التصعيد الأميركي تجاه إيران: بين كبح النووي وإعادة رسم الشرق الأوسط

التصعيد الأميركي تجاه إيران: بين كبح النووي وإعادة رسم الشرق الأوسط

روبا مرعي

أعاد تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إيقاف عملية عسكرية ضد إيران، بذريعة منع إعدام النظام الإيراني لمواطنين، خلط الأوراق السياسية وفتح باباً واسعاً للتأويل. ورغم ما بدا عليه التصريح من طابع إنساني، إلا أنه لا يخرج عن القاعدة الثابتة في السياسة الأميركية، حيث تُقاس القرارات الكبرى بميزان المصالح الاستراتيجية، لا بالاعتبارات الأخلاقية.

فالولايات المتحدة، تاريخياً، لا تخوض الحروب ولا توقفها إلا بما يخدم مصالحها المباشرة وغير المباشرة، وهو منطق ينسحب كذلك على تحالفاتها وخصوماتها.

من هذا المنطلق، يمكن مقاربة سياسة إدارة ترامب في الشرق الأوسط بوصفها جزءاً من مشروع أوسع يهدف إلى إعادة هندسة التوازنات الإقليمية، لا الاكتفاء بإدارة الأزمات أو احتوائها. ففي السنوات الأخيرة، نجحت واشنطن إلى حدّ بعيد في تحقيق هدف مركزي يتمثل في إضعاف الحلف الإقليمي لإيران، سواء عبر تقليص نفوذها في سوريا ولبنان، أو عبر محاصرة أذرعها السياسية والعسكرية في أكثر من ساحة.

هذا الواقع يطرح سؤالاً جوهرياً حول المرحلة التالية: هل تسعى الولايات المتحدة إلى إسقاط النظام الإيراني، أم أنها تكتفي بتحصيل “الثمن الاستراتيجي”، وفي مقدمته كبح البرنامج النووي، إلى جانب فرض شروط سياسية وأمنية إضافية؟ ويتعزز هذا السؤال في ظل تزامن تطورات إقليمية لافتة تشمل سوريا ولبنان وليبيا واليمن، إضافة إلى مصر، فضلاً عن البند الأكثر حساسية، أي القضية الفلسطينية، التي يجري التعامل معها كملف مؤجَّل أو ملحق بمسار إعادة ترتيب المنطقة.

في هذا السياق، تلفت أوساط دبلوماسية إلى أهمية مراقبة الأوضاع في الأردن ومصر، باعتبارهما مفتاحي ما يمكن تسميته بـ«سايكس – بيكو جديدة». فإسرائيل، بقيادة بنيامين نتنياهو، تسعى إلى إخراج سوريا ولبنان من معادلة الصراع الإقليمي، وقد بات لها هامش واسع للحركة في هذا الاتجاه، فيما يبقى الأردن مرتبطاً عضوياً بالضفة الغربية والسلطة الفلسطينية، وتشكل مصر المدخل الجنوبي لقطاع غزة والضامن الإقليمي لأي تسوية أو تصعيد.

هنا يبرز تمايز دقيق بين هدفين استراتيجيين متداخلين: الأول يتمثل في إيران كنظام ثوري إسلامي يشكّل تحدياً بنيوياً للنظام الإقليمي القائم، أما الثاني فيكمن في إعادة تشكيل الطوق المحيط بإسرائيل عبر كيانات ضعيفة وهشّة، على غرار ما شهدته دول الاتحاد السوفياتي السابق والكتلة الشرقية عقب تفككها، بما يضمن تفوقاً إسرائيلياً طويل الأمد في محيط مضطرب.

ومع تصاعد التصريحات الأميركية، وتزايد المؤشرات العسكرية والأمنية حول احتمال توجيه ضربة لإيران، تتبلور سيناريوهات متعددة، تتراوح بين عمل عسكري محدود يهدف إلى تحسين شروط التفاوض وحفظ مصداقية ترامب، أو تصعيد أوسع يسعى إلى شلّ قدرات النظام الإيراني السياسية والعسكرية والاقتصادية. وفي المقابل، يبقى الرد الإيراني مرتبطاً بطبيعة الضربة وحجمها، سواء عبر ردود محسوبة تحفظ توازن الردع، أو من خلال توسيع رقعة الاشتباك لتشمل القواعد الأميركية في المنطقة وإسرائيل، باستخدام أدوات مباشرة أو غير مباشرة.

في الخلاصة، لا يمكن فصل التصعيد الأميركي تجاه إيران عن مشروع أوسع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، حيث تتقدّم الحسابات الجيوسياسية على ما عداها، وتتقاطع المصالح الأميركية مع الرؤية الإسرائيلية في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. وبين كبح البرنامج النووي، وتفكيك النفوذ الإيراني، واحتمالات إسقاط النظام، تقف المنطقة على عتبة مرحلة جديدة، قد تعيد رسم ملامحها السياسية والأمنية لسنوات طويلة مقبلة.

Spread the love

MSK