إنفجار مرفأ بيروت.. عام على أكبر الإنفجارات غير النووية بالعالم و”الكل كان يعلم!”


رغم مرور نحو عام على انفجار مرفأ بيروت الذي عُد أسوأ انفجار غير نووي، لا تزال آثار الحادث تؤثر على مستويات مختلفة داخل البلاد. وإلى اليوم، لم يُشفَ اللبنانيون من جراحهم التي عمّقتها أزمات صحية واقتصادية وسياسية.

في الرابع من آب/ أغسطس 2020، دوى انفجار ضخم في مرفأ بيروت فقتل أكثر من مئتي شخص وجرح أكثر من 6500 آخرين وألحق دماراً ضخماً في المدينة وشرّد عشرات الآلاف عاد عدد منهم الى منازلهم…

وعمّقت المأساة أزمة سياسية واجتماعية واقتصادية ومالية كانت بدأت قبل أشهر. بعد مرور عام، لا يزال البلد الصغير المنهك ينزف، ولم يحاسب أحد على ما حصل.

حوّل الإنفجار الذي عزته السلطات إلى كمية ضخمة من نيترات الأمونيوم مخزنة من دون تدابير وقائية، بيروت إلى مدينة موت، دمّر أحياء فيها واقتلع أبواباً ونوافذ حتى في ضواحيها، وخلّف صدمة لم يُشفَ اللبنانيون منها بعد.

الكل كان يعلم!

وتبين، وفق تحقيقات إعلامية ومصادر مواكبة للتحقيق، أن مسؤولين سياسيين وأجهزة أمنية والجيش كانوا على علم بمخاطر وجود 2750 طناً من نيترات الأمونيوم مخزنة في المرفأ، لكنهم لم يحركوا ساكناً. وعندما قرر القضاء استدعاء بعض هؤلاء المسؤولين لاستجوابهم في القضية، ثارت ثائرة السياسيين، ورفضوا رفع الحصانة عن نواب تولوا مناصب وزارية، ومنح الإذن لإستجواب مسؤولين أمنيين.

حتى اليوم، لم يحصل اللبنانيون على أجوبة عن أسئلتهم: من أتى بهذه الكمية الضخمة من نيترات الأمونيوم؟ لماذا تُركت سبع سنوات في المرفأ، ومن كان يعلم بها وبمخاطرها؟ وما هي الشرارة التي أدت إلى الإنفجار؟

عُيّن قاضي تحقيق أول في القضية، وقرر الادعاء على مسؤولين، فوقفت السياسة له بالمرصاد وتمّت تنحيته، بحجة عدم اتباعه الأصول القانونية. ويسير المحقق العدلي الذي خلفه طارق بيطار على خطاه اليوم، إلا أنّه لم يُعطَ بعد إذنا لملاحقة الأمنيين، ويعرقل البرلمان رفع الحصانة عن نواب ثلاثة، كانوا يشغلون مناصب وزارية، وتم استدعاهم.

انتقادات لمسار التحقيق

وانتقدت دول عدة بينها فرنسا مسار التحقيق، وطالبت منظمات دولية بتشكيل بعثة تحقيق بإشراف الأمم المتحدة تدعم التحقيق المحلي، علها تنتشله من التدخلات السياسية. ووقع الإنفجار في عزّ أزمة كوفيد-19، ففاقم هموم اللبنانيين الذين كانوا غارقين أصلاً في أزمة اقتصادية غير مسبوقة.

في تشرين الأول/ أكتوبر 2019 ثار اللبنانيون ضد الطبقة السياسية التي يتهمونها بالفساد والعجز. وأسقطوا الحكومة آنذاك، وطالبوا بحكومة تكنوقراط. لكن الحكومة التي شكلت بعد عناء برئاسة حسان دياب لم تنجز شيئاً بسبب الانقسامات السياسية وتمسك الأحزاب والأطراف المختلفة بنفوذها، وقدمت الحكومة استقالتها إثر الغضب الشعبي الذي تفجر في وجهها بعد انفجار المرفأ.

وضاعف المجتمع الدولي الضغوط على السياسيين اللبنانيين لتشكيل حكومة وتنفيذ إصلاحات ضرورية يشترط تحقيقها لتقديم القروض والمساعدات للحكومة. ورغم الضعوط الدولية لم تحصل الإصلاحات، فجُمّدت مفاوضات مع صندوق النقد الدولي بسبب عدم قدرة المسؤولين اللبنانيين على تقديم رؤية موحّدة للوضع. ومنذ عام، تقود البلاد حكومة تصريف أعمال لعدم تمكن القوى السياسية من التوافق على حكومة جديدة.

وكلّف قبل أيام نجيب ميقاتي المهمة الصعبة بتشكيل حكومة جديدة، بعد تنحي سعد الحريري الذي عجز عن ذلك على مدى أشهر طويلة.

مسيرة.. نحو الهاوية!

بدأ لبنان مسيرته نحو الهاوية مع إعلان السلطات التوقف عن دفع ديونها الخارجية، ووضعت المصارف قيوداً على الودائع، وبدأت العملات الأجنبية تنفد من الأسواق والليرة اللبنانية تفقد قيمتها.

ضرب الانهيار الاقتصادي قطاعات مهترئة أساساً مثل الكهرباء، وتعثرت قطاعات أخرى، وصولاً الى قطاع الصحة بعد تفشي فيروس كورونا ثم هجرة مئات الأطباء والممرضين الى الخارج بسبب الأزمة، ومؤخراً نقص الأجهزة الطبية والأدوية جراء التدهور المالي وعدم القدرة على فتح اعتمادات بالدولار.

وسرّعت كارثة مرفأ بيروت، أحد أكبر الإنفجارات غير النووية في العالم الذي ذكّر بالقصف النووي على هيروشيما وناكازاكي، الإنهيار في البلد.

وتقول الأستاذة المحاضرة في الجامعة الأمريكية في بيروت ريما رنتيسي: “اعتقدنا أننا وصلنا إلى الحضيض. فكيف بالوضع أن يسوء أكثر؟”.

وتضيف: “ما هو واضح لي، وما أذكّر نفسي به كل يوم، هو أن هؤلاء الذي يديرون البلد ليسوا سوى مجرمين وقتلة”، موضحة بالقول: “بعد الإنفجار، فهمنا تماماً أنه طالما هم في السلطة، لن يتغير أي شيء”.

“هذه القضية هي فرصتنا الوحيدة”

بعد سنة على وقوع الإنفجار، لم يهدأ غضب اللبنانيين، لكنهم أيضاً يبدون متعبين. فالدعوات الى الاحتجاج في الشارع لم تعد تجمع كثيرين، كما حصل في تظاهرات تشرين الأول/ أكتوبر 2019 ضد الطبقة الحاكمة، التي علقت عليها آمال كبيرة لم تتحقق. وباتت الاحتجاجات محدودة وغالباً ما تشهد قطع طرقات وأعمال شغب.

وتقول إميلي، وهي شابة في الثانية والثلاثين وموظفة في مؤسسة حكومية: “كل ما أريده هو الهجرة. أريد أن أبعد أولادي من هنا، وأبني لهم مستقبلاً”.

وفوق ذلك كله، يعاني لبنان من أزمة محروقات ونقص في مواد غذائية وطبية وأساسية. وتشهد معظم المناطق اليوم تقنيناً شديداً في الكهرباء يصل إلى 22 ساعة في اليوم، بينما لا يوجد ما يكفي من الوقود لتشغيل المولدات الخاصة.

كل يوم تقريباً، يصدر تحذير من قطاع ما: المستشفيات تحذر من نفاد المحروقات اللازمة لتشغيل المولدات وسط انقطاع التيار الكهربائي ومخاطره على حياة المرضى، الصيدليات تنفّذ إضرابات بسبب انقطاع الأدوية، المتاجر قد تضطر لإفراغ براداتها لعدم توفر الكهرباء والوقود.

وباتت حقائب القادمين من السفر لزيارة أهلهم أشبه بصيدليات متنقلة مليئة بالأدوية وحليب الأطفال وغيرها من الحاجات الأساسية.

وتقول رنتيسي “ندور في حلقة مفرغة. نصحو كل على يوم على ما هو أسوأ”، فيما يقول رسام الكاريكاتور برنارد الحاج: “وكأنها ديستوبيا.. إنها الكلمة الوحيدة التي أستطيع أن أصف بها لبنان.. تعيش أسوأ كوابيسك ولا قدرة لك على التحكم به”.

وإن كان كثر يشككون في إمكانية الوصول إلى الحقيقة الكاملة او محاسبة جميع المسؤولين، يقول الحاج “إذا تمكن الإنفجار من إسقاط واحد منهم فقط، سيكون قطعة الدومينو الأولى”. ويضيف: “هذه القضية هي فرصتنا الوحيدة”.


AFP

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *