بين إحياء الذكرى وإثبات الوجود… ضاعت الوفود

بين إحياء الذكرى وإثبات الوجود… ضاعت الوفود

لم يكن المشهد في السابع من حزيران عادياً. فمنذ ساعات العصر بدت الطرقات المؤدية إلى معرض رشيد كرامي الدولي وكأنها تشهد حشداً استثنائياً. وفود تتوافد من مختلف المناطق شخصيات وفعاليات ومجموعات منظمة ما أعطى انطباعاً بأن الذكرى التاسعة والثلاثين لاستشهاد الرئيس الشهيد رشيد كرامي ستكون حدثاً وطنياً وشعبياً يليق بحجمه وتاريخه.

لكن ما إن بدأت المناسبة حتى ظهر واقع مختلف تماماً.

فالوفود التي ملأت الساحات الخارجية والطرقات لم تنعكس داخل قاعة الاحتفال. شيئاً فشيئاً بدأت المقاعد تفرغ وبدأت مجموعات كاملة بالمغادرة بعد دقائق من وصولها وكأن المطلوب لم يكن المشاركة في إحياء الذكرى بل تسجيل الحضور فقط.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.

لقد تحولت عملية الحشد عند بعض المفاتيح والكوادر إلى منافسة داخلية هدفها إثبات الوجود أمام فيصل كرامي. هذا يريد أن يقول إنه صاحب أكبر وفد وذاك يريد أن يثبت أنه الأكثر تأثيراً وثالث يريد أن يظهر أنه الأقرب إلى دائرة القرار. أما النتيجة فكانت أن الحشد تحول إلى أرقام مؤقتة وصور عابرة لا أكثر.

كثيرون وصلوا إلى المكان ثم غادروا بعد دقائق. وكأن الرسالة التي أراد بعض المنظمين إيصالها هي لقد أحضرنا الناس لا لقد أحيينا الذكرى

وهنا يبرز السؤال الأهم: هل كانت الغاية جمع الوفود أم إحياء رشيد كرامي؟

فالرئيس الشهيد لا يحتاج بعد تسعة وثلاثين عاماً إلى مشهد استعراضي. ما تحتاجه طرابلس اليوم هو إعادة إحياء فكره الوطني في نفوس جيل لم يعش مرحلته ولم يعرف حضوره السياسي ودوره الوطني وموقعه في تاريخ لبنان.

كان الأجدر بالكوادر والمفاتيح أن يعملوا على تحويل الذكرى إلى مساحة تواصل مع الناس لا إلى ساحة تنافس فيما بينهم. وكان الأجدر بهم أن يملؤوا العقول بسيرة رشيد كرامي قبل أن يحاولوا ملء الساحات بالوفود.

والحقيقة أن ما جرى يطرح أسئلة سياسية جدية حول طريقة قراءة المشهد داخل البيت الكرامي نفسه. فهذه ليست المرة الأولى التي تُبنى فيها التقديرات على مشاهد شكلية لا تعكس الواقع.

ففي الانتخابات السابقة سمع فيصل كرامي كثيراً من التطمينات والتقديرات التي تحدثت عن أرقام كبيرة وحواصل مضمونة وصدارة مؤكدة، لكن النتائج جاءت مختلفة عن الصورة التي رسمها له بعض المحيطين به.

واليوم يتكرر المشهد بطريقة أخرى. حشود في الخارج وفراغ في الداخل. أرقام على الورق ومقاعد فارغة في الواقع. وهنا تكمن خطورة أن يستمع أي قائد إلى من يبحث عن إثبات وجوده أكثر من بحثه عن قول الحقيقة.

إن الوفاء لرشيد كرامي لا يكون بعدد الوفود التي تصل إلى المكان بل بعدد الذين يبقون احتراماً للذكرى ولا يكون بالتنافس على صورة مع الزعيم بل بالعمل على حفظ إرثه ونقله إلى الأجيال الجديدة.

لذلك فإن الرسالة التي خرجت من هذه الذكرى ليست أن الحضور كان قليلاً أو كثيراً بل أن ثقافة “إثبات الوجود” ما زالت تتقدم على ثقافة العمل السياسي الحقيقي. وبين إحياء الذكرى وإثبات الوجود… ضاعت الوفود.

Spread the love

adel karroum