على طريق “الإنهيار التام”.. هل يتسبب لبنان بإنهيار مالي بالشرق الأوسط؟


لطالما كانت بيروت عاصمة مالية في المنطقة. فهل للأزمة المالية، هناك، تأثير على إقتصاديات دول الجوار، التي تودع أموالها قي لبنان؟ الخبراء يقولون أنّ لبنان سيواجه أزمة أكبر في حال إستمرّت حالة الإستقطاب السياسي هناك.

يُعرف لبنان منذ عقود بإسم “سويسرا الشرق الأوسط” بسبب قوانينه الصارمة المتعلّقة بالسرّية المصرفية. ولكن، مع تعمّق الأزمة الإقتصادية والديون في البلاد، فإن البنوك التي كانت، في وقت من الأوقات، تجذب الكثير من رؤوس الأموال الأجنبية إلى البلاد تعاني من المشاكل أيضًا.

ويقدّر خبراء الإقتصاد المحلّيون أنّ البنوك اللبنانية مدينة بأكثر من 90 مليار دولار، ويقولون أنّها، منذ أواخر عام 2019، فرضت قيودًا شديدة على عمليات السحب والتحويلات بالعملة الأجنبية، لا سيّما بالدولار الأمريكي.

كانت هناك قصص كثيرة عن الضرر المالي الذي لحق باللبنانيين العاديين من جراء هذه التحرّكات مع دخول عملتهم في دوّامة التضخّم وفقدان القيمة، حيث فقدت الليرة اللبنانية أكثر من 85٪ من قيمتها مقابل الدولار الأمريكي في السوق السوداء.

ولكن، هل يمكن للمصارف اللبنانية المفلسة أن تزيد من مخاطر الإنهيار الإقتصادي وتلعب دورًا سلبيًّا في الأزمة المالية كما حدث مع أزمة اليونان خلال الأزمة المالية عام 2008؟

المليارات المفقودة

في أواخر العام الماضي، ألقى الرئيس السوري، بشّار الأسد، باللائمة في المشاكل الإقتصادية المستمرّة التي تعاني منها بلاده على حقيقة أنّ ما بين 20 مليار دولار وحتى 42 مليار دولار تعود إلى مودعين سوريين فُرضت عليها قيود في لبنان. ولطالما إستخدم رجال الأعمال السوريون البنوك اللبنانية لتجنّب العقوبات الدولية وغيرها من القيود.

وفي وقت سابق من عام 2020، أشارت أبحاث أجراها مركز الأبحاث اليمني، “مركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية”، إلى أنّ ما يصل إلى 20٪ من إحتياطيات اليمن من العملات الأجنبية، والتي تُقدّر بنحو 240 مليون دولار، كانت عالقة في البنوك اللبنانية.

وفي إقليم كردستان في شمال العراق، يقول السياسيون أنّ ما يصل إلى مليار دولار من الأموال من مبيعات النفط تخضع لقيود في مصارف لبنان.

لبنان لا يستطيع تسديد تلك الديون

من الواضح، بالفعل، أنّ مليارات الدولارات قد لا يتم إستردادها أبدًا لأنّ البنوك اللبنانية، ببساطة، لا تملك الأموال اللازمة لدفعها للمودعين.

في آب/ أغسطس 2020، قال البنك المركزي في البلاد أنّ أمام البنوك المحلّية ستة أشهر لرفع حجم رأس المال الذي تحتفظ به إلى 20٪. ويشمل رأس المال هذا الأصول النقدية والأسهم التي يملكها البنك، والتي يمكن أن يستخدمها لتحمّل أيّ أزمة. وعلى سبيل المقارنة، إستطاعت البنوك التي يشرف عليها البنك المركزي الأوروبي تحقيق نسبة رأس مال تبلغ نحو 15٪ في عام 2019.

وقال محافظو البنوك المركزية اللبنانية أنّه إذا لم تجمع البنوك المحلّية الأموال النقدية، فإنّ الحكومة ستتولّى إدارة هذه الأموال أو تجبرها على الخروج من السوق. وإستجابة لذلك، باعت بعض المصارف اللبنانية شركات تابعة لها في بلدان أخرى، بما في ذلك في مصر والأردن، كما تمّ إنهاء عقود موظفين في القطاع المصرفي اللبناني الذي يعمل فيه نحو 25 ألف شخص.

ومع ذلك، فإنّ الموعد النهائي، المقرّر في فبراير/ شباط 2021، قد إنقضى، ولم تحدث الزيادة المطلوبة في رأس المال —الذي تُقدّر قيمته بـ4.1 بليون دولار— ولم تتم عمليات تصفية المصارف. والأزمة المصرفية اللبنانية مستمرّة. والوضع الإقتصادي، هناك، يشبه مشاهدة “تحطم قطار في حركة بطيئة”، كما كتب، هذا الشهر، دان عزي، المحلّل المالي والإقتصادي اللبناني.

أموال جديدة للديون القديمة

تودع الحكومات والشركات في الشرق الأوسط أموالها في المصارف اللبنانية لعدّة أسباب، من بينها قوانين السرّية المصرفية الصارمة في البلد والإعفاءات الضريبية، وحقيقة أنّ البنوك المحلّية كانت تعرض، لسنوات، أسعار فائدة مبالغ بها على الودائع بالدولار الأمريكي من أجل جذب المزيد من المودعين.

وكما ذكرت نشرة “انترناشونال بانكر” المتخصّصة، فإن “الفترة التي أعقبت الأزمة المالية شهدت أنّ لبنان كان واحدًا من البلدان القليلة جدًّا التي قدّمت للمستثمرين معدّلات عائد جذابة للغاية، وهذا ما جعل من هذه الدولة الشرق أوسطية الصغيرة نقطة جذب للمستثمرين الأثرياء من جميع أنحاء العالم”.

وقالت ريم عيادي، الأستاذ في كلية إدارة الأعمال بجامعة سيتي في لندن ورئيسة جمعية الإقتصاديين الأورومتوسطية: “لقد وصف كثيرون هذا النظام بأنّه مخطّط بونزي (مصطلح يُقصد به النصب والإحتيال في عالم الأموال) حيث تُوجّه الأموال الجديدة المُقترَضة لسداد الديون القديمة”.

ونتيجة لذلك، إنتهى المطاف بلبنان إلى واحدة من أعلى نسب الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في العالم. ويقارن هذا الرقم بين ما ينتجه بلد ما، أي الناتج المحلّي الإجمالي، وقدرته على سداد ما يدين به. ويُقدر في لبنان بنحو 172٪ للعام الماضي. وبعبارة أخرى، كسبت البلاد حوالي 18 مليار دولار في عام 2020، ولكنها مدينة بنحو 93 مليار دولار. ومن بين الإقتصادات المتقدّمة، لا تسجّل سوى اليابان واليونان أسوأ من ذلك.

تمامًا مثل الأزمة المالية عام 2008؟

بعد أن أُقرِضت أموال المودعين للحكومة والبنك المركزي بأشكال مختلفة، تحتفظ المصارف الخاصة بمعظم الدين العام في لبنان. فما مدى خطورة كل هذا على البلدان الأخرى في الشرق الأوسط؟

يقول خالد عبد المجيد، مدير صندوق لدى شركة سام كابيتال بارتنرز مستشارة الإستثمار في المملكة المتحدة، أن الأمر لن يكون مثل اليونان والإتحاد الأوروبي. ويضيف أنّ “البلدان التي أثّرت عليها الأزمة، في المقام الأول، هي لبنان، وبدرجة أقل سوريا”. ويوضح أنّ “الأفراد والشركات هي التي تأثّرت بهذه الكارثة في المقام الأول”.

يعمل عبد المجيد في المنطقة منذ أكثر من 27 عامًا، ويعرف بشكل شخصي الكثير من الأفراد العالقة أموالهم في المصارف اللبنانية، كما يعرف أنّ هناك شركة، مقرها دبي، أجبرت على شطب حوالي 8 ملايين دولار في عام 2020، لأنها لم تتمكن من إخراج أموالها من لبنان.

“النظام المالي في لبنان محلّي جدًّا في حالة تأثيره على العديد من البلدان الأخرى”، بحسب مايك عازر، المحلّل المقيم في واشنطن والمحاضر السابق في الإقتصاد الدولي في كلّية جون هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة. ويتابع عازر: “لقد كان هناك، بالتأكيد، تأثير على العديد من الأفراد والشركات غير اللبنانية، لكنّه محدود وليس منهجيًّا. وبدلًا من ذلك، تمضي المنطقة قدمًا من دون لبنان”.

ويؤكّد المتخصّص في النظم المالية أنّ قيام البنوك ببيع الشركات التابعة الإقليمية يعزلها أكثر من ذلك. وقال “من الواضح أنّ البنوك اللبنانية أصبحت محفوفة بالمخاطر بالنسبة لمثيلاتها في المنطقة والعالم، وهذا يجعلها أكثر إنفصالًا عن النظام الدولي”.

إنهيار وشيك

يعتقد عبد المجيد أنّ المودعين قد يحصلون، في نهاية المطاف، على جزء صغير من أموالهم بقرار سياسي. ومثل العديد من الآخرين داخل البلاد وخارجها، فإنّه يشعر بالقلق إزاء ما سيأتي بعد ذلك. ويشير إلى أنّ المؤسّسات التي يمكن أن تنقذ لبنان من الأزمة المالية —مثل صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي— تقول أنّها لن تفعل ذلك حتى يتمّ إجراء إصلاحات كبيرة.

وقال عبد المجيد أنّ هذه الإصلاحات “قلبت، بشكل أساسي، هياكل السلطة القائمة”. وأضاف “لذلك، سيكون من الصعب تطبيق ذلك. تخميني هو أنّ الوضع سوف يستمرّ لبعض الوقت حتى تنهار البلاد تمامًا، أو تدرك القوى أنّه ما لم يتم التوصّل إلى حل وسط، فإنّه لن يبقى شيء لتحكمه”.


DW

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *