الراعي: تجنيب لبنان خطر الانجرار إلى حرب جديدة يشكّل اليوم مسؤولية وطنية كبرى

الراعي: تجنيب لبنان خطر الانجرار إلى حرب جديدة يشكّل اليوم مسؤولية وطنية كبرى

ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس الأحد، في كنيسة السيدة في الصرح البطريركي في بكركي عاونه فيه المطرانان انطوان عوكر، انطوان شربل طربيه، أمين سر البطريركية الخاص الأب فادي تابت، أمين سر البطريرك الخاص الأب كميليو مخايل، بمشاركة لفيف من المطارنة والكهنة والراهبات، في حضور حشد من الفاعليات والمؤمنين. 

بعد الإنجيل المقدس القى البطريرك الراعي عظة، بعنوان: “أنت هو المسيح ابن الله الحيّ”(متّى 16: 16)، قال فيها: “بإعلان بطرس إيمانه بالمسيح، نحتفل بأحد تقديس البيعة، وببداية السنة الطقسية 2026 – 2027. فكما تدور الأرض حول الشمس في أربعة فصول، مستمدّة منها النور والحرارة، كذلك الكنيسة تدور حول شمسها المسيح في أزمنة طقسية، مستمدّة منه النور والنعمة والحياة.

في نواحي قيصرية فيلبس، جمع يسوع تلاميذه، واستمع إلى ما يقوله الناس عنه. وقد تعدّدت الآراء بين من رأى فيه يوحنا المعمدان، أو إيليا، أو إرميا، أو أحد الأنبياء. لكن سمعان بطرس تجاوزها، وأعلن بإيمان راسخ: «أنتَ هو المسيحُ ابنُ اللهِ الحيّ» (متى 16: 16). فطوّبه يسوع، كاشفًا له أن هذا الجواب لم يكن ثمرة معرفة بشرية، بل عطيّة إيمان من الآب السماوي. ثم قال له: «أنتَ الصخرة، وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي، وقوى الجحيم لن تقوى عليها» (متى 16: 18)، وسلّمه مفاتيح ملكوت السماوات للحل والربط، ومسؤولية الرعاية الكاملة للكنيسة (متى 16: 19)”.

وتابع: “يسعدني أن أرحّب بكم جميعًا، أنتم المشاركين معنا في هذه الذبيحة الإلهية، ونحن نحتفل بأحد تقديس البيعة ونفتتح سنةً ليتورجيةً جديدة. ونرفع صلاتنا من أجل عائلاتنا وشبابنا ومرضانا ومسنّينا، وأبنائنا المنتشرين في العالم، راجين أن تكون هذه السنة زمنًا مباركًا لتجديد الإيمان، والنموّ في القداسة، والثبات في المحبة والرجاء، ومع تجديد دعوتنا إلى تعميق إيماننا، وتقديس حياتنا، وتعزيز وحدتنا، لكي تبقى الكنيسة في أبنائها ورسالتها علامةً حيّةً لحضور المسيح ومحبته في العالم. ولكن كم يؤلمنا مقتل عزيزنا الخوري سمير ضو، أحد كهنة أبرشية جبيل العزيزة. فننضمّ اليوم إلى راعي الأبرشية سيادة أخينا المطران ميشال عون، وكهنة الأبرشية وعائلة المرحوم الخوري سمير، وسائر المؤمنين والمؤمنات الذين يجتمعون اليوم لإقامة الصلاة لراحة نفسه. إنّا ننضمّ إليهم بالصلاة والمواساة الشديدة، وطلب إجراء العدالة كاملة. يضعنا إنجيل اليوم أمام حقيقتين جوهريتين في حياة الكنيسة: الإيمان بالمسيح الذي تقوم عليه الكنيسة، والقداسة التي تستمدّها منه ومن الروح القدس.

إنّ إعلان بطرس: «أنتَ هو المسيحُ ابنُ اللهِ الحيّ» هو اعتراف بالإيمانالذي يجمع المؤمنين حول المسيح، ربًّا ومخلّصًا. وعلى هذا الإيمان الرسولي، أقام المسيح كنيسته، وقال لبطرس: “أنتَ الصخرة، وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي” (متى 16: 18)”.

واضاف: “لقد ائتمن الرب بطرس على خدمة وحدة الكنيسة وتثبيت إخوتِه في الإيمان. فالمسيح هو أساسها الثابت، ومنه تستمدّ حياتها ورسالتها. أما وعده بأن «أبواب الجحيم لن تقوى عليها»، فهو تأكيد أن المحن والاضطهادات، مهما اشتدّت، لن تستطيع أن تقضي على الكنيسة التي أسّسها، لأنه حاضر فيها وأمين لوعده. وفي أحد تقديس البيعة، نتأمّل في قداسة الكنيسة التي نعلن إيماننا بها واحدةً مقدسةً جامعةً رسولية. فهي مقدسة لأن المسيح رأسها ومؤسّسها قدوس، ولأن الروح القدس يسكن فيها ويعمل على تقديس أبنائها.

وتتجلّى هذه القداسة في مريم العذراء، أمّ الله وأمّ الكنيسة، وفي جميع القديسين الذين نحتفل اليوم بعيدهم، وفي كل مؤمن ومؤمنة يعيشان الإنجيل بأمانة. غير أن قداسة الكنيسة لا تعني خلوّ أبنائها من الخطيئة، فهي تضمّ بشرًا يحتاجون إلى التوبة والغفران والتجدّد الروحي. ولهذا أودعها المسيح الأسرار السبعة المقدسة، وجعلها ينابيع للنعمة والتقديس. في أحد تقديس البيعة، ومع بداية سنة طقسية جديدة، تحمل صورة الصخرة معنًى وطنيًا عميقًا: فالبناء الذي يصمد هو البناء القائم على أساس ثابت، وكذلك الأوطان لا تحميها التسويات العابرة ولا المعالجات المؤقتة، بل وضوح المرجعية وثبات المؤسسات وسيادة القانون”.

واردف: “إن تجنيب لبنان خطر الانجرار إلى حرب جديدة يشكّل اليوم مسؤولية وطنية كبرى. فوسط التوترات الإقليمية والاحتمالات المفتوحة على التصعيد، يصبح الحفاظ على لبنان، بعيدًا عن حروب تتخطى حدوده ومصالح شعبه، قضية وطنية بحد ذاتها. اللبنانيون لا يحتملون حربًا جديدةً، ويقولون: نعم للسلام. نريد السلام الذي يصون كرامة الإنسان ويحفظ سيادة الوطن، ونرفض الحرب التي لا تخلّف إلا الدمار والتهجير والمآسي. إنّ قرار الحرب والسلممسؤولية وطنية لا تحتمل تعدّد المرجعيات، لأن مصير اللبنانيين لا يمكن أن يكون خاضعًا لقرارات متفرّقة. إنّ وحدة القرار، وحصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، هما من مقوّمات السيادة والاستقرار، ومن الضمانات الأساسية لحماية الوطن وأبنائه.

ويرتبط بذلك ملف الحدود وحماية الداخل. فما يتكرّر من محاولات تهريب أسلحة، مثل شاحنة ضهر البيدر، تهدّد السلم الأهلي، وتشكّل جناية تهدّد سلامة المواطنين والأمن والاستقرار. وتكثر في هذه الأيّام ظاهرة شراء الأراضي، بواسطة سماسرة يستغلّون الوضع الاقتصادي الصعب. فالأرض عطية من الله، لتكون مساحة للعيش الحر الكريم، وتأدية الشهادة الصادقة للمسيح، والتفاعل الإنساني السليم في العيش المشترك. فيجب المحافظة على ملكية الأرض وعدم بيعها، فهي إرث من الآباء والأجداد أشبه بوديعة ثمينة وذخيرة مقدّسة. والأرض مكوِّنة للهوية التاريخية والاجتماعية والسياسية، فيجب الحفاظ عليها واستثمارها بشتّى الطرق ما عدا بيعها”.

وقال: “تبقى مواجهة الغلاء من أكثر القضايا إلحاحًا. فالناس يواجهون ارتفاعًا متواصلًا في كلفة الحياة والخدمات، وضغطًا على الرواتب والقدرة الشرائية، فيما تتراكم عليهم الضرائب والرسوم والأعباء. إنّ الدولة تُقاس بما تقدّمه للمواطنين من خدمة وعدالة وحماية، لا بما تستوفيه فقط منهم؛ فالمواطن ليس الحلقة الأسهل التي تُحمَّل دائمًا كلفة التعثّر. في كل هذه الملفات، تعود صورة الصخرةالتي يعطينا إياها الإنجيل. فينقص لبنان الأساس الثابت الذي يجعل الدولة قابلة للبناء والاستمرار، ينقصه قانون واحد، وقرار واحد في القضايا المصيرية، وحدود مصانة، ومؤسسات تعمل، وعدالة لا تجعل المواطن أول من يدفع الثمن وآخر من يحصل على حقه.

وفي بداية هذه السنة الطقسية الجديدة، يحمل أحد تقديس البيعة معنى يتجاوز جدران الكنائس. فكما أنّ الكنيسة تقوم على صخرة الإيمان والثبات، كذلك الحياة الوطنية تحتاج إلى ثوابت لا تتبدّل مع كل أزمة. فالحقيقة لا تُبنى على المساومة، والسيادة لا تتجزّأ، والمؤسسات لا تستقيم بالاستثناءات، وخدمة الإنسان لا تكون بندًا ثانويًا في حياة الدولة”.

وختم الراعي: “لنصلِّ، أيها الإخوة والأخوات الأحبّاء، لكي يبارك الله السنة الليتورجية الجديدة، ولكي يمنحنا من قداستها نعمة تقديس حياتنا، له المجد والشكر إلى الأبد، آمين”.

بعد القداس، استقبل الراعي المؤمنين المشاركين في الذبيحة الإلهية. 

Spread the love

adel karroum