الراعي في رسالة الفصح: كفّوا عن التضحية بلبنان واللبنانيّين من أجل شعوب أخرى


وجه البطريرك الماروني، الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، رسالة الفصح إلى اللبنانيّين جميعًا والمسيحيّين خصوصًا، مقيمين ومنتشرين، بعنوان: “المسيح قام، حقًّا قام”، من كنيسة السيّدة في الصرح البطريركي في بكركي، في حضور عدد من المطارنة والرؤساء العامّين والرئيسات العامّات والكهنة والراهبات، جاء فيها: “المسيح قام! حقًّا قام! بفرح القيامة الممزوج بدموع الحزن والألم والقلق، أحيّيكم جميعًا، وأهنئكم بعيد الفصح المجيد، وفي قلوبنا رجاء أقوى من اليأس والقنوط. فبقيامة يسوع فادينا من بين الأموات، إنتصرت المحبة على الموت، والنعمة على الخطيئة، والحياة على الفناء؛ وتشدّد الرجاء بقيامة الإنسان والمجتمعات والأوطان إلى حياة أفضل”.

ومما جاء في رسالة الفصح بما يخصّ الوضع اللبناني، أنه قال:

“كم يؤلمنا أن نرى الجماعة الحاكمة، ومن حولها، يتلاعبون بمصير الوطن كيانًا وشعبًا وأرضًا وكرامة! ويؤلمنا، بالأكثر، أنّها لا تدرك أخطاء خياراتها وسياساتها، بل تمعن فيها على حساب البلاد والشعب!

وكم يؤلمنا، أيضًا، أنّ بعضًا من هذه الجماعة يتمسّك بولائه لغير لبنان وعلى حساب لبنان واللبنانيّين! وما القول عن الذين يعرقلون، قصدًا، تأليف الحكومة ويشلّون الدولة، وهم يفعلون ذلك ليوهموا الشعب أنّ المشكلة في الدستور، فيما الدستور هو الحلّ، وسوء الأداء السياسي والأخلاقي والوطني هو المشكلة.

لقد صار واضحًا أنّنا أمام مخطَّط يهدف إلى تغيير لبنان بكيانه، ونظامه، وهويّته، وصيغته، وتقاليده.

هناك أطراف تعتمد منهجية هدم المؤسّسات الدستورية، والمالية، والمصرفية، والعسكرية، والقضائية، واحدة تلو الأخرى. وهناك أطراف تعتمد منهجية إفتعال المشاكل، أيضًا، لتمنع الحلول، والتسويات.

فليدرك الجميع أنّ الحياة الوطنية ليست حصصًا، بل هي تكامل قِيَم، ولقاء إرادات، وربح مشترك. الحياة الوطنية هي الفرح بالآخر، لا الإنتصار عليه. فليخرج الجميع من متاريسهم السياسية ويلتقوا إخوة، في رحاب الوطن، وشرعية الدولة، وتعددية المجتمع.

إنّ معيار إعادة النظر بالنظام هو الحاجة إلى مواكبة العصر والتقدم وتحقيق الأمن الإجتماعي، لا العودة إلى الوراء وتحقيق المكاسب الفئوية والسياسية والطائفية والمذهبية والحزبية.

إنّ حقوق الطوائف وحصصها تتبخّر أمام حقوق المواطنين في الأمن والغذاء والتعليم والطبابة والعمل والإزدهار والسلام.

من هذه المنطلقات الحضارية والإنسانية والوطنية، طرحنا مشروعَي إعلان حياد لبنان وإنعقاد المؤتمر الدولي الخاص به. فلبنان الحيادي هو لبنان الإستقرار والسلام. أمّا لبنان المنحاز فهو لبنان الإضطراب والحرب. نحن نريد السلام لا الحرب. الحياد هو لمصلحة الجميع، وينقذ الجميع.

أمّا المؤتمر الدولي، فيُزيل النقاط الخلافية المتراكمة، وهو خشبة خلاص لأنّه سيعطي لبنان عمرًا جديدًا من خلال تثبيت كيانه، وحدوده الدولية، وتجديد الشراكة الوطنية، وتعزيز السيادة والاستقلال، وإحياء الشرعية، وتقوية الجيش، وتنفيذ القرارات الدولية، وحلّ موضوعَي النازحين السوريّين واللاجئين الفلسطينيّين.

إنّ الأمم المتّحدة وأصدقاءنا العرب والدوليين منفتحون على نقاش هذا الطرح لأنّهم مهتمّون بمساعدة لبنان على بقائه دولة حرّة ومميَّزة في هذا الشرق”.

وقال: “إنّنا نعلي الصوت مع جميع اللبنانيّين بتأليف حكومة تعيد إنعاش المؤسّسات، وتطلق ورشة الإصلاح لتأتينا المساعدات العربية والدولية الموعودة”. ونتساءل: لماذا هذا التأخير طالما الجميع يعلنون، إذا صحّت النيات —أي لا نقول الشيء ونفعل نقيضه— أنّهم يريدون حكومة تتميّز بالخصائص والمعايير التالية:

أ – ‌حكومة إختصاصيّين مستقلّين غير حزبيّين يتمتّعون بالمهارة والخبرة والحس الوطني، فيوحون بالثقة والقدرة على النجاح.

ب – حكومة لا يملك فيها أيّ طرف سياسي أو حزبي أو نيابي الثلث المعطِّل الذي هو، أساسًا، غير موجود في الدستور أو في الميثاق.

ج – حكومة تتّبع في عملية تأليفها نصّ المواد الدستورية وروحها ومفهوم الميثاق الوطني من دون فذلكات لا مكان لها في الظرف الراهن.

د – حكومة تلبّي حاجات المواطنين ويرتاح إليها المجتمعان العربي والدولي.

نداء

وختم الراعي موجِّهًا نداء إلى معرقلي تشكيل الحكومة:

“من وحي السرّ الفصحي، حيث تتلألأ المحبّة الإلهية اللا متناهية والرحمة الأقوى من الخطيئة، أقول بكلّ محبّة لجميع المتسبّبين في أزمة عدم تشكيل الحكومة وتداعياتها الإقتصادية والنقدية والمالية والمعيشية:

كفّوا عن السلوك المهين والمهيمن والأناني والسلطوي.

كفّوا عن التضحية بلبنان واللبنانيّين من أجل شعوب أخرى وقضايا أخرى ودول أخرى.

كفّوا عن الإجتهادات الشخصية في التفسيرات الدستورية وعن البدع الميثاقية. أفرجوا عن القرار اللبناني والشعب.

ومن وحي هذا العيد المبارك أقول للجميع:

وطننا لبنان، وطن المحبة، لا وطن الأحقاد. وطننا وطن السلام، لا وطن الحروب والفتن والإغتيالات. وطننا وطن الحضارة، لا وطن الإنحطاط. وطننا وطن الإنفتاح، لا وطن الإنعزال. وطننا لبنان، هو وطن القدّيسين.

إنّ قيامة المسيح جعلتنا أبناء القيامة وبناتها، وأضاءت في قلوبنا شعلة رجاء لا تنطفئ. هذه حال أجيالنا الطالعة الواعدة، واللبنانيّين الأحرار ذوي الإرادة الصالحة، والقوى الحيّة، وأصحاب الكفايات، الذين أضاؤوا شعلة الثورة الحضارية الرافضة، بعناد، للدولة المرتهنة، والساعين قدمًا نحو بناء دولة حرّة وقوية بحقّها وبقوّتها الذاتية وبعلاقاتها العربية والدولية، وبإنفتاحها على الأخوّة الإنسانية الشاملة. الكنيسة هي في طليعة السائرين في هذا الطريق الجديد الذي يضيئه نور القيامة. المسيح قام! حقا قام!”.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *