“ليك وين كنا ووين صرنا!”.. جنبلاط: فلتكن التسوية


إعتبر رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي، وليد جنبلاط، أن “ليس هناك أي شيء يستطيع أن يوقف التدهور إلا أن تتشكل حكومة في أقرب فرصة ممكنة”.

وقال في حديث لجريدة الأنباء الإلكترونية عبر برنامج flashback، لمناسبة ذكرى اغتيال كمال جنبلاط: “أمام الوضع الذي ينهار في كل لحظة، إنني أنصح المسؤولين السياسيين بضرورة التسوية كما رسمت، وبأن لا نضع شروطا وشروطا مضادة، وأن نخرج من الثلث المعطل، ففي النهأية البلاد كلها معطلة. لذلك، وجود حكومة حازمة تتخذ إجراءات ضرورية، وأولها ترشيد الدعم ووقف الدعم على البنزين الذي يذهب إلى سوريا ووقف الدعم لهذه الأدوية التي معظمها تذهب معظمها إلى العراق، وعلى وزارة الإقتصاد بالنسبة لمراقبة الأسعار، ثم التفاوض الجدي، لأنه اذ لم نفاوض مجددًا البنك الدولي وصندوق النقد ستكون شروطهم أقسى من الشروط السابقة عندما بدأنا بالتفاوض في بدأية حكومة حسان دياب. لذلك، علينا أن لا ننتظر لأن الشروط ستكون أقسى، وهذا يتطلّب وحدة موقف على الصعيد اللبناني. وأقولها بكل صراحة أيضًا، في هذه الفوضى العالمية السياسية وفي أوج استفحال كورونا في كل مكان إذ ليس هناك بلد في العالم إلا وهو غارق في الكورونا، لا نتأمل من أي دولة أن تقوم بمساعدتنا، وعلينا مساعدة أنفسنا بأنفسنا. ربما يبقى بعض الشيء من المبادرة الفرنسية، لكن أن ننتظر مساعدة من الخارج، نخطئ بالحسابات، وعلينا أن نساعد أنفسنا بالحد الأدنى من الوحدة الوطنية، وعنوانها الحكومة”.

وردًّا على سؤال حول وجود مبادرة روسية، قال جنبلاط: “لم أسمع أن هناك مبادرة روسية حتى هذه اللحظة، وكان عندي السفير الروسي، والسفراء الروس يأتون دائمًا، في كل عام في السادس عشر من آذار، إلى المختارة. وهذه السنة، أتى السفير الروسي الجديد إلى هنا في بيروت، لأن ليس هناك أي إحتفال في المختارة”.

وردًّا على سؤال، أجاب جنبلاط: “الحل داخلي ومبني على آخر المعطيات التي ذكرتها، من أسبوعين، عندما إتصل بي نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، وقال لي إنه عندما إستقبل، في موسكو، وزير خارجية إيران، محمد جواد ظريف، لم يسمع منه أن لدى إيران أي شرط في الثلث المعطل. ونعود إلى كلام السيد حسن نصر الله الذي قالها بوضوح: إذا كان هناك ضرورة للثلث المعطل أن أقدم نفسي كثلث معطل عند الضرورة. لذ،ا علينا في الداخل أن نلتقي، وأن نخرج من هذه الدوامة، لأنه إن لم نلتق ونشكل حكومة سينهار كل شيء، ولن ينفع شيء، وعندها لن ينفع الندم”.

وتابع: “نحن على إتصال بحزب الله، على إتصال دائم بالحاج وفيق صفا والأستاذ حسين خليل من خلال الرفيق غازي (العريضي) والرفيق وائل (أبو فاعور). وربما نحن لسنا على إتصال بالتيار الوطني الحر، لكن إذا لزم الأمر إنا جاهز، فالسياسة هي فن الممكن وليست فن المستحيل، وما من أحد في هذا البلد الصغير يستطيع أن يلغي الآخر. وحده الحوار ضروري، وأنا جاهز ولا مشكلة لدي”.

وعن لقائه بالرئيس المكلف سعد الحريري، قال جنبلاط: “الرئيس الحريري لا يستطيع أن يذهب إلى مجلس النواب وأن يحجب فريق من الناس الثقة عنه، فمن غير المنطقي أن يحكم من دون ثقة. يريد إطمئنانا، ونحن نريد إطمئنانا. لذلك، لا بد من ثقة. والثقة ضرورية نتيجة كثير من الرواسب ونتيجة التباطؤ منذ أن اندلعت الأحداث في ثورة 17 تشرين. لكن ظروف الأمس كانت أفضل من اليوم. لذلك، اليوم أخطر. وعندما إغتالوا كمال جنبلاط كانوا يريدون إغتيال: المختارة؛ الحزب التقدمي الإشتراكي؛ والجبل. لكننا إجتزنا. وعندما أتى الإحتلال الإسرائيلي، وإحتلت إسرائيل لبنان وبيروت، كانوا يريدون إغتيال الكيان اللبناني، لكنهم فشلوا بفعل: المقاومة الوطنية البنانية؛ والحركة الوطنية اللبنانية؛ والمقاومة الإسلامية. أما اليوم، فهذا التباطؤ سيغتال لبنان من الداخل، لأن الجوع اليوم يستفحل في كل مكان، ولا مجال لمحاربة الجوع إلا بحكومة وتضامن وبترشيد الدعم، وهذا أهم شيء، لكن ما من أحد مستعد”.

وردًّا على سؤال عن الجهة المستفيدة من الإنهيار، قال: “ما من جهة تستفيد من هذه الفوضى. بالعكس، هذه الفوضى قد تهدد الجميع، لكن هناك إجراء داخلي مطلوب، والأولويات اليوم، وفق ما وضعها الحزب التقدمي الإشتراكي ونادى بها، هي ترشيد الدعم، أي ضرورة وقف الدعم عن بعض السلع، لأن البنك المركزي يُستنزف إلى آخر قطرة من الدولارات لصالح تجار ومهربين، فإلى متى سنبقى في هذه الدوامة؟ والجوع لن يقف عند أبواب أحد، فهو يطال الجميع، وأي حزب كابر أو جهة سياسية كابرت فالجوع لن يرحم، لذلك التسوية مطلوبة”.

أضاف جنبلاط: “أريد أن أسأل الوزير جبران باسيل: هل الجوع آت من وجود النازح؟ النازح يملك بطاقة تموينية من المؤسسات الدولية يستفيد منها. والآن، المؤسسات الدولية تفكر بإنشاء بطاقة مماثلة للبناني… «ليك وين كنا ووين صرنا!». ثم هل هناك ظروف مؤاتية لعودة اللاجئ السوري إلى سوريا؟ لا أعتقد! وهل هناك ظروف مؤاتية لعودة اللاجئ الفلسطيني إلى فلسطين، فهذا مستحيل. لنفكر نحن بمشاكلنا. العناوين التي طرحها جبران جميلة جدًّا… وبموضوع الإستراتيجية الدفاعية، فنحن وضعناها سويًّا تقريبًا مع الرئيس ميشال سليمان، ونحن جاهزون، ولكن ليست في الوقت الحاضر أولوية”.

وشدد جنبلاط على أن “الأولوية اليوم هي بكيفية مواجهة الإنهيار الإقتصادي ووضع برنامج لمحاربة الجوع”. وأشار إلى أنه “ليس هناك حل سوى بالتسوية، فهذه التسوية ضرورية من أجل معالجة المشكل الأساسي اليوم، أي إنهيار الليرة اللبنانية. ومنع إنهيار الليرة يكون بوقف النزف من المصرف المركزي الذي يذهب إلى جيوب التجار الكبار من بنزين وأدوية وصولا إلى ما شهدناه من أطعمة ومواد غذائية مدعومة في أسواق أفريقيا وصولًا إلى تركيا”، لافتًا إلى أن “الخلافات السياسية حول السلاح والإستراتيجية الدفاعية أصبحت ثانوية”.

وبشأن الطروحات الحكومية، قال: “أنا متماش ومنسجم مع طرح الرئيس الحريري، ولكن الأحداث نتيجة «الفلتان» تتجاوز كل شيء، لذلك أقول بالتسوية، والتسوية التي يرضاها أرضاها، وليس لدي أي شروط”.

وبشأن اللقاء مع النائب طلال أرسلان، قال جنبلاط: “كان عنوانه إستمرار ومضاعفة الجهود، التي إنطلقت عند الرئيس نبيه بري منذ أشهر، من أجل الوصول إلى تسوية ذيول حادثتَي الشويفات والبساتين، وكلّفتُ الرفيق غازي العريضي بالمتابعة، وأنا موجود وجاهز. وبالمناسبة، إتصل بي الأمير طلال إرسلان اليوم، في ذكرى إستشهاد كمال جنبلاط، متضامنًا”.

وردًّا على سؤال عمّا إذا كان متخوفًا من خضة أمنية، قال جنبلاط: “عندما لا يكون هناك أي مرجعية سياسية تحكم البلاد من خلال حكومة، وعندما يرى المواطن أن ما من أحد مهتم بشؤونه، فهناك المواطن العادي والموظف والعسكري، وبالأمس ماذا قال قائد الجيش العماد جوزيف عون؟ هو أيضا خائف على المؤسسة العسكرية لأن راتب الجندي الذي كان منذ سنتين 500 دولار أصبح اليوم 80 دولارا، وقد ينهار أكثر. وهذا حال الجندي، فكيف حال الموظف وغير الموظف”.

ودعا إلى “التخلص من أي عقدة: نفسية كانت، أو سياسية، أو أي عقدة أخرى”، قائلًا: “لنتلاقى، ولا بد من حكومة فعالة. بالتكنوقراط أو غير تكنوقراط، أدخلنا أنفسنا بتصنيف لا قيمة له، وأي تكنوقراط سيأتي يجب أن يلم بالجوانب الداخلية للإدارة، وعليه أن يعرف ما هي الإدارة. وبالوزارة الحالية، الرئيس حسان دياب قرر أن لا يفعل شيئًا، علمًا أنه مكلف أن يقوم بشيء، يحبنا أم لا يحبنا، نحبه أم لا نحبه قصة أخرى، لكن هذه حكومة تصريف أعمال وعليه أن يصرف الأعمال، لكنه لا يريد. هناك وزير واحد يعمل، وربما هناك غيره، وهو وزير الصحة الذي يعمل مشكورًا، ونجح من خلال الدعم الدولي ومن خلال دعم المجتمع المحلي والهيئات الخيرية، ونجح في الحد من «كورونا»، وإن شاء الله باللقاحات الآتية، على أمل أن يفتحوا المجال للقطاع الخاص لتهدئة موجة الفيروس لأنها تتفاقم”.

وردًّا على سؤال عن مسار آلية التطعيم في لبنان، قال جنبلاط: “لا مهرب منها. وحسب برنامج وزارة الصحة، في أواخر العام، يكون لدينا 6 مليون لقاح، أي لـ3 ملايين مواطن. وتقريبًا، نحن كلبنانيين ولاجئين فلسطينيين وسوريين نبلغ قرابة الـ 6 ملايين، بالتالي نحتاج إلى جهد مضاعف، والأمر يحتاج إلى تحديد السعر، لأنه يقال أن بعض التجار يريدون إستيراد اللقاح الصيني أو الروسي، ويريدون بيعه مقابل 30 أو 40 دولارًا، فهذا إجرام وسرقة، وهذا دور الوزارة ووزارة الإقتصاد”.

وعن ترشيد الدعم وإقتراح “اللقاء الديمقراطي” حول ذلك، قال جنبلاط: “لا يزال الوقت متاحًا لتنفيذه لكن لا نتأخر. لذا، علينا تشكيل حكومة، ويمكن سؤال رئيس المجلس الإقتصادي الإجتماعي، شارل عربيد، وهو الهيئة الرسمية الوحيدة التي وقفت إلى جانبنا ودعمت إقتراح اللقاء الديمقراطي فعليًّا، وفي مقابلاتي مع الرئيس بري والرئيس سعد الحريري أيدا أيضا هذا الموضوع، ولكن نحتاج إلى آلية وذلك عبر حكومة”.

