أسبوعان حاسمان.. أوروبا وأميركا لا تكترثان اليوم إن كان “الحرس الثوري” سيسلب لبنان كليّاً


ليست الدول الأوروبية وحدها المستفيدة بامتياز من انتخاب السيد جو بايدن رئيساً للولايات المتحدة الأميركية وإنما الصين وروسيا وإيران أيضاً هي من كبار المستفيدين لأسباب مختلفة. الأسبوعان المُقبِلان سيشهدان تطوّرات قد تكون مصيرية في السياسة الدولية وانعكاساتها الإقليمية حيث ستتصدّر هزيمة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب الأجواء الاحتفائية وتستعيد ألمانيا مجد القيادة في حفلة وداعيّة للمستشارة الاستثنائية انغيلا ميركل.

ستتربّع الجمهورية الإسلامية الإيرانية على الأحاديث والقرارات وتزهو بانتصاراتها التكتيكية والاستراتيجية. فلقد حالفها الحظ بفوز بايدن بالرئاسة بعدما استثمرت كثيراً في إلحاق الخسارة بترامب في الانتخابات وراهنت على الصبر الاستراتيجي.

لكن أوروبا هي التي قامت وتقوم بدور الوكيل عن النظام في طهران، وهي التي خاضت حروبه الدبلوماسية والاقتصادية بالنيابة. أوروبا هي اليوم الشريك الفاعل لإدارة بايدن في تعويم الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتعزيز قيادتها الإقليمية، وهما بذلك يقدّمان هدايا استراتيجية لكل من الصين وروسيا اللتين ترقصان على الأنغام الأميركية- الأوروبية الجديدة بمتعة فائقة وخفيّة.

روزنامة الأسبوعين المقبلين ستبدأ بخطاب مهم للرئيس الروسي فلاديمير بوتين أثناء المنتدى الاقتصادي في سان بيترسبورغ من 2 الى 5 حزيران (يونيو) المقبل حيث سيتحدّث عن السياسة الخارجية بلغة جديدة تنطلق من التفاهم مع نظيره الأميركي جو بايدن على موعدٍ للقمّة بينهما في 16 حزيران (يونيو) المقبل في جنيف.

علاقة الرئيسين كانت في غاية التوتّر والانزلاق ليس فقط بسبب أوكرانيا وإنما تدهور العلاقات الأوروبية- الروسية ساهم أيضاً في اهتزاز العلاقة الأميركية- الروسية. ثم انقلبت المقاييس بمساهمات أوروبية وأتى الاتفاق على القمّة الأميركية- الروسية ليسجّل تحوّلاً مهمّاً.

الرئيس جو بايدن سيصل الى أوروبا عبر البوابة البريطانية من 11 الى 13 حزيران (يونيو) المقبل للقاء ثنائي مع رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون وللمشاركة في قمّة الدول الصناعية السبع G7. بعد ذلك سيتوجّه الى بروكسيل في 14 من الشهر نفسه ليشارك في قمّتين أساسيتين هما القمّة الأميركية- الأوروبية وقمّة أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو).

هذه أول قمّة أميركية- بريطانية ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ستكون هذه أول مناسبة للتعرّف إلى نوعيّة العلاقة التاريخية المميّزة في ظل التغيير الجذري في علاقة بريطانيا بالدول الأوروبية التي تنتمي الى الاتحاد الأوروبي.

قد تكون في الأفق صياغة اتفاق استراتيجي يستعيد مجد الثنائي الأميركي- البريطاني ما قبل مولد الاتحاد الأوروبي. قد تستقرّ الأمور على المسائل الثنائية للبلدين حصراً، إنما الأرجح أن تشمل اتفاقاً استراتيجيّاً على مسائل السياسة الخارجية التي تهمّ البلدين.

بريطانيا تبدو اليوم غير فاعلة في شؤون الشرق الأوسط وبالذات المسألة الإيرانية. إنما لبريطانيا تاريخ في هذه المنطقة، وبالتالي، قد يكون عدم الاكتراث مرحليّاً ومؤقتاً. المهم هو أن لندن ستكون محطّة أولى وأساسيّة في جولة بايدن الأوروبية التي يوليها الرئيس الأميركي بالغ الأهميّة.

واضح أن استعادة العلاقة التقليدية بين الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي ستكون محوريّة في قمّة الناتو للانقلاب على سياسة ترامب التي سعت وراء صياغة التوازن في المساهمات المالية، الأمر الذي أثار غضب الأوروبيين. بايدن يريد إضفاء الطبيعية التقليدية مجدّداً على تركيبة الناتو ويريد إزالة أي توتّر. في رأيه وتصوّره أن الناتو يحب أن يبقى الحلف الذي تم إيجاده عند ولادته وأن فعاليته هي في الحفاظ على تقليديته وليس في تطويره عكس ما تصوّره ترامب.

الرئيس الأميركي الجديد قرّر ما هي أولويته في السياسة الخارجية وهي إحياء الاتفاق النووي مع إيران JCPOA. هكذا ارتقت دول الاتحاد الأوروبي الى مرتبة الشريك بالتساوي، وليس الشريك المُلحَق.

الجمهورية الإسلامية الإيرانية وجدت نفسها فجأة في مرتبة الحاجة الأميركية فيما كانت في زمن ترامب في مرتبة الاستغناء. هكذا انقلبت أوروبا من خانة الاضطرار للإذعان لإدارة ترامب وسياساتها نحو طهران الى خانة الوكيل عن المصالح الإيرانية لدى الإدارة الأميركية في عهد بايدن. هكذا وضعت طهران قدميّها في مياه فاترة وتركت المهمّة الى أوروبا —وكيلها الوفي الجاهز لبذل كل جهد بالنيابة عنها لتحقيق كل غاياتها.

لذلك ستكون طهران حاضرة كليّاً في القمة الأميركية- الأوروبية برغم غيابها ظاهرياً. فلقد وجدت لنفسها حليفاً قديراً متمكّناً متأهّباً لتحقيق مطالبها جاهزاً للمعركة نيابةً عنها إذا لزم الأمر. أوروبا الأمس في زمن ترامب سبّبت القلق والغضب لطهران. أوروبا اليوم لها مكانة مميّزة لدى واشنطن وطهران معاً. فواشنطن في حاجة اليها لدى طهران، وطهران في استراحة وراحة مع أوروبا القادرة اليوم على تلبية احتياجاتها من واشنطن بلا عناء.

ما حقّقته وتحقّقه أوروبا، بقيادة ألمانيا، للجمهورية الإسلامية الإيرانية تاريخي ومصيري. الوكالة الدولية للطاقة الذريّة استنتجت أن القُدرات الإيرانية النووية تعدّت الاحتواء وباتت متمكّنةً عسكرياً، إذا شاءت. أوروبا قرّرت أن هذا الاستنتاج كافٍ للانصياع الى ما تريده طهران كي لا تُقدِم إيران على تصنيع القنبلة النووية.

يطيب للأكثرية الأوروبية أن تحمّل ترامب مسؤولية تطوّر القدرات النووية الإيرانية بسبب انسحابه من الاتفاق النووي —وهكذا يبرّر هؤلاء الانصياع لطهران ويتناسون أن إيران كانت واستمرت وما زالت تنفّذ مشروعها النووي بغض النظر عن الاتفاق النووي. انه نموذج دفن الرؤوس في الرمال.

أوروبا قرّرت أن هاجسها النووي يبرّر قفزها على مبادئ سيادة الدول وحقوق الإنسان. إدارة بايدن أتت لتلاقيها على ذلك المفرق المصيري. وهكذا اتفق الغرب على تجاهل متعمّد لما يفعله النظام في طهران داخليّاً بقمعه حريات أساسية يزعم الغرب أنها في فهرسه الإنساني والسياسي. هكذا اتفقت أوروبا وأميركا بايدن على الإقرار بشرعيّة ما يفعله نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية على الصعيد الداخلي وعلى صعيد السياسة الخارجية.

هكذا اتفقت واشنطن بايدن والعواصم الأوروبيّة على أن ما يحدث في العراق ليس شأناً من شؤونها بالرغم من وضوح استفزاز إيران لها في خضمّ المفاوضات النووية في فيينا، عمداً، لامتحان صدق تعهد هذه العواصم بعدم التدخّل في السياسات الإيرانية الإقليمية التي تدوس على سيادة الدول، من العراق إلى لبنان، مروراً بسوريا واليمن. هكذا قرّرت هذه العواصم إضعاف الدولة بمفهومها التقليدي والعملي في العراق، مثلاً، حيث “الحشد الشعبي” ينفّذ حالياً بإملاء من “الحرس الثوري” الإيراني، مهمّة تدجين السيادة والدولة في العراق.

أوروبا وأميركا بايدن لا تكترثان اليوم إن كان “الحرس الثوري” الحاكم الفعلي في إيران سيفوز بالانتخابات الرئاسية الإيرانية، أو إن كان سيسلب لبنان كليّاً حتى من مظاهر السيادة والاستقلال. بل إن فوز التيار المتشدّد بالرئاسة الإيرانية بات مرغوباً به غربياً كما شرقياً لاعتبارهم “الحرس الثوري” مرجعاً لتثبيت الاستقرار في إيران. فالهوس النووي امتلك الغرب، وهذه موسيقى مريحة للآذان الصينية والروسية على السواء لأن كلاهما يعتبر الجمهورية الإسلامية الإيرانية حليفاً ورديفاً لمصالحهما في الشرق الأوسط.

سيُقال ماذا عن إسرائيل التي لها مكانة ذات خصوصيّة لدى واشنطن والعواصم الأوروبيّة. حسبما يبدو وتؤكده المصادر المطّلِعة على محادثات فيينا، في ذهن المفاوضين الأوروبيين والأميركيين إقناع المفاوضين الإيرانيين بتخفيف لهجة العداء نحو إسرائيل، ويبدو أن المفاوضين الإيرانيين لا يقاومون هذا الطلب.

في المقابل، يأتي إحياء الحديث عن “حل الدولتين” كوسيلة لإنهاء النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي، ترافقه حملة الاستياء من تطاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لاحتواء المفاجآت التي قد تؤثّر في المفاوضات النووية في فيينا التي تبقى ذات أولوية حاسمة.

فباسم إنجاح المفاوضات النووية رضخت إدارة بايدن والحكومات الأوروبية لشروط طهران باستبعاد أي حديث عن صواريخها وعن سياساتها الخارجية التي يصيغها وينفذها “الحرس الثوري” في الجغرافيا العربية. هذا يعني أن العواصم الغربية في صدد تسليم الجمهورية الإسلامية الإيرانية صكاً مفتوحاً للتصرّف كما ترتأي إقليمياً فيما تعمل بالموازاة على ترتيب أحاديث ارضائية بين طهران وعواصم عربية.

إنما ماذا عن الصين وروسيا؟ لماذا ترتاح العواصم الغربية لامتلاك روسيا لسوريا أو للصفقة التاريخية العسكرية والاقتصادية بين الصين وإيران؟ ولماذا لا تبالي هذه العواصم بقضم السيادة في دول عربية كانت تعني لها كثيراً في الماضي الحديث مثل العراق ولبنان وسوريا؟ وكيف توقّفت فجأة تهَم “الإرهاب” لإيران أو لـ”حزب اللهّ”؟ وهل في الأفق اتفاقات عابرة تبقى تحت تأثير السياسات الداخلية المتقلّبة أو أنها حقاً القطع المتناثرة لما يسمّى بـ”الصفقة الكبرى” Grand bargain التي تسعى إدارة بايدن والعواصم الأوروبية وراء إتمامها؟

أسبوعان حاسمان قد يوضِحان معالم الأجوبة على هذه الأسئلة. وللحديث بقيّة.


راغدة درغام
النهار العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *