شروق وغروب – بقلم خليل الخوري – القادة والرئاسة (2/3)

… وأما العملية – المغامرة التي نفّذها المكتب الثاني (مخابرات الجيش) والتي وصفناها، أمس، بأنها هوليودية على نمط أفلام هيتشكوك، فخلاصة حكايتها أن فرنسا، بقيادة الرئيس العملاق شارل ديغول، كانت قد زوّدت لبنان بـ12 طائرة مقاتلة من طراز الميراج – 3 التي كانت أهم وأخطر الطائرات الحربية في زمانها، والتي استخدمها العدو الإسرائيلي لتدمير الطيران المصري، سوفياتي الصنع، من طراز ميغ – 21 وسوخوي عن بكرة أبيه في مطلع «حرب حزيران»… الأمر الذي شغل قادة الاتحاد السوفياتي، وصار همّهم الحصول على طائرة الميراج لدراستها وتحليل مقوّمات التفوق لديها.

تبلّغ المكتب الثاني، بشكل أو بآخر، إصرار موسكو على كشف أسرار طائرة الميراج، وكان العقيد المرحوم غابي حداد يخطط لعودة الرئيس فؤاد شهاب إلى الرئاسة، فأراد أن يغتنمها سانحةً للمقايضة: نستدرج السوفيات ولا نُطلعهم على أي أسرار لأننا سنكشف العملية، ونقول لهم أننا سنتستّر على القصة مقابل دعمكم لرئاسة ثانية لفؤاد شهاب.

وكانت الخطة أن يتولى الضابط الطيار محمود مطر بقيادة الميراج الرابضة في مطار القليعات، قرب طرابلس، ليسلّمها إلى الجانب السوفياتي. وتم اللقاء مع عميلَين لموسكو في مقر أحدهما في بيروت على بعد 200 متر من السفارة السوفياتية… ولحود الذي كشف من منفاه في إسبانيا هذه الرواية، بأدق تفاصيلها، للصحافي الكبير عزت صافي، لم يذكر ما إذا كان الرئيس شهاب على سابق علم بالعملية.

لم ينسَ السوفيات هذا الضرب، وعمل سفيرهم في لبنان سرفار عظيموف بقوة على إقناع قيادته بالوقوف ضد إلياس سركيس، مرشح «النهج» الشهابي، لمصلحة المنافس سليمان فرنجية، فتدخّلت مع كمال جنبلاط الذي قسم أصوات «جبهة النضال الوطني»: نواب الحزب الاشتراكي يقترعون لفرنجية، والباقون يقترعون لسركيس. وفاز فرنجية بصوت واحد (50/49).

قائد الجيش الذي خلف شهاب، العماد اميل البستاني، كان يطمح، بقوة، للرئاسة. وفي تقدير كثيرين أنه أعطى ياسر عرفات كثيراً، في اتفاق القاهرة، كـ «دفعة أولى» على الحساب الرئاسي، لدرجة أن الرئيس جمال عبد الناصر فوجئ بهذا السخاء. وكان الرئيس رشيد كرامي تمنّع عن ترؤس وفد لبنان إلى المباحثات التي انتهت بذلك الاتفاق – الكارثة الذي قضى على السيادة اللبنانية ومنح المخيمات الفلسطينية حكماً ذاتياً مسلّحاً، واقتطع لهم أرضاً لبنانية، عُرفت بـ «فتح لاند».

(تلي حلقة ثالثة وأخيرة)

Spread the love

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.