وتعليقًا على موضوع الهدر في قطاع الكهرباء والسلفة التي تم طلبها، قال جنبلاط: “هذا كان المطلب الأساسي للفرنسيين قبل أن تأتي الثورة وقبل أن ينفجر مرفأ بيروت. والمبدأ الأساس كان بكيفية ضبط الهدر في قطاع الكهرباء في وزارة الطاقة التي كانت تشكل 40 في المئة من الهدر. واليوم، لست أدري كمية الهدر، وكم من وعود سمعناها من الوزير جبران باسيل ثم من الوزيرة ندى البستاني والوزير أبو خليل إلى آخره… ولا أريد ان يكون هذا الكلام محل سجال سياسي، لكن هذا القطاع هو القطاع الأساس، ويجب أن نعالجه، وإلا هذه السلفة ستذهب إلى مصير السلفات الأخرى إلى مزيد من الهدر وزيادة في الدين العام”.

وإذ أشار إلى أن “لا مانع لديه بأي تدقيق”، قال: “أنا جاهز للمحاسبة أمام قضاء مستقل، وأؤمن أن ما زال هناك قضاة يتمتعون بإستقلالية في هذا البلد. لم أفقد الأمل ولن أفقده. أما حادثة المرفأ فقد يكون لها مضاعفات دولية كبرى، ستظهر. لكن، بالأمور العادية، أؤمن بالقضاء، وكنت أعطي مثالًا: القضاء في إيطاليا، حيث كان هناك قاض متميز، وهو: ديل بييترو، إستطاع تحجيم المافيات الإيطالية، هو إستطاع، بينما إثنين آخرين قُتلا”.

وحول التحقيق بقضية إنفجار المرفأ، قال جنبلاط: “تم تعيين قاض جديد، ولا فكرة لدي حول سبب إقالة القاضي صوّان وتعيين القاضي بيطار”.

ذكر بأن “إسرائيل، منذ أن نشأت مرورًا بالحرب الأهلية 17 عامًا إلى الإحتلال، تريد أن تغتال لبنان”. وقال: “فشلت آنذاك، وحلفنا الكبير مع السوفيات حتى مع سوريا في مرحلة معينة، بين الـ1992 حتى الـ2000 بعد الطائف، حتى مع العرب، أفشلناها. وكان لبنان مزدهرًا، وكان هناك رفيق الحريري. واليوم، أخطاؤنا الداخلية إلى جانب سوء الإدارة، تعطي إسرائيل هدية ثمينة، الإنهيار الإقتصادي يهجّر النخبة، الأطباء، المحامون، الأساتذة الجامعيين، الجميع يهاجر، كنا ننافس إسرائيل، كان لدينا إقتصاد ومرفأ يضاهي مرفأي حيفا وأشدود. كان لدينا مصفاتا نفط. كل شيء راح. لذلك فلنستدرك قبل فوات الأوان”.

وتابع: “وصلنا إلى هذه المرحلة لأننا أخطأنا كل على طريقته. قالوا «كلن يعني كلن»، لكن الذين كانوا يمسكون بقطاعات أساسية إنتاجية في الدولة اللبنانية، في الحكومات التي تعاقبت منذ أن تسلم رفيق الحريري إلى الأمس القريب، أساؤوا الحكم وهدروا. نحن جاهزون للمساءلة ولسنا متهرّبين منها. البعض يتهمنا بالهدر في وزارة المهجرين. أنا جاهز. جمعينا جاهزون”.

وردًّا على تخوفه من إحتمال حدوث تحركات مسلحة أمام منزله ومنازل السياسيين، قال: “لن أترك بيروت. باق في بيتي. الوضع الإقتصادي سيؤدي ربما إلى فلتان أمني، لأن دون مرجعية وحكومة وأفق واضح سيكون هناك فوضى، فمن يمنع ذلك؟”

وشدد جنبلاط على وجوب “التمسك بإتفاق الطائف دون محاولة إيجاد اتفاقات وصيغ جديدة، لأن لا أحد يفكر فينا”، لافتًا إلى أن “هناك أمورًا خلافية حول الإستراتيجية الدفاعية وغيرها، لكنها ليست بأهمية الأكل، والقمح والخبز والدواء أهم من الراجمات والصواريخ، لا أحد سيأكل راجمات وصواريخ”.

وحول مسألة الحياد التي طرحها البطريرك الماروني الكاردينال بشاره الراعي، قال: “بعض الجهات السياسية حرفت مبادرة البطريرك، هذا رأيي. لكن جوهر كلام البطريرك كان له هدف واحد: شكلوا الحكومة. ووجه نداءه لعون والحريري لتشكيل الحكومة. لم يسمع له أحد، من ثم توجه نحو نظرية الحياد، لكن هذه النظرية أيضًا تحتاج إلى حكومة. هذا إذا كان من الممكن تحقيق نظرية الحياد. لذلك، برأيي، فلنعالج أمورنا الداخلية قبل الذهاب نحو رحاب الحياد، والتي لا تتحقق بسهولة”.

وأشار جنبلاط إلى أن “الشعب اللبناني يريد البديل الذي هو قانون إنتخاب جديد. جماعة الثورة وغير الثورة يريدون التخلص من الطبقة السياسية. قانون إنتخابي جديد كما طرحه الرئيس بري: لبنان دائرة إنتخابية واحدة خارج القيد الطائفي. ورجال الدين سيسألون أي نحن؟ عندها ننشئ مجلسا للشيوخ، الذي من خلاله يحافظون على كياناتهم الثقافية والسياسية، بغض النظر أنني من الأشخاص الذين ينادون بأنه ليس من ضرورة للحفاظ على المحاكم الدينية. نحن مع المحاكم المدنية، لكن هذا أمر طويل. في نفس الوقت، إنني أطرح في البرنامج الحكومي الجديد الضريبة التصاعدية على الأملاك الخاصة غير المستثمرة، وضريبة تصاعدية على ربح المواطنين في المصارف، وعلى أملاك الكنائس والأوقاف. ويا ليت لدينا أحد كـ«سيبراس» الذي أعاد إستنهاض اليونان من الأزمة الضخمة، ووضع ضريبة على الكنسية الأورثوذكسية، وهذه كانت سابقة. هذه هي بعض مقترحاتي”.

ولفت إلى أن “الرئيس بري قام بحركة على الخط الحكومي، والشيخ سعد الحريري أيضّا، وتوجه إلى الرئيس عون أكثر من مرة”، وقال: “لا بد من التلاقي بين الرئيسين عون والحريري. والتلاقي يحتاج إلى تسوية. فلتكن التسوية. التاريخ لن يرحم أحدًا إذا لم نقم بالتسوية. السياسة فن الممكن وليست فن المستحيل”.

أضاف: “السيد حسن نادانا منذ أشهر، وقال فلنذهب إلى الشرق، ورفضت حينها. لكن لا مانع لديّ فلنذهب نحو الشرق. لأنه اليوم، وفق الملامح القادمة، على وزارة الشؤون الإجتماعية إعادة النظر بالأسر الأكثر فقرًا التي زادت أضعافًا. وأنا أطالب بتخصيص قسيمة معينة لهذه العائلات بالدولار، من خلال القانون الذي أقر وأموال البنك الدولي. ثم، إذا كان هناك في الشرق طحين ومواد إستهلاكية أرخص وقمح وبنزين، فلا مانع. سوريا معدومة. قيل لنا أن العراق قد يرسل 500 ألف طن فيول، إذا وصلنا إلى الصين فلا مانع لديّ، إذا كان لديه الإمكانية، إلى حين وقف الإنهيار، إذا كان لديه مفاتيح لا مانع. يمكن للصين أن تقوم ببناء معمل كهرباء في فترة ثلاثة أشهر. الكويت عرضت علينا المساعدة في قطاع الكهرباء، والفرنسيون كذلك. لكن ثمة من رفض فوصلنا إلى هنا”.

وردًّا على سؤال حول وجود مصلحة لحزب الله بإنهيار لبنان، سأل جنبلاط: “ما مصلحة حزب الله بالإنهيار؟ أي ثورة أو حركة تحرر تعيش كالسمكة في المياه. السمك في المياه يعني أن المحيط يجب أن يكون مرتاحًا، وعندها الثورة تنجح أكثر. ويجب أن يكون مرتاحًا على الصعيدين الإقتصادي والسياسي”.

وحول إحتمال قيامه بجولة خارجية، قال: “لا أؤمن كثيرا بجدوى الزيارات. العلاج هنا. لكن قد أتوجه إلى روسيا إذا سمحت الظروف من أجل زيارة الأصدقاء، وزيارة نائب وزير الخارجية، بوغدانوف، والوزير لافروف، زيارة تحية. كما أن السفراء يوصلون أحسن الرسائل. كنا قد ناقشنا مع سفيرهم في السياسة وغير السياسة. أما بالنسبة للخليج، إذا شاءوا إستقبالي سأذهب. لكن، أعمل جهدي من أجل إختصار الوقت، والمطلوب تشكيل حكومة ومن ثم القيام بالزيارات”.

وعن إنتظار أي تغيير مع وصول الإدارة الأميركية الجديدة، لفت جنبلاط إلى أنه لا يتوقع تغييرا. وقال: “السبب بسيط، فإهتمام هذه الإدارة، وقبلها من الإدارات، هو إسرائيل وأمن إسرائيل، ولن يتغير شيء على حساب القضية الفلسطينية. وقال وزير الخارجية الحالي، بلينكن، في إحدى المقابلات، إنه يؤمن في حل الدولتين. وهذا أمر جيد لكن يحتاج إلى ترجمة على الأرض. مشكلة الأميركيين هي إيران؛ والعودة إلى الإتفاق النووي، الذي تم إقراره في عهد أوباما، مستحيل. لذا، سيتوجهون إلى مفاوضات جديدة ستأخذ وقتًا، لأن الإيراني وضع شروط الصواريخ، والإيراني يهاجم. وهناك الأمن الإستراتيجي السعودي بخطر. يقصفون مطارات ومصاف، تجاوزت حرب اليمن حدودها، كانت الحرب في اليمن. وللتاريخ، نصحت بأن يكون هناك تسوية في اليمن، وهذا من سنوات، وحينها صار هناك عتب علي. كنت من الذين قالوا ما من أحد يستطيع الإنتصار في اليمن: الإنكليز هزموا في اليمن. العثمانيون تواجدوا في صنعاء والحديدة وجنوب اليمن، لكنهم لم يدخلوا إلى عمق اليمن. عبد الناصر هزم في اليمن. اليمن أفغانستان العرب، وأفغانستان الشرق الأوسط. لذلك، أقول لا بد من تسوية سياسية. لكن الحوثيين يهاجمون العمق الإستراتيجي السعودي، أي تجاوزوا الحدود. يعني إيران مرتاحة. وإلى أن نصل إلى المفاوضات لا أحد يعلم أين سنصل. ولا شيء قبل الصيف”.

وأكد جنبلاط أن “الكيان اللبناني موجود، ولا بد من محاورة القوى الموجودة”. وسأل: “هل نحافظ على الكيان؟ هذا الكيان بتنوعه وجامعاته ومستشفياته وما تبقى من حرية الصحافة، هل نحافظ عليه؟” وقال: “هذا الكيان «بيحرز» أن نحافظ عليه. هذا الكيان فريد من نوعه. طوال عمرنا بين الشرق والغرب. الخليج ملجأ للبنانيين وحضن لهم. استفاد الخليج من خبرة اللبنانيين لإعماره، وعمر بعد الإجتياحات الإسرائيلية. ومن دون الخليج والسعودية والكويت والإمارات وقطر كيف كنا لننهض؟ وصلنا إلى الهاوية. واليوم، مجددًا، هناك هاوية أخطر من الإجتياح الإسرائيلي، هاوية داخلية. نحتاج إلى الخليج، لكن نحتاج إلى حكومة من أجل التوجه نحو الخليج”.

وعن وصفته للصمود في هذه المرحلة، بعد أن صمد والحزب التقدمي الإشتراكي في مراحل سابقة، أجاب جنبلاط: “لبنان لم يكن في هذه الحالة الإقتصادية. لم يكن هناك إنيهار لليرة كما اليوم. سأعمل جاهدًا مع مؤسسات الحزب، ضمن إمكانياتي وضمن معارفي وإتصالاتي، بأن أحاول أن أخفف، مع لجان الدعم في القرى، مع أهل المهجر الذين قاموا بجهد جبار لمساعدة أهلهم في لبنان في موضوع الكورونا، في المناطق، التي نوجد فيها، المختلطة من الإقليم إلى راشيا وحاصبيا. مجددًا، أرفع الصوت إلى جانب محاربة كورونا، محاربة الفقر والجوع. سأعمل جهدي. لكني بحاجة إلى مساعدة من المهجر ومن كل ساعي خير. وسأطرق أبواب السفارات، لأن هناك سفارت ومؤسسات دولية لديها إمكانيات. ومجددًا، نطالب بالإسراع بالموضوع الحكومي، لأن كل هذا مفيد، لكن من دون حكومة نكون قد أخرنا الإستحقاق”.

أضاف: “ساعدنا، حيث المناطق المختلطة من إقليم الخروب، من سلبين إلى راشيا مرورًا بدير القمر وحمانا. الموضوع ليس قصة جماعة. كلمة «جماعة» فيها نوع من رواسب الإقطاع. هناك مواطن، حيث إستطعنا، مددنا له يد العون. حتى لجان الدعم بغالبيتها متنوعة بالسياسة وبالمذاهب. قمنا بواجبنا. وقد دعوت قوى سياسية أخرى إلى المشاركة، وأنا جاهز، من حزب الله إلى التيار الوطني والقوات اللبنانية”.

وذكر بأن “كمال جنبلاط نادى بالعدالة الإجتماعية، وتمت محاربته من قبل الاقطاع المالي، وبقايا الإقطاع السياسي، وحورب من قبل أصحاب نظرية لبنان الإقتصاد الحر”. وقال: “نادى بإلغاء الطائفية السياسية وبأن نكون سواسية بالواجبات والحقوق، وتمت محاربته. فهذا هو البرنامج الإصلاحي المرحلي، للحركة الوطنية، موجود ولا زال قابلًا للتطبيق. كما نادى كمال جنبلاط بالضريبة التصاعدية، وإنطلق من نفسه، عندما وزع قسمًا من أراضيه على الذين يقطنونها في سبلين مثلًا. كما أن كل أرض زراعية أو كل ملاك كبير لا يستفيد من أرضه يجب أن يغرم. كان متقدمًا في الـ1949. وأنا أطلب من الرفاق العودة إلى الميثاق. لقد نادى بإشتراكية أكثر إنسانية. فهو رأى أن الإشتراكية المادية أي الماركسية اللينينية، ألغت الروح وألغت الفرد. والشيء نفسه بالنسبة للرأسمالية الغربية: غوغل وأمازون يتحكمون اليوم بالعالم. لهذا نادى بإشتراكية أكثر إنسانية، وبإحترام الملكية الفردية، وبإحترام الإزدواجية بين المادة والروح. هذه أشياء بسيطة لأنه إحترم الإنسان وقيمته، حينما لم تحترم الماركسية الإنسان، والإشتراكية العربية أيضًا لم تحترم الإنسان، بل إعتمدت شيئا واحدا: الإغتيال”.

وتوجه إلى رفاقه في الحزب، وقال: “بالرغم من الحالة القلقة، وبالرغم من إنتقاد الرفاق في الحزب، إذ بعض الرفاق يسألون، لماذا لا نتوجه نحو الشارع؟ إذا نزلنا إلى الشارع ماذا بعد؟ لن نغير شيئًا لأنه إذا لم يكن هناك إصلاح داخلي للنظام وإلغاء الطائفية والإمتيازات والأمور التي تحدثت عنها في موضوع الضريبة والملكية الفردية، فستكون: «مظاهرة بالناقص أو بالزايد ما بتفيد». واجنها الكثير… أكثر من الإغتيال؟ لكن اليوم هناك إغتيال من نوع آخر، إغتيال الوطن بالفقر، المطلوب التضامن، تكثيف لجان الدعم. واجبات الحزب وواجبات الأحزاب. لكن هذا لا يلغي واجبات الدولة. وهنا نعود إلى العنوان الأساس: الحكومة. حكومة لو اقتضت التسوية يجب القيام بها”.

وفي رده على جملة أسئلة حول علاقته بكمال جنبلاط، لفت جنبلاط إلى أنه “كانت دائمًا لحظات فرح مع كمال جنبلاط ولحظات أبوة”. وقال: “كنت أشعر بعطفه وحنانه منذ أن كنت صغيرًا. لحظة الفرح قد تكون حينما خطفوني وعدت إلى المنزل في العام 1975، وآنذاك كان أول إتصال بينه وبين كميل شمعون، الذي أنقذني إبنه داني من الموت، وهنا تكمن أهمية التسوية والتعالي”.

وحول لحظات غضب كمال جنبلاط، قال: “عندما رسبت في البكالوريا، في العام 1967 كانت حالة رعب. لأن آنذاك إحترت في كيفية مواجهته. فتوسطت لدى أصدقاء منهم اللواء شوكت بك شقير، والشيخ عارف أبو حمزة. كان عمري يومها 17 سنة. كان قاسيًا جدًّا في موضوع العلم. وحينها إختلفت معه، طلب مني متابعة البكالوريا العلمية، قلت له لست قادرًا، لكنه قال لي ستقوم بدراسة البكلوريا العلمية، وقد غلبتني علوم الهندسة”.

وأشار جنبلاط إلى أن “التعليم عن بعد نجح، وهو المستقبل”، قائلًا: “العالم لن يعود إلى الماضي، فالعودة إلى الماضي تحتاج إلى عقود. اليوم هناك تجربة علمية تقنية جديدة، وطبعا إجتماعية، لم يعد هناك عطف”.

وإذ ذكر أنه “إبتعد قليلًا عن التأمل”، قال: “كان لكمال جنبلاط فلسفة خاصة بالحياة، لم يكن هناك مجال لي للدخول في جلسات تأمل. كان يريد، لكنه لاحظ أنني لم أستجب. وفي العام 1967، حدثت هزيمة العرب ورسوبي في البكالوريا. ثم إختلف العالم، لكن في ذلك العام كان لي فرصة ثاني رحلة سفر معه. توجهنا سويًّا إلى موسكو، وشاهدنا العيد الخمسين للثورة البولشفية، أيام الأمين العام للحزب الشيوعي السوفياتي، برجنيت، وكانت صحته جيدة. خطب في قاعة المؤتمرات خمس ساعات. وكان كمال جنبلاط يريد معرفة موقف الإتحاد السوفياتي من القرار 242، بعد أن إحتلت إسرائيل سيناء والجولان والقدس في الشرق الأوسط. وحينها، صدر كلمة واحدة عن الموضوع، نحترم قرار 242. يا ليت اليوم نستطيع أن نرسم الحدود بيننا وبين سوريا لإحترام القرار 242، لأن لا علاقة له بلبنان، عندها نحدد سيادة لبنان على مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، ونتفق مع حزب الله على كيفية تحريرها”.

وردًّا على سؤال حول ما تعلمه من كمال جنبلاط، قال: “الحياة علمتني، لكنه كان سابقًا الناس بأشواط بصبره ورؤيته السياسية والفلسفية وبهدوء أعصابه. اليوم، لديّ هدوء أعصاب، بالأمس لم يكن لدي هدوء أعصاب. كان مختلفًا. كان لديه سياسة صوفية خاصة، أعطته القوة الروحية والمناعة. وكان ينظر إلى الناس وبعض القادة بتجرد، وهذا التجرد سمح له بالإستمرار، وأعطاه القوة للمواجهة. وكان يعرف أن ساعته آتية. وقال للسادات: «أريد أن أعود لأموت مع جماعتي»”.

وختم جنبلاط: “أمامنا أيام صعبة جدا، أصعب من كل ما مررنا به. علينا التمتع بالهدوء، وأن نحترم الرأي الآخر. التسوية ضرورية، والتضامن الإجتماعي أكثر من أي وقت مضى. سأقوم بواجبي ضمن إمكانياتي وسأعمل جاهدا مع الغير، وأدعو الأحزاب بغض النظر عن الخلافات، بأن نعطي للتسوية كل جهد. الحكومة أساس، وهذا الكلام موجه للرئيس عون وباسيل والحريري وجعجع والجميع. وأي حساب آخر هو خطأ”.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *