سوق المواقف، حين يصبح الضمير سلعة.

سوق المواقف، حين يصبح الضمير سلعة.

كتب ربيع مينا

في كل زمن، وعلى هامش كل سلطة، تنبت فئة لا تقيم في الظل إلا بإنتظار أن تعرف من أين تأتي الشمس؛ فئة لا تصنع موقفا”، بل تصنع لنفسها موضعا” في المشهد، ولا تحمل مبدأً، بل تحمل حسا” بالغا” بجهة الريح.
إنهم الإنتهازيون والوصوليون والمتطفلون على موائد النفوذ، أولئك الذين حولوا السياسة من قضية إلى مهنة، والموقف من قناعة إلى وظيفة، والولاء من قيمة أخلاقية إلى ورقة قابلة للتداول.
هؤلاء لا يسألون أين الحق؟
بل يسألون، أين القوة؟
ولا يبحثون عن صاحب القضية، بل عن صاحب القرار ولا يهمهم اتجاه الوطن بقدر ما يهمهم اتجاه البوصلة نحو الكرسي.
لهم في تبديل المواقع براعة تكاد تبلغ حد الإحتراف، وفي إعادة صياغة الولاءات مهارة لا تحتاج إلى مبدأ. فإذا تبدل صاحب النفوذ، تبدلت قاموسهم، وإذا انقلب ميزان القوة، انقلبت معه مواقفهم، وإذا أُغلقت نافذة، أسرعوا إلى باب آخر.
هم لا يغيرون قناعاتهم لأن الحقيقة تغيرت، بل يغيرون الحقيقة في خطابهم لأن مصالحهم تغيرت.
يتقنون فن الإقتراب، وفن الإنحناء، وفن الظهور في اللحظة المناسبة، ثم يقدمون ذلك كله تحت عناوين براقة، حكمة، واقعية، مرونة، علاقات عامة، بينما الحقيقة أبسط وأقسى.
إنها انتهازية ترتدي ربطة عنق، ووصولية تتحدث بلغة المبادئ، وتطفل يحاول أن يبدو كأنه حضور وطني.
في عالم هؤلاء، يصبح الموقف سلعة، والولاء قابلا” للتفاوض، والصمت قابلا” للبيع، والضمير مؤجلا، لحين ظهور السعر المناسب.
إنها بورصة أخلاقية تتداول فيها المواقف.
فالسلطة قد تخطئ، والسياسي قد يخطئ، والمؤسسات قد تتعثر، لكن الخطر الأكبر يبدأ عندما يظهر حول الخطأ من يبرره، وحول الفساد من يجمّله، وحول الظلم من يمنحه غطاءً، وحول النفوذ من ينسج له شبكة من المتملقين والمستفيدين.
فليس كل من اقترب من أصحاب القرار قريبا’ من الوطن، وليس كل من أكثر من الحديث عن المصلحة العامة مؤتمنا” عليها.
ثمة فرق شاسع بين رجل يقف إلى جانب السلطة حين تصيب، ويقف في وجهها حين تخطئ، وبين رجلٍ يقف معها ما دامت تمنحه ظلا’، وينتقل إلى الضفة الأخرى لحظة إنحسار ذلك الظل.
الأول صاحب موقف.
أما الثاني، فصاحب مصلحة.
والفرق بينهما ليس في الكلمات، بل في لحظة الإختبار.
فالفقير لا يستطيع تبديل فقره بتبديل التحالفات، والمريض لا يستطيع تأجيل مرضه حتى يستقر ميزان النفوذ، والجائع لا يستطيع أن يعيش على بيانات الولاء، والشاب الذي أُغلقت في وجهه أبواب المستقبل لا يعنيه من جلس على الكرسي بقدر ما يعنيه أن يجد وطنا” يفتح له بابا”.
أما تجار المواقف، فمهمتهم أن يبدلوا مواقعهم قبل أن يبرد الكرسي، وأن يحجزوا لأنفسهم مكانا” على المائدة التالية.
لكن التاريخ، مهما تأخر، يملك ذاكرة لا تشبه ذاكرة المصالح.
فهو قد ينسى أسماء كثيرة، لكنه لا ينسى من وقف مع الناس حين كان الوقوف مكلفا”، ولا ينسى من إنحنى حين كان الإنحناء مربحا”.
الكراسي زائلة، والموائد تطوى، والسلطات تتبدل، وأصحاب النفوذ يذهبون، أما السيرة فتبقى.
ومن إعتاد أن يجعل ضميره تابعا” لموقع القوة، سيظل طوال عمره يبحث عن قوة جديدة تشتري صمته، وعن مائدة جديدة تستضيف إنتهازيته.
أما الكرامة، فليست أن تجد لنفسك مكانا” حول كل مائدة.
الكرامة أن تبقى واقفا” حين ينحني الجميع، وأن تقول “لا” حين تصبح “نعم” طريقا” إلى مكسب، وأن تغادر المائدة حين يكون ثمن بقائك عليها شيئا” من كرامة الناس أو وجع الوطن.
فالوطن لا يحتاج إلى مزيد من الذين يجيدون فن التموضع،
بل إلى رجال يجيدون فن الموقف.
ولا يحتاج إلى أصوات تتبدل بتبدل الريح،
بل إلى ضمائر لا تتبدل حين تتبدل السلطة.
فالكرسي يمتحن صاحبه،
والنفوذ يكشف معدن المحيطين به،
أما وجع الناس فهو الإمتحان الذي يسقط فيه كل من جعل من الوطن سلما”، ومن الناس درجةً يصعد عليها.

Spread the love

adel karroum