدادت هشاشة النساء وكبار السن، في ظل تراجع شبكات الدعم الرسمية واعتماد شريحة واسعة من اللبنانيين على المساعدات الإنسانية.

ولا يمكن فصل أزمة الأمن الغذائي عن السياق الأوسع للأزمة الاجتماعية في لبنان، حيث يتقاطع الفقر الغذائي مع البطالة، والهجرة، وانعدام الأمان الوظيفي. فالغذاء لم يعد مسألة معيشية فحسب، بل أصبح مؤشرًا على تآكل العقد الاجتماعي، وعلى عجز السياسات العامة عن حماية الفئات الأكثر ضعفًا.

في مواجهة هذا الواقع، برزت مبادرات المجتمع المدني والبلديات كخط دفاع أول، عبر برامج الدعم الغذائي، والزراعة المنزلية، والتعاونيات المحلية. إلا أن هذه الجهود، على أهميتها، تبقى محدودة الأثر ما لم تُدرج ضمن رؤية وطنية شاملة تعالج جذور الأزمة، لا نتائجها فقط.

إن المطلوب اليوم هو الانتقال من إدارة الأزمات إلى اعتماد سياسات تنموية متكاملة تضع الأمن الغذائي في صلب الأولويات الاقتصادية والاجتماعية. سياسات تبدأ بدعم الإنتاج المحلي، وتنظيم الأسواق، وحماية صغار المزارعين، وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية، وصولًا إلى إعادة الاعتبار للغذاء كحق أساسي لا كسلعة خاضعة للتقلّبات.

في المحصّلة، يشكّل الأمن الغذائي في لبنان اختبارًا حقيقيًا لجدّية أي مسار إصلاحي أو تنموي. فالمجتمع الذي يعجز عن تأمين غذاء كريم لمواطنيه، يعجز عن تحقيق الاستقرار أو بناء مستقبل مستدام. ومن هنا، فإن الاستثمار في الأمن الغذائي ليس خيارًا ثانويًا، بل شرطًا أساسيًا لإعادة بناء الاقتصاد وتعزيز العدالة الاجتماعية في بلد أنهكته الأزمات.

Spread the love

MSK