إيران: التحول الصامت داخل الدولةحين تتحول العقيدة من مرجعية حكم إلى أداة لإدارة الدولة تحت ضغط الكلفة
بقلم نعمت كرّوم.
قد تستطيع الدولة العقائدية أن تفاوض خصمها، وأن تفتح بابًا للتبادل الاقتصادي معه، وأن تعيد ترتيب أولوياتها تحت ضغط الحرب والعقوبات، من دون أن تتخلى عن عقيدتها.
لكن السؤال الأصعب ليس ماذا تفعل الدولة بعقيدتها، بل ماذا تفعل بعقيدتها عندما تصبح هي نفسها جزءًا من إدارة البقاء؟
كلما ارتفعت كلفة الصراع، لم تعد الدولة تدير السياسة بالعقيدة وحدها، بل بدأت تدير العقيدة نفسها بما يسمح للدولة بالاستمرار، من دون أن تتخلى عن مركز السلطة الذي يحكمها.
في طهران لا يظهر التحول في شكل إعلان سياسي كبير، بل في مؤشرات متراكمة:
تفاوض يتحرك من القنوات غير المباشرة إلى مسارات أكثر صراحة، حديث عن أموال إيرانية مجمدة يُعاد طرحه ضمن حسابات اقتصادية لا عقابية فقط، وإشارات إلى إمكان توجيه جزء من هذه الأموال نحو شراء منتجات أميركية إذا كانت الأفضل سعرًا وجودة، وفق ما نُقل عن محافظ البنك المركزي الإيراني.
بالتوازي، لا يُعاد بناء العلاقة مع إيران في واشنطن بوصفها صراعًا أيديولوجيًا، بل كمنظومة تُدار بمنطق العائد والكلفة.
في هذا الإطار، يصبح التفاوض أداة لإعادة تسعير موقع الدولة داخل النظام الدولي، لا مجرد قناة لخفض التوتر أو رفعه.
لم يعد الخلاف داخل طهران يدور حول شرعية الجمهورية الإسلامية، بل حول الطريقة الأقل كلفة للحفاظ عليها.
يتقدم محمد باقر قاليباف في واجهة التفاوض، ويدير عباس عراقجي المسار الدبلوماسي، بينما يُدفع مسعود بزشكيان إلى إدارة الكلفة الاقتصادية اليومية.
الحرس الثوري يبقى في موقع مركزي، بين تثبيت النفوذ الإقليمي وامتصاص أثر الكلفة الداخلية لهذا النفوذ.
المركز لا ينسحب.
يبتعد خطوة واحدة فقط لتقليل الكلفة المباشرة.
ما يبدو اتساعًا في دور الحكومة أو وزارة الخارجية لا يعني انحسار موقع الولي الفقيه، بل يعكس طريقة مختلفة في إدارة الكلفة.
كلما ازدادت حساسية القرار، اتسعت مساحة الحركة أمام المؤسسات التنفيذية، فيما يحتفظ المركز بحق الحسم في القضايا الكبرى.
لا يتغير شكل السلطة، بل تتغير طريقة تشغيلها.
القرار يبقى في موقعه، لكن كلفته تُوزع على مستويات متعددة داخل الدولة.
النفوذ الإقليمي لم يعد ملفًا منفصلًا عن الاقتصاد.
أي تمدد خارجي صار يحمل كلفة داخلية مباشرة، وأي انفراج اقتصادي يعيد فتح سؤال توزيع الموارد بين الداخل والخارج.
الولايات المتحدة لا تتعامل مع إيران كملف واحد، بل كمنظومة ضغط متعددة الأدوات:
عقوبات ترفع الكلفة، تفاوض يفتح نوافذ مشروطة، وتهديد يبقى حاضرًا كخيار غير مُفعّل.
الهدف ليس تعديل الخطاب فقط، بل إعادة تشكيل السلوك عبر الداخل.
العقيدة لا تختفي.
تتحول من مرجعية حاكمة إلى أداة تشغيل داخل منظومة إدارة الاستمرارية.
إيران لا تقف أمام تحول في عقيدتها، بل أمام تحول في طريقة استخدامها داخل الدولة.
لم تعد خارج القرار أو فوقه، بل أصبحت جزءًا من آليات إدارة التماسك، تُستخدم حيث يلزم وتُخفف كلفتها حيث تشتد الضغوط.
في النهاية، ما يجري ليس انتقالًا في النظام، ولا تفككًا في العقيدة، بل انتقالٌ في مركز الثقل نفسه:
من العقيدة التي تحكم الدولة، إلى الدولة التي أصبحت تحدد وظيفة العقيدة.
