هل سنشهد نهاية الجمهورية اللبنانية الثانية.

هل سنشهد نهاية الجمهورية اللبنانية الثانية.

د. مريم عبدالله اسحق
لم تعد الأزمة التي يواجهها لبنان في الوقت الحالي مجرد أزمة تتعلق بمصير سلاح حزب الله وفرض سيادة الدولة، ولا مجرّد نقاش حول مستقبل الاتفاق الإطاري الذي تم إبرامه بين لبنان واسرائيل برعاية أمريكية. إنما أصبحت تتجاوز البنية السياسية القائمة حالياً إلى تساؤل أكثر إلحاحاً في ظل معطيات المرحلة: هل لا تزال المكونات اللبنانية تتمسك بالأمن السياسي لكيان الدولة ونظامها، أم أنها ستبحث عن الأمن الوجودي الخاص بها؟
يفرض هذا السؤال نفسه في توقيت بالغ التعقيد، تتقاطع فيه التحولات العسكرية والأمنية والسياسية ضمن مشهد إقليمي مترابط، بحيث لم يعد ممكناً قراءة المتغيّرات ضمن أي ساحة بمعزل عن الأخرى. ففي ضوء التباينات الجوهرية بين الرؤية الأمريكية والرؤية الإيرانية، لا تبدو فرص التوصل إلى اتفاق مستدام بين الطرفين مرتفعة، نظراً إلى اتساع الفجوة بين المصالح الاستراتيجية لكليهما وطبيعة الأهداف التي يسعى كل طرف إلى تحقيقها. وفي هذا السياق، لم تعد تداعيات المواجهة الأمريكية الإيرانية محصورة بالساحة الإيرانية، بل بدأت تتسع تدريجياً إلى دول إقليمية أخرى. ويبدو أن العراق يدخل تدريجياً ضمن معادلة إعادة توزيع الضغوط، في ظل مؤشرات توحي بمحاولات إيرانية لاستخدام أوراق النفوذ المتاحة، وفي مقدمتها الحشد الشعبي، سواء من خلال عملياته العسكرية التي استهدفت السعودية والأردن، أو عبر التحركات العسكرية التي قام بها على الحدود السورية العراقية خلال الأيام الماضية.
ما سبق لا يمكن فصله عن لبنان، إذ يبدو أن واشنطن تعتمد مقاربة متعددة المسارات، تجمع بين الضغوط العسكرية المباشرة على إيران، والسعي المتوازي إلى تقليص هامش الحركة الاستراتيجية لحلفائها الإقليميين. وفي هذا الإطار، يبرز حزب الله باعتباره الحلقة الأكثر أهمية في الاستراتيجية الأمريكية التي تتجه إلى إعادة تشكيل معادلات توازن القوى في المشرق. وهنا، تتضح الدلالة السياسية لتصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب خلال لقائه الأخير بالرئيس اللبناني جوزيف عون حول احتمال قيام الجيش السوري بعمل عسكري ضد حزب الله داخل لبنان. فهذه الدلالة تتجاوز مضمون العبارة نفسها، وتعكس ربّما بداية مرحلة جديدة لدخول لبنان في تغيّرات إقليمية جديدة لم يعد فيها أمنه الداخلي منفصلاً عن البيئة الأمنية في المشرق بشكل عام.
من الناحية الموضوعية، لا توحي المؤشرات الحالية بأن حزب الله يتجه إلى التخلي عن سلاحه في المدى المنظور. وبصرف النظر عن المواقف المؤيدة أو المعارضة لهذا الخيار، فإن استمرار هذه المعادلة يعني أن الأزمة الأمنية اللبنانية لم تقترب بعد من مرحلة الحسم، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيداً. وفي هذا السياق، يبرز تساؤل استراتيجي وجوهري حول ما إذا كانت إسرائيل تسعى إلى نقل مركز الثقل في المواجهة من الجبهة الحدودية الجنوبية إلى الداخل اللبناني، ولكن عبر أدوات ومسارات مختلفة عن المواجهة العسكرية التقليدية، وبمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية. فاسرائيل ليست قادرة عملياً على القيام بأي توغل بري واسع خارج نطاق المناطق التي أعلنت عن سيطرتها عليها؛ الأمر الذي يعني أن التدخل البري المحتمل للجيش السوري في لبنان ضد حزب الله سيتطابق مع المصالح الأمنية الاسرائيلية بعيدة المدى بخصوص إنهاء تهديد حزب الله تجاهها.
