الانتخابات الإسرائيلية 2026: بين تبدّل الوجوه وثبات المنظومة
كتّبة نعمت كرّوم
ثلاث حلقات تحليلية تقرأ مستقبل الحكم في إسرائيل بعد نتنياهو،
وتبحث في تحولات الداخل الإسرائيلي، وصعود اليمين الديني، وحدود نفوذ الأحزاب العربية، وانعكاسات الانتخابات على الإقليم من واشنطن إلى بيروت والرياض.
الحلقة الأولى

الانتخابات الإسرائيلية 2026… بين تبدّل الوجوه وثبات المنظومة
تأتي الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أكتوبر 2026 في لحظة لا تختبر فقط مستقبل بنيامين نتنياهو، بل تختبر قدرة النظام السياسي الإسرائيلي على إنتاج مرحلة جديدة بعد سنوات ارتبطت باسمه.
فنتنياهو ليس مجرد رئيس حكومة يواجه منافسة انتخابية، بل أصبح عنوانًا لمرحلة سياسية كاملة قامت على مركزية الأمن، والتحالف مع اليمين، وإدارة الصراع بدل حله.
لكن نتنياهو ظاهرة سياسية، لكنه ليس كل الظاهرة.
فصعوده واستمراره لم يرتبطا بشخصه فقط، بل ببنية سياسية وأمنية أوسع: قوة اليمين الإسرائيلي، طبيعة النظام الائتلافي، دور الأحزاب الدينية، والتحولات التي طرأت على المجتمع الإسرائيلي خلال السنوات الماضية.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي في انتخابات 2026 لا يتعلق فقط ببقاء نتنياهو أو رحيله، بل بما إذا كانت إسرائيل قادرة على تجاوز المنظومة التي أنتجت مرحلته السياسية.
نتنياهو: الرجل الذي أصبح أكبر من حزبه
خلال سنوات حكمه الطويلة، لم يعد بنيامين نتنياهو مجرد زعيم لحزب الليكود، بل أصبح جزءًا من هوية المرحلة السياسية التي عاشتها إسرائيل. فقد نجح في تحويل الأمن، وإيران، والعلاقة مع الفلسطينيين، إلى محاور ثابتة في خطابه السياسي، وربط صورته العامة بفكرة القائد القادر على إدارة المخاطر.
لكن قوة نتنياهو لم تأتِ من شخصيته السياسية فقط، بل من قدرته على بناء شبكة تحالفات جعلت بقاءه مرتبطًا بتوازنات أوسع من حزبه. فقد جمع حوله قوى اليمين القومي والديني، وحوّل الائتلاف الحكومي إلى أداة لإدارة معركة سياسية طويلة ضد خصومه.
ومع ذلك، فإن نتنياهو ظاهرة سياسية، لكنه ليس كل الظاهرة. فقد أصبح عنوانًا لمرحلة، لكنه لم يصنعها وحده. فصعوده ارتبط بتحولات داخل المجتمع الإسرائيلي، وبصعود اليمين، وبالمكانة المتزايدة للخطاب الأمني، وبنظام انتخابي يجعل تشكيل الحكومة رهينًا لتحالفات متعددة.
ولهذا فإن أزمة نتنياهو بعد السابع من أكتوبر لم تكن مجرد أزمة رئيس حكومة. فقد تعرضت الصورة التي بنى عليها شرعيته السياسية لاهتزاز كبير؛ فالرجل الذي قدّم نفسه لسنوات باعتباره “حارس الأمن” واجه أكبر اختبار أمني في تاريخ إسرائيل الحديث.
لكن تراجع صورة الزعيم لا يعني بالضرورة انهيار المنظومة التي أنتجته.
المعارضة الإسرائيلية: إسقاط نتنياهو لا يعني تغيير المسار
تمتلك المعارضة الإسرائيلية فرصة سياسية مهمة في انتخابات 2026، مستفيدة من الأزمات التي واجهت حكومة نتنياهو، ومن الانتقادات التي طالت طريقة إدارة الحرب والعلاقة بين الحكومة والمؤسسات الأمنية والقضائية.
لكن المشكلة الأساسية أمام خصوم نتنياهو لا تكمن في قدرتهم على انتقاد حكومته، بل في قدرتهم على تقديم مشروع مختلف يتجاوز شخصه.
فبيني غانتس، الذي قاد حزب المعسكر الوطني، وغادي آيزنكوت، رئيس الأركان السابق وعضو القيادة السياسية، يمتلكان رصيدًا أمنيًا يجعل خطابهما قريبًا من المزاج العام الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر. لكن هذا الرصيد نفسه يكشف حدود الاختلاف؛ فالمعارضة الإسرائيلية لا تتحرك خارج الإجماع الأمني الذي يرى إيران وحلفاءها في المنطقة تهديدًا استراتيجيًا، ويضع التفوق العسكري في مركز حماية الدولة.
أما يائير لابيد، الذي قاد حكومة انتقالية عام 2022، فيمثل تيار الوسط العلماني الذي يركز على إصلاح العلاقة بين الحكومة والمؤسسات، وإعادة بناء صورة إسرائيل لدى حلفائها الغربيين. لكنه يواجه التحدي نفسه: تحويل خطاب المعارضة إلى رؤية سياسية قادرة على الإجابة عن ملفات الأمن، والفلسطينيين، والعلاقة مع الإقليم.
وقد كشفت تجربة حكومة نفتالي بينيت–لابيد عام 2021 هذه المعضلة. فقد نجحت في إنهاء عهد نتنياهو مؤقتًا، وجمعت قوى سياسية متناقضة داخل ائتلاف واحد، لكنها لم تستطع تجاوز التناقضات العميقة التي حكمت السياسة الإسرائيلية.
فإسقاط رئيس حكومة لا يعني تلقائيًا تغيير قواعد الحكم.
ولهذا فإن الانتخابات المقبلة لن تكون اختبارًا لشعبية نتنياهو فقط، بل لاختبار أوسع: هل تستطيع المعارضة الانتقال من مشروع “ضد نتنياهو” إلى مشروع سياسي يحدد شكل إسرائيل بعد الحرب؟
فالبديل الحقيقي لا يُقاس فقط بمن ينجح في إزاحة الخصم، بل بما يستطيع أن يغيره بعد الوصول إلى السلطة.
الحلقة الثانية
اليمين الديني والأحزاب العربية… من يملك مفاتيح السلطة في إسرائيل؟
اليمين الديني: حين تتحول الأحزاب الصغيرة إلى مراكز قوة
تكشف السياسة الإسرائيلية أن حجم الحزب في الكنيست لا يساوي دائمًا حجم تأثيره في الدولة. ففي نظام يقوم على الائتلافات، قد يتحول الحزب الصغير إلى قوة حاسمة إذا امتلك القدرة على منح الحكومة الأغلبية أو إسقاطها.
وهذا ما ظهر بوضوح خلال حكومات بنيامين نتنياهو الأخيرة، حيث انتقلت أحزاب اليمين الديني من موقع الشريك داخل الائتلاف إلى موقع الطرف القادر على التأثير في اتجاهات القرار.
يمثل حزب شاس، بقيادة أرييه درعي، نموذجًا قديمًا لهذا النوع من القوة. فرغم أن اهتمامه الأساسي يرتبط بقضايا المجتمع الحريدي والميزانيات والخدمات، فإن موقعه داخل الائتلاف منحه دورًا سياسيًا يتجاوز حجمه الانتخابي.
أما حزب يهدوت هتوراه، الذي يمثل قطاعات واسعة من اليهود الحريديم، فقد حافظ بدوره على موقع تفاوضي مهم في الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، مستفيدًا من حاجة الأحزاب الكبرى إلى دعمه لتشكيل الائتلافات.
لكن التحول الأبرز جاء مع صعود إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش. فقد انتقل اليمين الأكثر تشددًا من هامش الخريطة السياسية إلى قلب الحكومة، وأصبح جزءًا مباشرًا من صناعة القرار في ملفات الأمن، والاستيطان، والضفة الغربية.
فبن غفير، عبر حزب القوة اليهودية، وسموتريتش، عبر حزب الصهيونية الدينية، لم يمتلكا حجم الليكود، لكنهما امتلكا ما هو أكثر أهمية داخل نظام ائتلافي: القدرة على التأثير في بقاء الحكومة واتجاهها.
وهنا تكمن خصوصية السياسة الإسرائيلية؛ فالحكومة لا تتشكل فقط وفق نتائج الصناديق، بل وفق التوازنات التي تُبنى بعدها. وفي هذه المرحلة تتحول المقاعد إلى نفوذ، ويتحول الشريك الصغير إلى طرف يملك قدرة على فرض أولوياته.
