رهانات نواف سلام: هل بدأ الاشتباك الكبير؟
مصباح العلي
في بلدٍ اعتاد إدارة أزماته عبر التسويات الرمادية، لا عبر المواجهات المباشرة، تبدو التصريحات المنسوبة إلى رئيس الحكومة نواف سلام وكأنها خروج مدوٍ عن القاعدة. ليس فقط من حيث المضمون، بل من حيث التوقيت والسقف واللغة. نحن أمام خطاب لا يشبه تقاليد السلطة التنفيذية في لبنان، بل يقترب من إعلان سياسي-أمني يعيد طرح سؤال السيادة من جذوره.
اللافت في هذا الخطاب أنه لا يكتفي بالتلميح، بل يذهب إلى التسمية المباشرة، واضعًا ما يُعرف بمحور النفوذ الإيراني في قلب الاتهام، من خلال الحديث عن وجود عسكري غير شرعي، وعمليات خارج الحدود، وشبكات عمل تتجاوز الدولة. هذا النوع من الخطاب لم يكن مألوفًا في بيانات حكومية، حتى في أكثر اللحظات توترًا، ما يطرح سؤالًا بديهيًا: ماذا تغيّر؟
الإجابة لا تكمن فقط في الداخل اللبناني، بل في تقاطع معقد بين لحظة إقليمية مضطربة، وتحولات دولية تعيد رسم خرائط النفوذ، ورغبة واضحة لدى سلام في إعادة تعريف موقع رئاسة الحكومة. فالرجل، القادم من خلفية قانونية ودبلوماسية، لا يتصرف كمدير أزمة، بل كصاحب مشروع، يحاول نقل السلطة التنفيذية من موقع التكيّف مع موازين القوى إلى موقع السعي لتعديلها.
رهانات سلام، كما تبدو من خلال هذا التصعيد، تقوم على ثلاث ركائز أساسية.
أولها، الرهان على الغطاء الدولي. فمن غير الواقعي تصور أن رئيس حكومة لبناني يمكن أن يذهب إلى هذا الحد في مواجهة قوة بحجم حزب الله، من دون تقدير مسبق لوجود شبكة دعم خارجية، أو على الأقل مناخ دولي يسمح بهذا النوع من التموضع. هذا لا يعني بالضرورة وجود قرار دولي حاسم، لكنه يشير إلى قراءة مفادها أن الكلفة لن تكون باهظة كما في مراحل سابقة.
ثانيها، الرهان على تحوّل في المزاج الداخلي. فلبنان الذي استنزفته الأزمات الاقتصادية والعزلة العربية والدولية، لم يعد كما كان قبل سنوات. هناك شريحة متنامية ترى في استمرار الازدواجية الأمنية عبئًا وجوديًا، لا مجرد خلاف سياسي. سلام يبدو وكأنه يخاطب هذه الشريحة، محاولًا تحويلها إلى رافعة لخطابه، لا مجرد جمهور صامت.
أما الركيزة الثالثة، فهي الأكثر دقة: محاولة فصل البعد القانوني عن البعد السياسي. عبر توصيفات مثل “وجود غير شرعي” و”جوازات مزورة”، يسعى الخطاب إلى نقل المواجهة من حقل الانقسام الأهلي إلى حقل السيادة القانونية. أي تحويل الصراع من نزاع بين قوى داخلية إلى قضية دولة تواجه خروقات محددة. هذا التفكيك ليس تفصيلًا لغويًا، بل جزء من استراتيجية تهدف إلى تجنب الانزلاق إلى صدام شامل.
لكن مقابل هذه الرهانات، تقف مجموعة من المخاطر التي لا تقل وزنًا.
أولها، كسر قواعد الاشتباك غير المعلنة مع حزب الله. فالحزب، الذي اعتاد على إدارة التوترات ضمن سقوف محددة، قد يجد نفسه أمام خطاب يتجاوز تلك السقوف، ما يفتح الباب أمام ردود قد لا تبقى ضمن الإطار السياسي التقليدي.
ثانيها، اختبار قدرة الدولة نفسها. فالإعلان عن توقيفات أو نية إخراج قوى غير شرعية يضع الحكومة أمام امتحان التنفيذ. في بلدٍ تعاني مؤسساته من هشاشة بنيوية، يصبح الفارق بين الخطاب والفعل عاملًا حاسمًا: إما تعزيز هيبة الدولة، أو تعميق صورة عجزها.
ثالثها، خطر العزلة الداخلية. إذ إن أي تصعيد لا يحظى بغطاء سياسي كافٍ داخل مؤسسات الحكم قد يتحول إلى مغامرة فردية، تضع صاحبها في مواجهة خصومه، وربما أيضًا في مواجهة حلفائه المترددين.
في المحصلة، ما نشهده ليس مجرد تصعيد عابر، بل محاولة لإعادة صياغة قواعد اللعبة. نواف سلام لا يرفع السقف فقط، بل يختبر حدود الممكن في لحظة إقليمية دقيقة. نجاح هذا المسار مرهون بتوافر عناصر ثلاثة: دعم خارجي فعلي، قابلية داخلية للتلقف، وقدرة تنفيذية على الأرض. أي خلل في هذه المعادلة قد يحوّل الرهان إلى ارتداد.
السؤال الذي سيحكم المرحلة المقبلة ليس ما إذا كان التصعيد سيستمر، بل ما إذا كان سيتحوّل إلى مسار مستدام، أم أنه سيبقى في إطار الرسائل السياسية العالية السقف. في لبنان، الفارق بين الاثنين غالبًا ما يرسمه ميزان القوة، لا قوة الخطاب.
