بعد تهديدات الأمين العام لـ”حزب الله”.. هل ينزلق لبنان نحو حرب أهلية جديدة؟


بعد التصعيد العسكري الأخير وتهديدات أمين عام “حزب الله”، عادت المخاوف في لبنان من تطور الأوضاع إلى حرب، في بلد لازالت ذكريات الحرب الأهلية الأليمة حية في أذهان مواطنيه. فما المسافة بين تجاوز الأزمة والانزلاق نحو الهاوية؟

في منطقة الطيونة، حيث اندلعت قبل أيام اشتباكات بين مسلحين من “حزب الله” وحركة “أمل” من جهة ومسلحين من “القوات اللبنانية” من جهة ثانية، وراح ضحيتها سبعة أشخاص وعشرات الجرحى، تجاور آثار الرصاص الذي اخترق الأبنية حديثاً مع أثار الرصاص الذي لا يزال شاهداً على الحرب الأهلية في الأبنية القديمة التي لم ترمم.

المنطقة كانت خلال الحرب الأهلية (1975- 1990) خط تماس بين المتحاربين، ونالها نصيب كبير من الرصاص والقذائف والقنص. واليوم، يعود التوتر الأمني ليخيم على المنطقة، مع انتشار كثيف للجيش اللبناني فيها، والذي نصب نقاط مراقبة ووضع أسلاكاً شائكة عند المفارق المؤدية إلى منطقتي عين الرمانة والشياح التي تفصل الطيونة بينهما. آثار الزجاج المهشّم، الذي تساقط من البيوت والمحال التجارية والسيارات لا تزال حاضرة على الأرض، بعدما كنسها الناس إلى جانب الطرقات. المحال التجارية عملت على ترميم واجهاتها وأعادت فتح أبوابها للزبائن القلة في ظلّ أزمة اقتصادية خانقة يعيشها اللبنانيون.

عبد كالوت يمتلك مكتباً للعقارات في النقطة التي وقعت فيها الاشتباكات، يُبرز لـ”دويتشه فيله” عربية مجموعة فيديوهات من كاميرات المراقبة التابعة لمكتبه، تظهر المسلّحين وهم ينتشرون أمام واجهته الأمامية. زوجته، التي تعمل معه في المكتب، علقت أثناء الاشتباكات في الطابق العلوي، واتصلت به لإجلائها.

في الفيديو يظهر كيف يركض كالوت، متجاوزاً الطريق حيث القنص، إلى مكتبه، وكيف يسمح له المسلّحون بالمرور والدخول لإخراج زوجته. يقول لـ”دويتشه فيله” عربية إنه ركن دراجته النارية في الجانب الآخر الذي يُحسب على القوات اللبنانية، وأتى إلى مكتبه حيث المسلحين التابعين لحركة “أمل”، ولم يسأله أحد لا من هنا ولا من هناك عن هويته، بل سمحوا له بالمرور وإجلاء زوجته من دون أية اعتبارات لهويته الطائفية أو لولائه السياسي. برأيه لا يهتم الطرفان لهذه المسائل بقدر ما يتصارعان في السياسة، وهما إذ يرفعان من الخطاب الطائفي المتشنّج، فهدفهما شدّ العصب الطائفي لأهداف سياسية تخدمهما في الإنتخابات البرلمانية التي قرر المجلس النيابي موعدها في السابع والعشرين من آذار/ ابريل 2022.

يستشهد عبد بناطور (حارس) البناية، من الجنسية السورية، الذي يحضر ويقول إن الناس في الشارع هربوا إلى مدخل البناية بعد اطلاق النار وتجمعوا مع آخرين. تركوا شققهم في الطوابق العليا ونزلوا إلى مدخل المبنى للاختباء، فصار هناك اكثر من خمسين شخصاً من طوائف ومناطق مختلفة في مكان واحد، لا أحد يعرف منهم أي شيء عن هوية الآخرين، وما يجمع بينهم، بحسب الناطور، هو “خوفهم من صوت الرصاص وانزعاجهم من المسلّحين المشتبكين في الخارج”.

هل يفجر حزب الله الوضع؟

خاض الاشتباكات في الطيونة مسلّحون من “حزب الله” وحركة “أمل” يقولون إنهم تعرضوا للقنص من مسلحين تابعين للقوات اللبنانية. أمين عام “حزب الله” حسن نصر الله أعلن في خطاب الإثنين الماضي، تعليقاً على أحداث الطيونة، وفي تهديد مباشر وواضح لـ”القوات اللبنانية”، إنه يمتلك مئة ألف مقاتل مدربين ومجهّزين لخوض أية حرب داخلية تفرض عليهم، فما يعني هذا التهديد؟ وما خطورته؟

الكاتب والمحلل السياسي المختص بشؤون حزب الله، قاسم قصير، يقول لـ”دويتشه فيله” عربية أن أثر هذا الكلام عالي النبرة لأمين عام “حزب الله” يتوقف على ردّ فعل القوات اللبنانية وأدائها وهي تحاول توظيف هذا الكلام لاستنهاض الشارع المسيحي، فإما أن تذهب الأمور إلى مزيد من التوتر في حال تصاعدت حدة الخطاب الطائفي وتكرار الحوادث الأمنية المتفرقة على الأرض، وإما أن يكون أثر كلام نصر الله حاسماً لجهة قطع الطريق على الحرب الأهلية، ويضيف “اذا ذهبنا إلى توترات أخرى سيكون حزب الله مضطراً إلى الرد لأن بيئته غاضبة ومتشنّجة، والخطورة أن دخول الحروب الأهلية لا يكون بقرار، بل يجد الأطراف والناس انفسهم متورطين فيها فجأة”.

