لبنان.. الخناق يشتد على المزارعين في ظل تدهور الوضع الاقتصادي


يكافح المزارعون في لبنان بشدة من أجل البقاء في ظل أزمة اقتصادية متفاقمة جراء تراجع سعر الليرة أمام الدولار. ويأتي ذلك وسط مخاوف من تداعيات الحظر السعودي على بعض المنتجات الزراعية اللبنانية.

يتضرر القطاع الزراعي في لبنان بشدة بسبب الأزمة الاقتصادية التي أدرجها البنك الدولي ضمن أسوأ عشر —وربما ضمن أسوا ثلاث— أزمات عالمية منذ منتصف القرن التاسع عشر. فقد انخفض الناتج الإجمالي المحلي في لبنان من 55 مليار دولار (45.2 مليار يورو) في عام 2018 إلى 33 مليار دولار في عام 2020، ما أدى إلى دخول 55 بالمائة من سكان البلاد إلى دائرة الفقر، وفقا لتقرير صادر عن اللجنة الاقتصادية والعالمية لغربي آسيا التابعة للأمم المتحدة المعروفة اختصارا بـ “الأيسكوا”. ومع خسارة الليرة اللبنانية لـ 90 بالمائة من قيمتها منذ أواخر عام 2019، يكافح المزارعون في لبنان من أجل البقاء في ظل اقتصاد يعتمد أساسا على الدولار وبلد يعتمد بشكل كبير على الواردات.

تأثير أزمة سعر الصرف على المزارعين

يعد سوق الدولار المشكلة الرئيسية التي تؤثر على القطاع الزراعي في لبنان وسط أزمة اقتصادية واسعة النطاق.

وفي هذا الصدد، يؤكد ملحم ملحم —المزارع البالغ من العمر 52 عاما من منطقة سهل البقاع— أن عمله وتجارته تدهورا بشدة جراء أزمة العملة. وأضاف المزارع اللبناني “اشتري البذور والمبيدات الحشرية والأسمدة بالدولار، لكني أبيع منتجاتي الزراعية بالليرة اللبنانية. وهذا يعني أني لا أجني أي أرباح.” يحتاج ملحم إلى 500 دولار شهريا للاستمرار بالعمل في مجال الزراعة، لكن يبدو أن الأمر بات مستحيلا مع انخفاض قيمة الليرة اللبنانية

وأعلنت منظمة الأغذية والزراعة (فاو) أن القطاع الزراعي اللبناني يركز على مجال الفواكه والخضروات، فيما يعمل قرابة 23 بالمائة من سكان البلاد في القطاع الزراعي سواء بدوام عمل كامل أو جزئي. ومع اندلاع الأزمة السورية، تدفق اللاجئون السوريون إلى لبنان وعمل الكثير منهم في قطاع الزراعة، إذ لعبوا دورا متزايدا في هذا القطاع نظرا لأنهم يعملون بأجور أقل رغم أنهم يملكون خبرات زراعية كبيرة.

وتعمل مريم البالغة من العمر 35 عاما في مجال صناعة الأغذية، إذ تقوم بتعليب المربى وأوراق العنب ومنتجات أخرى في منزلها، لكن بسبب الوضع الاقتصادي المتردي تضطر مريم —التي رفضت الإقصاح عن اسمها بالكامل— إلى العمل في المزارع نظرا لضيق الحال. وتقول مريم “مشكلتي الرئيسية تتمثل في أسعار الجرار الزجاجية التي ارتفعت بشكل كبير. وفي ظل الأزمة الاقتصادية، قل الإقبال على الشراء، لكن لحسن الحظ، أستطيع تخزين منتجاتي لفترات طويلة”.

“ملابس العمل لم تتغير منذ 4 سنوات”

وتعد الأجور المنخفضة جزءا من مشكلة المزارعين في لبنان في ظل عدم وجود تأمين اجتماعي. ويقول حسن عباس —رئيس نقابة العمال الزراعيين في لبنان— إن حقوق المزارعين في لبنان ليست محمية لأنهم ليسوا جزءا من نظام المفاوضة الجماعية في لبنان.

وأضاف عباس “كنتيجة للأزمة الاقتصادية، انخفض متوسط الأجور إلى مستويات متدنية بسبب التغيرات الكبيرة في سعر الصرف. ويبلغ حاليا متوسط أجر العامل في المزراع في لبنان حوالي مليون ليرة، أي ما يعادل 68 دولارًا في الشهر.

بيد أن عباس أشار إلى أنه قبل الأزمة كان يجني العامل 675 ألف ليرة فقط، لكن هذا المبلغ كان يعادل حوالي 435 دولارًا في ذاك الوقت. وما يفاقم الأزمة، أن المزارعين في لبنان لا يحصلون على أجور في حالة المرض ما دفع النقابة إلى إنشاء صندوق لتغطية تكاليف الرعاية الصحية للمزارعين.

ومن بين من تضرر جراء تداعيات الأزمة الاقتصادية على القطاع الزراعي فاطمة البالغة من العمر 50 عاما التي باتت تعيش في وضع اقتصادي خانق. وقالت فاطمة —التي رفضت الإفصاح عن اسمها بالكامل— “الدخل منخفض. إذا عملت فهذا يكفي فقط لسد الرمق، وإذا لم أعمل، فلن أجد ما أشتري به ما أحتاج من الطعام. فالمال ليس كافيا ويجب أن اشتري الأدوية والملابس أيضا”. وتابعت “إنني ارتدي نفس ملابس العمل منذ أربع سنوات. فهل يمكن تصديق هذا الأمر؟” تتساءل فاطمة.

الزراعة في لبنان.. هواية أكثر منها تجارة

ولا تنحصر مشكلة المزارعين في لبنان على الافتقاد للضمان الاجتماعي فحسب، وإنما أيضا معاناتهم في بيع منتجاتهم الزراعية وتسويقها. وهو ما يوضحه عباس بقوله: “يتم استغلال التجار المزارعين، فهم يشترون المواد الغذائية والخضروات بأسعار منخفضة. وفي المقابل، يقومون ببيعها بأسعار أعلى بكثير. هذا الأمر يؤثرا سلبا على صغار المزارعين والشركات المحلية الصغيرة”.

ويرى كثيرون أن الزراعة لا تمثل أهمية قصوى بالنسبة للحكومة اللبنانية رغم أن القطاع الزراعي يساهم بنسبة 5 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي فيما تقل الاستثمارات في هذا القطاع الحيوي. وتلبي المنتجات الزراعية فقط 20 بالمائة من الطلب المحلي ما يعني أنه يتم استيراد معظم المواد الغذائية من الخارج.

وفي هذا السياق، يقول رامي لقيس —مؤسس مشارك في مشروع زراعي محلي في سهل مدينة بعلبك بشرق لبنان يسمى “القرية الزراعية— إن الحكومة فشلت في دعم المزارعين وقد أثرت سياسة الإهمال على الانتاجية الزراعية.

وأضاف لقيس “لقد قمنا بإنشاء هذا المشروع بسبب أن المزارعين لا يملكون الخبرة للإنتاج على نطاق كبير. ولا يوجد اتصال بينهم وبين التجار بشكل جيد. أصبح القطاع الزراعي في الوقت الحالي قطاعا إنسانيا أكثر من كونه نشاطًا تجاريًا”.

تهديد الحظر السعودي

ويبدو أن الأيام المقبلة قد تشهد تفاقم أزمة القطاع الزراعي في لبنان، فقد يفقد المصدرون اللبنانيون سوقا هاما يتمثل في السوق السعودي، بعدما أعلنت الرياض حظرا على الخضروات والفواكه القادمة من لبنان لمحاربة عمليات تهريب المخدرات.

ففي أبريل / نيسان الماضي، صادرت السلطات السعودية مخدرات مخبأة في شحنات فواكه وخضروات مستوردة من لبنان. ووصف وزير الزراعة اللبناني عباس مرتضى الحظر السعودي بأنه يمثل خسارة كبيرة للبلاد، إذ أشار إلى أن قيمة الصادرات اللبنانية للسعودية تبلغ 24 مليون دولار سنويا في ضوء أن السعودية تعد أكبر مستورد للمنتجات الزراعية اللبنانية.

لكن بالنسبة لحسن عباس، رئيس نقابة العمال الزراعيين في لبنان، فإن بعض المنتجات قد تتأثر بهذا الحظر، ولكن ليس جميع المنتجات. وفي هذا السياق، يضيف قائلا: “نسبة صغيرة من المزارعين ربما ستتأثر من هذا الحظر، لكن يتعين البحث عن أسواق جديدة.”

أما رامي لقيس، فيرى أن الحظر سوف يؤثر أيضا على سمعة القطاع الزراعي في لبنان. وأضاف “في الوقت الذي سيكون فيه التجار الكبار أكثر المتضررين، فإن صغار المزارعين سيبيعون منتجاتهم في الأسواق المحلية. ورغم ذلك، فإن الحظر قد يمثل تهديدا في المستقبل باعتبار أن الزراعة قطاع متقلب ما يعني أن لبنان قد يخسر سوقا كبيرة.”

وحتى الآن لا توجد أرقام دقيقة بشأن تأثير هذا الحظر لأنه لم يدخل حيز التنفيذ بعد، وربما سيبدأ سريانه الشهر المقبل. بيد أنه في الوقت الحالي، يساور المزارعون في لبنان قلق كبير حيال تطورات الأمر وتداعياته على أزمتهم الاقتصادية، خاصة وأن هذا الحظر قد يعرض الإنتاج الزراعي إلى التوقف بسبب ارتفاع التكاليف. وفي هذه الحالة، قد لا يجد المزارعون اللبنانيون المال الكافي لشراء الطعام.


DW

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *