«أندبندنت»: هل شنّت موسكو الحرب بهدف تغيير النظام العالمي القائم؟

ربما لا يزال من الصعب الحكم على كل ما جرى منذ بدء الحرب الروسية ضد أوكرانيا، وذلك يعود إلى أمرين، أولهما أن موسكو لم تعلن أبداً أهدافها الحقيقية، وأن الاستخبارات البريطانية والأميركية هي المصدر الرئيس لما يتردد بهذا الصدد، وثانياً أن هناك تضارباً واضحاً بين المعلومات التي يعلنها طرفا الصراع وإعلامهما، وأنه حتى لو كانت صدقية المصادر الغربية أدق بهذا الصدد، فإن الاستناد إليها ليس كافياً لاستنتاج خلاصات علمية أو موثوق فيها، بخاصة أنه يظل من الواضح وجود مبالغات من الجانب الأوكراني في ما يتعلق بخسائر روسيا البشرية والمادية.

ومنذ البداية كانت التقديرات أن ساحة الاقتصاد لا تقل أهمية عن الساحة العسكرية، فوجهت واشنطن وحلفاؤها سلسلة من العقوبات الاقتصادية التي أوجعت موسكو في البداية، وساعد هذا في ترويج رسالة بأن الاقتصاد سيهزم موسكو مثلما هزمت في الحرب الباردة، لكن بعد قليل تماسك الاقتصاد الروسي وتحسن الروبل، بخاصة بعد إجراءات استخدامه في التبادل التجاري مع روسيا، كما ظهرت آثار تضخمية وضغوط اقتصادية على الأطراف الغربية بشكل خاص بسبب أزمة صادرات النفط والغاز الروسي، لكن هل يعنى تماسك روسيا أمام الضغوط الاقتصادية أنها لن تتأثر في المستقبل نتيجة هذه العقوبات.

ويبقى السؤال: هل كانت موسكو تريد تغيير النظام العالمي القائم؟

تتحدث معظم التحليلات منذ بدء الحرب عن أن موسكو تريد استعادة النظام الدولي ثنائي القطبية أو متعدد الأقطاب، وإنهاء نظام القطبية الواحدة، وفي التقدير أن هذه التصورات تحتاج إلى مراجعة، فحقيقة الأمر أن حال القطبية الواحدة لم تكن قائمة منذ سنوات عدة، وربما لم تحدث إلا لعدد محدود من السنوات بعد بدء الاضطرابات في كتلة «حلف وارسو» ثم انهيار الاتحاد السوفياتي وتفككه، وكانت قمة هذا الانفراد الأميركي منذ حرب تحرير الكويت عام 1991 وحتى حرب غزو العراق عام 2003، أي قرابة عقد واحد من الزمان، وكان رفض المجتمع الدولي لغزو العراق من دون قدرته على منعه مؤشر تغير بطيئاً وتدريجياً مستمراً منذ ذلك الوقت، وخلاصته استمرار واشنطن في مركز الصدارة العالمي لكن من دون هيمنة على النظام الدولي، وتراجع متواصل لسيطرتها مع عودة موسكو لقدر متزايد من التأثير الدولي، كانت قمته في التدخل العسكري في سوريا العام 2015، ومن ناحية أخرى صعود مستمر للصين في جميع مجالات القوة واقترابها من تهديد مكانة واشنطن، مع ضرورة تذكر أن القوة الأميركية ليس لها نظير حتى الآن عسكرياً واقتصادياً وتكنولوجياً، وحتى من حيث معايير القوة الناعمة.

إذاً، من الناحية الفعلية، وعلى الرغم من هذه القوة، فإن هناك تراجعاً متواصلاً للهيمنة الأميركية، ومن ثم فإنه ليست هناك حيثية مقنعة بفكرة تغيير النظام العالمي لأنه كان في حال تحول أصلاً، وهو ما ينقلنا للمستوى الثاني من التحليل، هل هو تدخل للتعجيل وإسراع بالتحولات؟ أم أن هدفه إعادة صياغة كل المنظومة الدولية؟ أم الأمر في النهاية مجرد استعادة الجغرافيا الروسية ولا علاقة له بالترتيبات الدولية؟

Spread the love

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.