لكن صعود هذا التيار لم يغيّر السياسة الداخلية فقط، بل أثّر أيضًا في علاقة إسرائيل بحلفائها. فمواقف اليمين المتشدد في قضايا الاستيطان والضفة الغربية جعلت الحكومة الإسرائيلية أكثر عرضة للتوتر مع الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية.
لذلك فإن انتخابات 2026 لا تتعلق فقط بنسبة حصول اليمين أو الوسط على المقاعد، بل بطبيعة الائتلاف الذي سيُبنى بعد الانتخابات. فالفارق بين حكومة يقودها الليكود مع شركاء أكثر اعتدالًا، وحكومة تعتمد على اليمين الديني المتشدد، هو فارق في اتجاه السياسة وليس فقط في تركيبة الحكومة.
في إسرائيل، لا يحدد الفائز وحده شكل الحكم؛ أحيانًا يحدد الحليف الأصغر المسار الأكبر.

الأحزاب العربية: مقاعد بلا نفوذ
تُظهر الانتخابات الإسرائيلية المتعاقبة مفارقة أساسية في موقع الأحزاب العربية داخل النظام السياسي: فهي قادرة على تحقيق حضور برلماني مؤثر، لكنها تواجه حدودًا واضحة عندما يتعلق الأمر بالانتقال من التمثيل إلى المشاركة في صناعة القرار التنفيذي.
فالقضية لا ترتبط فقط بعدد المقاعد التي تحصل عليها هذه الأحزاب، بل بموقعها داخل معادلة تشكيل الحكومات. ففي النظام الإسرائيلي، لا تكفي قوة الكتلة البرلمانية؛ فالنفوذ الحقيقي يبدأ عند لحظة بناء الائتلاف.
خلال السنوات الماضية، ظهرت محاولات مختلفة لتجاوز هذا الحاجز. فقد قادت القائمة المشتركة، التي ضمت الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، والتجمع الوطني الديمقراطي، والحركة العربية للتغيير، تجربة رفعت سقف التمثيل العربي داخل الكنيست، خصوصًا عندما وصلت إلى أعداد مقاعد جعلتها لاعبًا لا يمكن تجاهله في الحسابات البرلمانية.
لكن هذا الحضور لم يتحول إلى موقع داخل الحكومة. فحتى عندما أصبحت الأصوات العربية قادرة على التأثير في إسقاط أو دعم حكومات، بقي الانتقال إلى دائرة القرار التنفيذي محكومًا بقيود سياسية تتعلق بموقف الأحزاب اليهودية من إشراك الأحزاب العربية في الائتلاف.
أما تجربة منصور عباس وحزب القائمة العربية الموحدة (راعم) عام 2021، فقد مثلت محاولة مختلفة. فقد اختار عباس تجاوز المقاطعة التقليدية، والدخول في حكومة نفتالي بينيت ويائير لابيد، معتبرًا أن التأثير على السياسات المدنية للمواطنين العرب يمكن أن يتحقق من داخل النظام لا من خارجه.
كانت تلك التجربة مهمة لأنها أثبتت أن المشاركة العربية في الحكومة ليست مستحيلة من الناحية العددية. لكنها كشفت في الوقت نفسه حدود هذه المشاركة؛ فقد بقيت الملفات السيادية الكبرى، مثل الأمن والسياسة الخارجية والقضايا المرتبطة بالصراع الإسرائيلي–الفلسطيني، خارج نطاق التأثير الحقيقي للأحزاب العربية.
وهنا تظهر المفارقة: يستطيع الحزب العربي أن يصبح ضروريًا لتشكيل ائتلاف، لكنه لا يصبح بالضرورة شريكًا كاملًا في تعريف الاتجاه الاستراتيجي للدولة.
لهذا فإن موقع الأحزاب العربية في انتخابات 2026 سيبقى مرتبطًا بالسؤال نفسه: هل يتحول الوزن الانتخابي إلى نفوذ سياسي فعلي، أم يبقى داخل حدود التمثيل البرلماني؟
فالتجربة الإسرائيلية تشير إلى أن المشكلة ليست غياب الأصوات العربية من البرلمان، بل الفاصل القائم بين وجودها داخل النظام وقدرتها على التأثير في مركز القرار.
الأصوات تُحسب في الانتخابات، لكن السلطة تُحسم عند تشكيل الحكومة.
الحلقة الثالثة

إسرائيل بعد 7 أكتوبر… الانتخابات التي تُراقَب من واشنطن إلى بيروت والرياض
ما بعد 7 أكتوبر: الأمن يعود ليحكم السياسة الإسرائيلية
لم تكن حرب السابع من أكتوبر 2023 مجرد أزمة عسكرية عابرة في تاريخ إسرائيل، بل كانت لحظة أعادت ترتيب مركز القوة داخل الدولة. فقد أعادت الأمن إلى موقعه التقليدي باعتباره العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد الخيارات السياسية.
قبل الحرب، كان الخلاف الإسرائيلي الداخلي يدور حول ملفات مثل القضاء، وطبيعة الدولة، ومستقبل العلاقة بين التيارات المختلفة داخل المجتمع. لكن هجوم حماس نقل النقاش إلى مكان آخر: من يدير الأمن؟ ومن يستطيع إعادة بناء الردع؟
هنا ظهر التناقض الأكبر في أزمة بنيامين نتنياهو. فالرجل الذي بنى جزءًا كبيرًا من شرعيته السياسية على صورة “حامي أمن إسرائيل” واجه أكبر اختبار لهذه الصورة. لكن رغم الضربة السياسية التي تلقاها، لم تؤدِ الحرب إلى تراجع موقع الأمن في السياسة الإسرائيلية، بل جعلته أكثر حضورًا.
لكن الأمن الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر لم يعد مرتبطًا بغزة وحدها. فقد اتسعت الدائرة لتشمل ما تسميه المؤسسة الأمنية الإسرائيلية “الجبهة الشمالية”، حيث يرتبط لبنان وسوريا وإيران ضمن حساب أمني واحد.
في لبنان، يبقى حزب الله العامل الرئيسي في الحسابات الإسرائيلية. فمنذ حرب 2006، تعتبر إسرائيل أن ترسانة الحزب الصاروخية وعلاقته بإيران تمثلان تحديًا استراتيجيًا، لكن بعد 7 أكتوبر ارتفع مستوى القلق الإسرائيلي من احتمال تحول الحدود الشمالية إلى ساحة مواجهة واسعة.
أما في سوريا، فتنظر إسرائيل إلى الوجود الإيراني ومحاولات نقل السلاح وتعزيز مواقع الحلفاء باعتبارها تهديدًا مباشرًا. ولهذا نفذت إسرائيل خلال السنوات الماضية عمليات وضربات جوية داخل الأراضي السورية ضد ما قالت إنها أهداف مرتبطة بإيران وحزب الله، في إطار ما أطلقت عليه سياسة “المعركة بين الحروب”،
لكن التحول الأكبر أن إسرائيل لم تعد تفصل بين هذه الساحات. فطهران، وحزب الله، والفصائل المسلحة في المنطقة، أصبحت تُقرأ داخل منظومة واحدة من وجهة النظر الأمنية الإسرائيلية.
ومن هنا فإن شكل الحكومة المقبلة سيكون مهمًا ليس في تعريف التهديد، إذ يوجد اتفاق واسع داخل إسرائيل على مركزية إيران، بل في طريقة التعامل معه.
فاليمين المتشدد، ممثلًا بشخصيات مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، يميل إلى خطاب أكثر تشددًا واستخدام القوة كأداة أساسية. بينما قد تفضّل قوى أكثر براغماتية مثل غانتس أو لابيد إدارة التوتر عبر تنسيق أوسع مع الولايات المتحدة والحلفاء الغربيين، لكن دون تغيير جوهر العقيدة الأمنية.
لذلك فإن انتخابات 2026 ستحدد ليس فقط هوية الحكومة الإسرائيلية، بل أسلوب إدارة إسرائيل لمحيطها. فبعد 7 أكتوبر، لم تعد السياسة الإسرائيلية تتحرك فقط داخل حدود الدولة، بل داخل شبكة من الجبهات المفتوحة التي تمتد من غزة إلى لبنان وسوريا وصولًا إلى إيران.
واشنطن والرياض وأبوظبي: الانتخابات الإسرائيلية خارج حدود تل أبيب
نتائج الانتخابات الإسرائيلية لا تُقرأ فقط في تل أبيب؛ فصداها يصل إلى واشنطن والرياض وأبوظبي، حيث لا يُنتظر اسم رئيس الحكومة فقط، بل اتجاه إسرائيل في الإقليم.
بالنسبة إلى الولايات المتحدة، لا يتعلق الأمر فقط بتغيير سياسي داخل إسرائيل، بل بقدرة الحكومة المقبلة على إدارة ملفات إقليمية معقدة، من إيران إلى التطبيع العربي، ومن أمن إسرائيل إلى مستقبل غزة.
فواشنطن، رغم دعمها الثابت لإسرائيل، واجهت خلال حكومة بنيامين نتنياهو صعوبات متزايدة في التوفيق بين تحالفها مع إسرائيل وبين حساباتها الدولية والإقليمية، خصوصًا مع تصاعد الانتقادات المتعلقة بالحرب، والاستيطان، والعلاقة مع الفلسطينيين.
لهذا فإن وجود حكومة إسرائيلية أكثر براغماتية قد يمنح الولايات المتحدة مساحة أوسع لإدارة علاقاتها مع حلفائها العرب، وطرح مبادرات إقليمية جديدة، دون أن يعني ذلك بالضرورة تغييرًا جذريًا في الثوابت الأمنية الإسرائيلية.
أما مسار اتفاقات أبراهام، الذي بدأ بتطبيع العلاقات مع الإمارات والبحرين، ثم تبعته خطوات مع المغرب، فقد دخل مرحلة أكثر تعقيدًا بعد حرب غزة. فهذه الدول لم تتراجع رسميًا عن علاقاتها مع إسرائيل، لكنها أصبحت تتحرك ضمن بيئة سياسية مختلفة، حيث ارتفعت كلفة التطبيع أمام الرأي العام العربي بسبب استمرار الحرب وتصاعد خطاب اليمين الإسرائيلي.
في الإمارات، التي كانت من أبرز الدول التي دفعت باتجاه التعاون الاقتصادي والتكنولوجي مع إسرائيل بعد اتفاق 2020، أصبحت العلاقة مرتبطة بقدرة الحكومة الإسرائيلية على ضبط الملفات التي تؤثر في صورة إسرائيل إقليميًا.
أما السعودية، التي لم تدخل رسميًا حتى الآن في اتفاق تطبيع مع إسرائيل، فتتعامل مع الملف من زاوية أوسع. فالرياض تربط أي خطوة محتملة بحسابات أمنية مع الولايات المتحدة، وبموقعها الإقليمي، وبضرورة وجود مسار سياسي للفلسطينيين يمكن أن يجعل أي اتفاق قابلًا للتسويق داخليًا وخارجيًا.
ولهذا فإن أي اتفاق إطار أميركي–إسرائيلي–سعودي سيبقى مرتبطًا بشكل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، وبقدرتها على تقديم صيغة لا تصطدم بالكامل مع أولويات الرياض.
لكن المشكلة الأساسية أن الخلاف لا يتعلق فقط بشخص نتنياهو. فحتى الحكومات الإسرائيلية التي قد تكون أكثر مرونة دبلوماسيًا تتحرك داخل منظومة أمنية وسياسية تضع إيران، والتفوق العسكري، والحفاظ على السيطرة الأمنية في مقدمة الحسابات.
إسرائيل بعد نتنياهو: نهاية مرحلة أم استمرار المنظومة؟
إن خروج نتنياهو من المشهد، إذا حدث، لن يكون نهاية تلقائية للمرحلة التي مثّلها. فالأسماء تتغير أسرع من المنظومات، والسياسيون يرحلون، لكن البنى التي صنعت نفوذهم قد تبقى أكثر قدرة على الاستمرار.
فنتنياهو ظاهرة سياسية، لكنه ليس كل الظاهرة. فقد أصبح عنوانًا لمرحلة، لكنه لم يكن وحده من صنع قواعدها. فصعود اليمين، ومركزية الأمن، وقوة الأحزاب الدينية، وطبيعة النظام الائتلافي، كلها عناصر ستبقى حاضرة في تحديد شكل إسرائيل المقبلة.
لهذا فإن الاختبار الحقيقي للحكومة التي ستأتي بعد الانتخابات لن يكون فقط قدرتها على استبدال الزعيم، بل قدرتها على تغيير القواعد التي أنتجت نفوذه.
فالانتخابات قد تغيّر الوجوه، وقد تعيد ترتيب التحالفات، لكنها لا تعني بالضرورة تغيير المسار. والسؤال الأكبر سيبقى: هل تستطيع إسرائيل إنتاج مرحلة سياسية جديدة، أم أنها ستعيد إنتاج المنظومة نفسها بأسماء مختلفة؟
في النهاية، لا تحدد صناديق الاقتراع فقط من يحكم إسرائيل، بل تكشف أيضًا حدود ما يستطيع الحاكم تغييره.
نهاية الملف
الانتخابات الإسرائيلية 2026: بين تبدّل الوجوه وثبات المنظومة