لكن آثار هذا التدخل في حال حدوثه فعلياً لن تكون محصورة في إنهاء القدرات العسكرية لحزب الله، بل في التداعيات الأمنية والسياسية والاجتماعية التي قد يخلقها داخل البنية اللبنانية. فالمسألة الأساسية لا ترتبط فقط بوجود قوة خارجية على الأراضي اللبنانية، وإنما بكيفية تفاعل المكونات الداخلية مع هذا التحول، خصوصاً إذا أدى إلى إعادة إحياء الاصطفافات الطائفية بوصفها آليات حماية في مواجهة شعور متزايد بانعدام الضمانات.
في مثل هذه الظروف، قد تجد بعض المكونات اللبنانية، نفسها أمام سؤال يتجاوز الخلاف السياسي التقليدي: هل يستطيع نموذج الدولة القائمة توفير الحماية والضمانات لجميع مكوناتها في ظل التحولات الأمنية الكبرى التي تحيط بالمنطقة؟ وعندما تصبح الإجابة موضع شك، قد يبدأ التفكير بخيارات ترتبط بمفهوم الأمن الذاتي، ليس باعتباره مشروعاً سياسياً مسبقاً أو خياراً أيديولوجياً، وإنما باعتباره استجابة اضطرارية لفراغ محتمل في منظومة الحماية الوطنية. فالأمن الذاتي، في هذا السياق، لا يولد بالضرورة من رغبة في الانفصال عن الدولة أو تقويضها، بل من منطق أمني يقوم على أن الجماعات، عندما تفقد الثقة بقدرة المؤسسات المركزية على ضمان أمنها، تبدأ بالبحث عن وسائل حماية بديلة. إلا أن الخطر يكمن في أن يتحول هذا التدبير المؤقت إلى بنية دائمة، بحيث تنتقل المجتمعات من المطالبة بضمانات داخل الدولة إلى التفكير في نماذج سياسية جديدة تعيد تعريف علاقتها بالسلطة المركزية.
ومن هذا المنطلق، فإن استمرار منطق الأمن الذاتي قد يفتح الباب أمام نقاشات تتجاوز اللامركزية أو إصلاح النظام السياسي، لتصل إلى طرح نماذج حكم جديدة خاصة بالمكونات التي ترى أن أمنها وحقوقها الوجودية تحتاج إلى ترتيبات سياسية ومؤسساتية مختلفة. وفي هذه الحالة، لا يعود التحدي متعلقاً فقط بمستقبل الحكومة أو النظام الدستوري، بل بطبيعة الكيان اللبناني نفسه وحدوده السياسية والجيوسياسية.
لذلك، لم يعد اليوم جوهر النقاش مرتبط بسلاح حزب الله، بل بمستقبل الجمهورية اللبنانية الثانية. فإذا أصبح الأمن الوجودي للمكونات هو المرجعية الأساسية لسلوكها السياسي، فإن الحفاظ على الجمهورية الثانية، على أهميته، قد لا يكون كافياً وحده لإعادة إنتاج الاستقرار، لأن أي نظام سياسي لا يستطيع الاستمرار إذا فقد قدرته على طمأنة مكوناته بشأن أمنها الوجودي. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه ليس ما إذا كانت الجمهورية الثانية قادرة على الاستمرار، بل ما إذا كانت لا تزال تمتلك القدرة على إنتاج ضمانات وجودية لمكوناتها في ظل شرق أوسط يعاد تشكيله أمنياً وسياسياً.

Spread the love

MSK