الفاعل ضمير “مفقود” تقديره “فساد”.. في مأساة مستشفى الناصرية من لم يمت بكورونا مات حرقا!


تقتل قناني الأوكسجين المنفجرة مرضى كورونا، في بلد يوظف فيه مدراء ومسؤولين في الصحة على أساس “القرب من فلان” أو الانتماء الحزبي مع “غياب المهنية والكفاءة”. مسلسل الموت لا ينقطع والفاعل ضمير “مفقود” تقديره “فساد”.

السيناريو نفسه يتكرر. في المرة الأولى كانت بغداد الضحية وبعد شهرين ونصف انتقل الحريق إلى مدينة الناصرية جنوب العراق؛ المدينة الجنوبية التي يسكنها أناس أغلبهم يعيش تحت خط الفقر.

مصابون بكورونا يلجؤون إلى المستشفى بحثا عن أوكسجين يملؤون به صدورهم، فيموتون حرقا بانفجار قناني الأوكسجين أو اختناقا بالدخان بعد أن التهمت النيران وحدة مرضى كوفيد 19 تضم 70 سريرا.

في شهر نيسان/ أبريل الماضي كان موقع الكارثة مستشفى ابن الخطيب في بغداد وبلغ عدد القتلى في الحادث 82 قتيلا، وفي مساء الأمس تكررت الماساة في مستشفى الحسين بالناصرية، وعدد الضحايا ارتفع ليبلغ 92 قتيلا، وأكثر من 50 مصابا. أما الفاعل فضمير “مفقود” تقديره “الفساد”.

غضب يجتاح الناس

الغضب واليأس يدب في نفوس أهل الضحايا وملايين آخرين من العراقيين. ومواقع التواصل الاجتماعي —متنفس العراقيين للتعبير عن غضبهم تجاه المآسي التي يعانون منها— تنشر مقاطع فيديو مؤلمة، أحدها لشرطي يذرف الدموع فقد انهار عند سماعه بوفاة اثنين من أقاربه في الحريق.

والناصرية التي تشهد منذ أكثر من عام تظاهرات مطالبة بالإصلاح ومكافحة الفساد، تئن مع كل مأساة لتصاب بأخرى. مباشرة بعد الحادث تجمع المئات أمام المستشفى المحترق محاولين إنقاذ المرضى، بينما خرج البعض يهتف شاتما الأحزاب السياسية.

فيديو آخر نشر على موقع تويتر يظهر الكارثة التي حلت بالمستشفى بعد الحريق، ومدنيون يبحثون بين الأنقاض عن أقاربهم.

من المسؤول؟

مثلما تكرر المأساة نفسها، يجتر النقاش أيضا نفسه، والجديد الوحيد يكمن في عدد الضحايا. أما بالنسبة لسوء إدارة قطاع الصحة في البلاد فهو ليس سرا. الصحفي والكاتب عباس عبود، حمّل الفساد مسؤولية المآسي التي يمر بها قطاع الصحة.

ففي حوار مع “دويتشه فيله” عربية، أوضح عبود أن هناك جانبين “الجانب الأول هو فساد الإدارات سواء كانت الإدارات المعنية بأمر وزارة ودوائر الصحة، أو الإدارات الفنية”، مشيرا إلى أن الفساد على المستوى السياسي أدى إلى “صعود قيادات غير مهنية وغير كفوءة لإدارة مرافق الصحة التابعة للدولة، مثل المستشفيات، المراكز الصحية، إلخ…”

إذ أن وصول مثل هذه القيادات غير الكفوءة والمدعومة من جهات وأحزاب سياسية أدى إلى ضعف الخدمات، وإلى عدم توفر المواد الطبية والأدوية والتلكؤ في توفير الأجهزة الطبية، حسبما يرى الصحفي عباس عبود.

أما الجانب الثاني، حسب رأيه فيعود إلى “طمع بعض الأطباء وتحول مهنة الطب إلى مشروع تجاري مربح”، ما ينعكس على قطاع الصحة العام والخاص. إلا أن مسؤولية إدارة قطاع الصحة العام تعود إلى الدولة ووزارة الصحة، رغم ذلك فإن تعيين المسؤولين تتدخل فيه التيارات السياسية والأحزاب، التي تنأى بنفسها حين تحل كارثة، مستغلة الموقف لصالحها كورقة انتخابية تضر بها الأطراف الأخرى.

ويضيف الصحفي عباس عبود لـ”دويتشه فيلة” عربية قائلا: “ندق الأجراس بعد أن تحل الكوارث، ثم نصمت بعد مرورها، هذه الكارثة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة في قطاع الصحة”. مطالبا بإبعاد مؤسسات الدولة الصحية عن سيطرة الأحزاب وعن السياسة، “كالحرم الجامعي والقضاء يجب إبعادهما عن السياسة”.

ورقة انتخابية؟

وما إن تحدث مأساة حتى تصدح الأصوات من كل الأطراف السياسية مطالبة بمحاسبة المسؤولين والفاسدين. رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي صرح اليوم أن “الحكومة لن تتسامح مع الفاسدين أو المتلاعبين بأرواح المواطنين أياً كانت صفاتهم أو انتماءاتهم”.

أما الشيخ قيس الخزعلي، الأمين العام لحركة “عصائب أهل الحق”، وهي جماعة شيعية موالية لإيران لها جناح عسكري، فطالب البرلمان اليوم (13 تموز/ يوليو) باستجواب رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي وحكومته بعد فاجعة الحريق.

بدوره كتب الرئيس العراقي برهم صالح على تويتر “فاجعة مستشفى الحسين وقبلها مستشفى ابن الخطيب في بغداد، نتاج الفساد المستحكم وسوء الإدارة الذي يستهين بأرواح العراقيين ويمنع إصلاح أداء المؤسسات”. وأضاف أن “التحقيق والمحاسبة العسيرة للمقصرين هو عزاء أبنائنا الشهداء وذويهم. لا بد من مراجعة صارمة لأداء المؤسسات وحماية المواطنين”.

“طي النسيان”

و”منذ سنوات طويلة أضحى تنصيب المدراء والمسؤولين الكبار لا يعتمد على أساس المهنية والتقادم والخبرة، بل أصبح المعيار هو القرب من فلان وفلان”، والمعيار الثاني هو “الدخول في مؤسسات الفساد المستشرية في مفاصل الدولة”، يقول الصحفي العراقي، داعياً إلى “ثورة من رجال الإعلام والأطباء المخلصين والمعنيين في قطاع الصحة”.

إلا أن مثل هذه الثورة لن تكتب له الحياة، مادامت وزارة الصحة —حالها حال الوزارات الأخرى— من حصص تيارات وجهات سياسية، وتعيين المسؤولين فيها ليس على أساس الخبرة ولا الكفاءة.

على بعد 250 كم شمال الناصرية وتحديدا في النجف، حث يدفن العراقيون موتاهم قرب ضريح الإمام علي، بكى عماد هاشم وقد تملكه الغضب وهو يستعد لجنازة أمه واثنتين من قريباته لقين حتفهن في الحريق. وقال عماد (46 عاما) “ماذا أقول بعد أن فقدت أسرتي… لا جدوى من طلب أي شيء من حكومة فاشلة. ثلاثة أيام وتذهب هذه الحادثة طي النسيان مثل غيرها”.


DW

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *