شروق وغروب – بقلم خليل الخوري – بشير

العشرون يوماً التي فصلت بين انتخاب بشير الجميل واستشهاده ستظل علامة فارقة في تاريخ هذا الوطن الصغير المعذّب، وعنواناً مشرقاً ومشرِّفاً للعزم والإرادة والتصميم من شاب أثبت، قولًا وفعلًا، أن المستحيل هو ابتكار العاجزين، وسرعان ما يسقط أمام الطموح المشروع والقرار الحر والوطنية الصافية.

على صعيد شخصي تتدافع الذكريات في ذهني شريطاً ليس كالشُرُط، جراء علاقة حافلة بالتوثّب والنبض ومن دون أدنى شك بالتوتر الخلّاق. وعندما فرضت عليّ مقادير هذه الحياة هجرةً، بين نيجيريا ولندن ودبي، استمرت نحو أربع سنوات ونصف السنة، لم ينقطع التواصل مع البشير حتى يوم استشهاده، وقد كلّفني القيام بغير مهمة أخيرتُها تتعلق بقراره الترشح لرئاسة الجمهورية، فحمّلني رسائل الى مقامات خليجية رفيعة جداً، كما أوكل إلى الزميلين الأستاذ الصديق العزيز فيليب أبي عقل والمرحوم جورج بشير الاتصال بي في دبي راغباً بإلحاح أن أعود إلى لبنان لأمر يتعلق بعرضه التحالف على أحد أصدقائي، رحمه الله، وهو كان شخصية سنية مناضلة، لإقامة حلف بينهما. وقد أنجزتُ المهمة بنجاح (…).

واطلعني، مباشرة، على أنه سيكون رئيساً للجمهورية (…).

وأكتفي، اليوم، بذكر بعض مما وضعني في جو الاجتياح الإسرائيلي، فأُسجّل النقط الآتية وأرويها بلسانه:

1- قرار إسرائيل اجتياح لبنان بات نهائياً، وستنفذه تل أبيب في شهر حزيران المقبل (وكان هذا الكلام في شهر آذار 1982).

2- الجانب الأميركي أبلغني، باتصال من وزير خارجيته، أنه أعطى الإسرائيلي موافقته، على القرار… ولما أبديت رأيي بأنه قرار خاطئ، قال الأميركي «القرار نهائي فلا إلغاء ولا حتى تأجيل».

3 – في اليوم التالي بادرتُ إلى الاتصال بالأميركي عارضاً المقايضة الآتية: تلغي إسرائيل الاجتياح مقابل أن «يرجّعولنا الدامور». وبعد 24 ساعة جاءني الجواب بالايجاب فشعرتُ بالارتياح.

4 – وعلى الأثر أبلغتُ كلاًّ من المملكة العربية السعودية والمملكة المغربية والكويت وسوريا وياسر عرفات (عبر هاني الحسن) بأن إسرائيل ستجتاح لبنان في حزيران المقبل، وأنا قادر على وقف الاجتياح إذا انسحب المحتلون من الدامور. وجاءني الجواب سريعاً من الرياض والدار البيضاء والكويت ودمشق بالموافقة السريعة ودعم موقفي، أما ياسر عرفات فرفض… لذلك الاجتياح سيحصل.

5 – الإسرائيلي يريدني أن أشارك وأنا رفضت قاطعاً…

(…) هذا غيض من فيض. وفي اقتناعي الذاتي أن الشهيد بشير الجميل قيادي لا يُجارى، ووطني لا يُجارى، وزعيم لا يُجارى. ومن لم يعرفه عن قرب لم يعرف أيَّ لبنان منيع، مستقل، سيّد، عفيف، حيث لا سيادة الّا للقانون والنظام، خالٍ من الزعران واللصوص والفاسدين… كان سيُنشئ!

Spread the love

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.