وبرأي قصير، لا يمنع إعلان الحزب عن امتلاكه مئة الف مقاتل، الحرب بالضرورة: “ليس العدد ما يمنع الحرب، بل السياق العملاني، لأن مشكلات أمنية متفرقة كافية لإشعال حرب داخلية، وليست بحاجة إلى تجهيز عسكري كبير، فضلاً عن تأثير العوامل الخارجية”.

“القوات اللبنانية لن تقف مكتوفة الأيدي”

بالنسبة إلى “القوات اللبنانية”، فإن “خطاب نصر الله الذي يأتي استكمالاً لأداء حزب الله، هو ما قد يجر البلد إلى حرب أهلية أو توترات في الشوارع”. وليس لدى “القوات”، بحسب عضو مجلسها المركزي طوني بدر، أية رغبة للذهاب إلى صدام مع أحد، و”لا رغبة لنا بأي مواجهة مسلحة مع أحد لأننا نعتبر أن من يحمينا هما الجيش والقوى الأمنية اللبنانية”. ويؤكد أن “القوات” “لا تقبل بتخييرها بين السلم الأهلي والحرية، أو بين السلم الأهلي والعدالة. ولا يستطيع حزب الله تحت عنوان مئة ألف مقاتل أن يفرض على اللبنانيين تطيير (وقف) التحقيق في تفجير المرفأ الذي يقوده القاضي طارق بيطار، أو تطيير الانتخابات أو غيرها من الاملاءات السياسية التي لن يقبل بها احرار لبنان”.

وعن التحليلات التي تتحدث عن أن خطاب أمين عام “حزب الله” الأخير يشكّل خدمة انتخابية للقوات اللبنانية، ويشدّ العصب الطائفي لجمهورها، يؤكد بدر أن “أي عاقل يعرف أن حزب الله لا يريد تقديم أي خدمات انتخابية للقوات اللبنانية وهو متحالف مع التيار الوطني الحر”. كما ينفي بدر أي حديث عن وجود 15 الف مقاتل لدى “القوات اللبنانية” جاهزين لمواجهة “حزب الله”، لكنه يؤكد أن القوات لن تقف مكتوفة الأيدي في حال تعرضها للتهديد والاعتداء.

انتخابات حرّة بوجود السلاح؟

“كيف انتخابات حرّة في دار حرب؟”، هذا تساؤل طرحه في العام 2005 الناشط لقمان سليم الذي اغتيل بخمس رصاصات في الرابع من شباط/ فبراير 2020، في كتيّب مشترك أصدره مع الكاتب والصحافي فادي توفيق قبيل الانتخابات البرلمانية التي أجريت في ذلك العام. وكان الهدف من هذا التساؤل هو تسليط الضوء على إمكانية قيام انتخابات حرّة في ظل وجود سلاح “حزب الله” وهيمنته على الحياة السياسية اللبنانية.

في أيار/ مايو من العام 2008 استخدم “حزب الله” سلاحه في حرب داخلية سميّت بأحداث السابع من أيار، واليوم مع أحداث الطيونة، ومع حديث نصر الله عن جهوزية مئة ألف مقاتل للحرب الداخلية، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: “كيف انتخابات حرّة في دار حرب؟”.

فادي توفيق يجيب بأنه لا يوجد إمكانية لاي انتخابات حرة في ظل السلاح، “وفي هذا السؤال الذي طرحناه في العام 2005 نقد للخطاب الإجرائي المدني الذي يعتبر أن الانتخابات الحرة تقتصر على عملية الاقتراع بطريقة سليمة في يوم واحد على المستوى الإجرائي وفي ظل إجراءات أمنية مشددة، ومراقبة دولية وخلافها من الإجراءات الشكلية. وبهذا، ومع سطوة السلاح، تتحول الانتخابات، باستخدام السلاح، إلى مصدر للمشروعية الشعبية بالقوة”.

ويقول توفيق لـ”دويتشه فيله” عربية إن الإعلان عن وجود مئة ألف مقاتل لدى “حزب الله” لا يغير في طبيعة الولاء لـ”حزب الله” من قبل مناصرين، “لأن هذا الإعلان يتوجه إلى الخصوم، وليس حصراً القوات اللبنانية، بل يعتبر توفيق أن الإعلان يستهدف أيضاً الجيش اللبناني”.

“الله يساعد الجيش” يقول عبد كالوت في مكتبه في الطيونة. ويلملم أغراضه ليقفل المكتب ويذهب لإحضار أولاده من المدرسة، ويتابع بينما ينهمك في ترتيب أوراق أمامه: “السياسيون في لبنان يعرفون كيف يلعبون على الوتر الطائفي. منذ العام 1975 وهم يعرفون كيف يبرمجون اللبنانيين لخدمة مصالحهم، والخطاب الطائفي الذي ينشرونه اليوم هدفه الحفاظ على مواقعهم في السلطة وشحن النفوس لترجمتها في صناديق الاقتراع”.


DW

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *