بزبينا… ما لا تقوله المدن تقوله الطرقات إليها
مصباح العلي
عند خيوط الضوء الأولى، تستفيق لا على يومٍ جديد، بل على عمرٍ مضى.
تسأل نفسك، كأنك تحاسبها: ماذا فعلت بكل هذا الوقت؟
أكان عبورًا أم دورانًا في المكان نفسه؟
الزمن هنا لا يقاس بالساعات، بل بما تراكم في داخلك من خيباتٍ صغيرة، وأحلامٍ مؤجلة، وحنينٍ لم يجد طريقه إلى الاكتمال.
الشيب لم يعد علامة نضج، بل مرآة.
تتأمّلها، فتراك كما أنت، لا كما أردت أن تكون.
تقول لنفسك: العناية بالجسد ضرورة، نعم…
لكن ماذا عن الروح التي أُهملت طويلًا؟
ماذا عن ذاكرةٍ ترفض أن تنطفئ،
تُعيدك كلّ مرة إلى ذات الوجوه، ذات الأماكن، ذات الأسئلة التي لم تجد جوابًا؟
تدرك، وأنت تخاطب نفسك بصدقٍ قاسٍ،
أن مشكلتك لم تكن يومًا في الخارج فقط.
البلد الذي تشكو منه، يشبهك.
تعب، مثقل، متردّد بين ما يريد أن يكونه وما فُرض عليه أن يكون.
لبنان الذي تبحث فيه عن معنى،
هو ذاته الذي فقد بوصلته بين الوصايات،
كما فقدت أنت بوصلتك بين ما تمنّيت وما عشت.
روحك مشدودة إلى الأعلى،
لا لأنك تهرب من الأرض، بل لأنك تبحث عن معنى لا تجده هنا.
عند صور أبو إسماعيل وأبو جورج ورفاقهما،
تتوقّف طويلًا.
تسأل نفسك:
هل كانوا أكثر بساطة… أم أكثر صدقًا؟
أم أنّ الزمن كان أقلّ قسوة؟
جبال بزبينا…
تقول لنفسك إن سرّها في بعدها.
كلّما ابتعدت عنها، صارت فكرة،
وكلّما اقتربت منها، صارت واقعًا.
وهنا المأزق:
الفكرة جميلة، لكن الواقع مُتعب.
تعترف، دون مواربة:
ليست بخير.
كما أنك لست بخير تمامًا.
والناس من حولك، يغرقون في الشكوى،
كأنّ الكلام صار ملاذًا أخيرًا حين يعجز الفعل.
مع فنجان قهوة في الصباح،
تجلس قبالة نفسك.
لا تهرب هذه المرّة.
تفكّر بمكانٍ يتّسع لما لم تقله بعد،
لنصوصٍ بدأت بها ولم تكتمل،
كأنّك كنت تخاف من نهاياتها،
أو من حقيقتها.
تعود طفلًا، لا يتجاوز الخامسة،
تقف عند شباكٍ قديم، عند منعطف الحارة.
تفتحه ببطء،
كأنك تفتح زمنًا آخر، لا نافذة فقط.
هناك، في بزبينا،
حين يُفتح الشباك،
لا يدخل الضوء وحده…
بل تمتدّ الأحلام حتى حدود الغيم.
تقول لنفسك:
متى تحوّلتُ من صانع أحلام إلى حارسٍ لذكريات؟
متى صار الماضي أكثر حضورًا من الحاضر؟
ومتى أصبحتُ أخاف من العودة،
لا لأن الطريق صعب،
بل لأنني قد أكتشف أنني تأخّرت كثيرًا؟
تدرك، أخيرًا، أنّ الهروب لا يكون دائمًا إلى الأمام.
أحيانًا، يكون الرجوع هو الشجاعة.
أن تعود لا يعني أن تنهزم،
بل أن تعترف بأنك أضعت الطريق،
وتريد أن تبدأ من جديد… من حيث كنت صادقًا.
القرار لا يأتي كفكرة،
بل كحالة وضوح نادرة.
لحظة يتطابق فيها الداخل مع الخارج،
وتصير نفسك أقلّ ضجيجًا، وأكثر حسمًا.
لا تُكمل قهوتك.
كأنّ ما تبقّى منها لم يعد يعنيك.
تلتقط الهاتف،
وتقول، بصوتٍ يشبهك أخيرًا:
“مولانا… أحتاج إلى مساعدة عاجلة.
أريد أن أعود إلى ذاتي…
وموعدنا على فنجان قهوة.”
