البابا فرنسيس من العراق: كفى عنفا وتطرّفا وتحزّبات وعدم تسامح


وصف البابا فرنسيس، في كلمة ألقاها عقب وصوله إلى العراق، الهجمات التي تعرضت لها الأقلية الأيزيدية على يد تنظيم “داعش” في العراق بـ”الهمجية المتهورة وعديمة الإنسانية”.

دعا البابا فرنسيس في مستهل زيارته التاريخية للعراق، اليوم (الجمعة الخامس من آذار/ مارس 2021)، إلى وقف “العنف والتطرّف والتحزّبات وعدم التسامح”، مشدّدًا على ضرورة “التصدّي لآية الفساد” و”تقوية المؤسسات”.

وقال البابا في القصر الرئاسي، في بغداد، حيث إستقبله الرئيس برهم صالح: “إنني ممتن لإتاحة الفرصة لي لأن أقوم بهذه الزيارة الرسولية، التي طال إنتظارها”، مضيفًا “أنا ممتن لأنني إستطعت أن آتي إلى هذه الأرض، مهد الحضارة، والمرتبطة إرتباطًا وثيقًا، عبر أبينا إبراهيم والعديد من الأنبياء، بتاريخ الخلاص والتقاليد الدينية الكبرى”.

وأضاف: “كفى عنفا وتطرّفًا وتحزّبات وعدم تسامح! فلنعطِ المجال لكلّ المواطنين الذين يريدون أن يبنوا معًا هذا البلد، في الحوار، وفي مواجهة صريحة وصادقة وبناءة”.

وتوقّف عند محاولة العراق، خلال السنوات الأخيرة، “إرساء الأسس لمجتمع ديموقراطي”، مشدّدًا على أنه من أجل ذلك، “من الضروري أن نضمن مشاركة جميع الفئات السياسية والإجتماعية والدينية، وأن نوفّر الحقوق الأساسية لجميع المواطنين. يجب ألّا يُعتبر أحد مواطنًا من الدرجة الثانية”.

ويشكّل المسيحيون واحدًا في المئة من العراقيين البالغ عددهم 4 مليونًا، ويشكون من تمييز.

وتوقّف البابا فرنسيس عند معاناة الأيزيديين، الأقلية التي تعرضت خلال سيطرة تنظيم “داعش” على أجزاء واسعة من العراق، لإضطهاد كبير، قائلًا: “لا يسعني إلّا أن أذكر الأيزيديين، بالضحايا الأبرياء للهمجية المتهوّرة وعديمة الإنسانية”.

وأضاف: “لقد تعرّضوا للإضطهاد والقتل بسبب إنتمائهم الديني، وتعرّضت هويتهم وبقاؤهم نفسه للخطر”.

من جهة أخرى، دعا البابا إلى “التصدّي لآفة الفساد” و”سوء إستعمال السلطة وكل ما هو غير شرعي”.

وقال “لكن ذلك لا يكفي”، وتابع: “ينبغي، في الوقت نفسه، تحقيق العدالة، وتنمية النزاهة والشفافية، وتقوية المؤسّسات المسؤولة عن ذلك”، بعد أكثر من سنة على خروج العراقيين بعشرات الآلاف إلى الشارع محتجّين على الطبقة السياسية في نهاية 2019.

وكان الرئيس العراقي رحّب بالبابا قائلًا: “فيما يحلّ بيننا قداسة البابا ضيفًا عزيزًا كريما”، هناك “فرصة تاريخية لجعلها مناسبة لإعادة التأكيد على قيم المحبة والسلام والعيش المشترك ودعم التنوع” الديني والإجتماعي، واصفًا ذلك بـ”قيم إنسانية يصل صداها إلى العالم أجمع”.

وتابع: “مسيحيّو الشرق أهل هذه الأرض وملحها، فلا يمكن تصوّر الشرق بلا المسيحيين”، مؤكّدًا أنّ “إستمرار هجرة المسيحيين من بلدان الشرق ستكون له عواقب وخيمة على قدرة شعوب المنطقة نفسها في العيش المشترك”.

وقال: “لن يتأكّد أيّ نجاح لمنطقتنا ما لم تتأكّد عودة المسيحيين من دون إكراه”، داعيًا إلى العمل على توفير بيئة آمنة لذلك.

وبحسب “وكالة الصحافة الفرنسية”، أدت سنوات العنف والإضطهاد إلى تراجع عدد المسيحيين في العراق من 1.5 مليون في 2003 إلى 400 ألف فقط اليوم.

وكانت طائرة البابا فرنسيس حطّت ، في الـ10:55 بتوقيت غرينتش في مطار بغداد، في بداية زيارة تاريخية هي الأولى لحبر أعظم للعراق، حاملًا رسالة تضامن إلى إحدى أكثر المجموعات المسيحية تجذّرًا في التاريخ في المنطقة، والتي عانت لعقود ظلمًا وإضطهادات، وساعيًا إلى تعزيز تواصله مع المسلمين.

وكان رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، أوّل المستقبلين عند نزول البابا من الطائرة حيث أُقيمت على أرض المطار مراسم رسمية تخلّلها أداء مجموعة تراتيل دينية وأغان عراقية ورقصات، تعبيرًا عن الترحيب بالحبر الأعظم. وكان البابا والكاظمي يضعان كمامة، وأجريا محادثات وتوجّها بعدها إلى القصر الجمهوري وسط إنتشار أمني مكثّف لتأمين موكبه.

وقال البابا لصحافيين على متن الطائرة: “أنا سعيد بإستئناف السفر” بعد 15 شهرا لم يغادر خلالها الفاتيكان بسبب جائحة كوفيد-19، “وهذه الرحلة جزء من واجب على أرض معذبة منذ أعوام”.

وقال أيضاً: “سأحاول إتباع التعليمات وعدم مصافحة الجميع، لكنني لا أريد البقاء بعيدا”.

بعد ترقب طويل لشعب عانى الأمرّين، وصل قداسة البابا فرنسيس إلى بلاد الرافدين في زيارة هي الأولى في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية تحت شعار جميعكم أخوة، في زيارة تستمر 3 أيام يزور خلالها الزعيم الروحي لـ1.3 مليار مسيحي مناطق في شمال البلاد وجنوبها، بينها مدينة النجف الأشرف حيث سيلتقي المرجع الشيعي، السيد علي السيستاني، وذي قار لزيارة مدينة أور التي إنطلق منها النبي إبراهيم، وأربيل ونينوى لزيارة عدد من الكنائس والأماكن الدينية.

وبدا الامل على وجوه العراقيين ولا سيّما أنها زيارة لدحض الارهاب.

ونشرت السلطات آلافًا من قوات الجيش والشرطة بجميع صنوفها في الشوارع وعلى طول الطريق الرابط بين مطار بغداد وتفرعاته التي سيسلكها موكب البابا خلال الزيارة، وهم يحملون السلاح، إضافة إلى نشر سيارات للأجهزة الأمنية على طول الطرق.

كما تمّ وضع خطط أمنية في المدن التي سيزورها في بغداد والنجف والناصرية ونينوى وأربيل. وأوضحت المصادر أن السلطات العراقية قرّرت فرض حظر التجول في أرجاء العراق استعداداً للزيارة.

كلمة البابا في كاتدرائية سيدة النجاة

وتوجّه البابا فرنسيس من كاتدرائية سيدة النجاة في العراق، التي إستهدفت في 2010 بإعتداء تخلّلته عملية إحتجاز رهائن إنتهت بمقتل 53 شخصًا، إلى المسيحيين قائلًا: “نجتمع اليوم في كاتدرائية سيِّدة النجاة هذه، ونتبارك فيها بدماء إخوتنا وأخواتنا الذين دفعوا هنا ثمن أمانتهم للرب غاليا”.

النص الكامل للكلمة التي ألقاها:

أصحاب الغبطة،
أصحاب السيّادة الأساقفة،
الكهنة والرهبان والراهبات الأعزاء،
الإخوة والأخوات الأعزّاء،
أعانقكم جميعًا بمودّة أبوية. أشكر الله الذي سمح لنا بعنايته الإلهية أن نلتقي اليوم. وأشكر غبطة البطريرك، مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان، وغبطة البطريرك الكاردينال، مار لويس روفائيل ساكو، على كلماتهم الترحيبية. نجتمع اليوم في كاتدرائية سيّدة النجاة هذه، ونتبارك فيها بدماء إخوتنا وأخواتنا الذين دفعوا هنا ثمن أمانتهم للرب ولكنيسته، ثمنًا غاليًا. أرجو أن تلهمنا ذكرى تضحيتهم بأن نجدّد ثقتنا بقوّة الصليب ورسالته الخلاصية للمغفرة والمصالحة والولادة الجديدة. ففي الواقع، المسيحي مدعو للشهادة لمحبة المسيح في كل مكان وزمان. هذا هو الإنجيل الذي يجب إعلانه وتجسيده في هذا البلد الحبيب أيضًا.

وأنتم، بصفتكم أساقفة وكهنة، ورهبانا وراهبات، ومعلمّي التعليم المسيحي، ومسؤولين علمانيين، إنكم جميعًا تشاركون في أفراح المؤمنين وآلامهم وآمالهم وهمومهم. لقد إزدادت إحتياجات شعب الله والتحدّيات الرعوية الشاقّة التي تواجهونها يوميًا في زمن الجائحة هذا. ومع ذلك، فإن الغيرة الرسولية يجب ألّا تتوقّف ولا تنقص أبدًا، والتي تستمدّونها من جذور قديمة جدًا، من الحضور المستمر للكنيسة في هذه الأراضي منذ الأزمنة الأولى (را. بندكتس السادس عشر، الإرشاد الرسولي ما بعد السينودس، الكنيسة في الشرق الأوسط، 5). نحن نعلم كم هو سهل أن نصاب بفيروس الإحباط الذي يبدو أحيانًا أنه ينتشر من حولنا. مع ذلك، لقد منحنا الله لقاحًا فعّالًا ضدّ هذا الفيروس الخبيث: وهو الرجاء الذي ينبع من المثابرة على الصلاة والأمانة اليومية لرسالتنا. بهذا اللقاح، يمكننا المضي قدمًا بقوة متجدّدة دائمًا، لكي نشارك فرح الإنجيل، كتلاميذ مرسَلين وعلامات حّية لحضور ملكوت الله، ملكوت قداسة وعدل وسلام.

وكم يحتاج العالم من حولنا إلى سماع هذه الرسالة! ولا تنسوا أبدًا أنّ البشارة بالمسيح تتمّ قبل كل شيء من خلال شهادة حياة غيّرها فرح الإنجيل. كما نرى من تاريخ الكنيسة القديم في هذه الأراضي، الإيمان الحيّ بالرب يسوع «يعدي»، ويستطيع أن يغيّر العالم. ويبيّن لنا مثال القديسين أنّ إتّباع يسوع المسيح «ليس فقط أمرًا حقًّا وعدلًا، بل هو أيضًا شيء جميل، وقادر أن يملأ الحياة ببهاء جديد وفرح عميق، حتى في وسط الشدائد» (را. الإرشاد الرسولي فرح الإنجيلEvangelii gaudium ، 167).

إنّ الصعاب جزء من حياتكم اليومية، أنتم المؤمنين العراقيين. فقد كان عليكم وعلى مواطنيكم، في العقود الأخيرة، أن تواجهوا عواقب الحرب والإضطهاد، وهشاشة البنى التحتية الأساسية، وأن تناضلوا بإستمرار، من أجل الأمن الإقتصادي والشخصي، والذي غالبًا ما أدّى إلى نزوح داخلي وهجرة الكثيرين، بما في ذلك بين المسيحيين، إلى بلدان أخرى في العالم. إني أشكركم، أيّها الإخوة الأساقفة والكهنة، على بقائكم قريبين من شعبكم، وعلى دعمكم له، وسعيكم لتلبية إحتياجات الشعب ومساعدة كلّ واحد على القيام بدوره في خدمة الخير العام. إنّ الرسالة التربوية ورسالة المحبّة في كنائسكم الخاصّة تمثّل موردًا ثمينا لحياة الجماعة الكنسية والمجتمع بأسره. إنّي أشجّعكم على المثابرة في هذا الإجتهاد، من أجل أن تتمكّن الجماعة الكاثوليكية في العراق، وإن كانت صغيرة مثل حبّة الخردل (را. متى 13، 31- 32)، من الإستمرار في إثراء مسيرة البلد بأكمله.

إنّ محبّة المسيح تطلب منّا أن نضع جانبًا كلّ نوع من الأنانية وكل منافسة، وتحثّنا على أن نكون في شركة شاملة مع الجميع، وتدعونا إلى أن نكون جماعة الكلّ فيها إخوة وأخوات يرحّبون بعضهم ببعض ويهتمون بعضهم لبعض (را. الرسالة العامة Fratelli tutti، 95 – 96). أفكّر في صورة البساط المألوفة: مختلف الكنائس الموجودة في العراق، ولكلّ منها تراثها التاريخي والليتورجي والروحي العريق، هي مثل الخيوط الكثيرة المنفردة الملوّنة التي، عند تشابكها، تصبح بساطًا واحدًا جميلًا، لا يشهد فقط على أخوتنا، بل يذكّرنا أيضًا بمصدرها. ولأنّ الله نفسه هو الفنّان الذي صمّم هذا البساط، والذي نسجه بصبر ورثاه بعناية، يريدنا دائمًا أن نكون مترابطين جيّدًا فيما بيننا، فكلّنا أبناؤه وبناته. عسى أن تبقى نصيحة القديس أغناطيوس الأنطاكي في قلوبنا على الدوام: «لا يكوننّ بينكم ما يفرقكم، […] بل صلاة واحدة، وروح واحد، ورجاء واحد، بالمحبة والفرح» (رسالة إلى المغنيسيين Ad Magnesios، 6-7: الآباء اللاتين 5، 667). كم هي مهمّة شهادة الوحدة الأخوية هذه، في عالم غالبًا ما تمزّقه الإنقسامات! إنّ كلّ جهد يُبذل لبناء الجسور بين الجماعات والمؤسسات الكنسية والرعوية والأبرشية سيكون بادرة نبوية في كنيسة العراق وإستجابة مثمرة لصلاة يسوع بأن يكونوا جميعهم واحدا (را. يو 17، 21؛ الكنيسة في الشرق الأوسط، 37).

تقع مسؤولية حمل رسالة الكنيسة على عاتق الجميع، رعاة ومؤمنين وكهنة ورهبانًا وراهبات، ومعلمّي التعليم المسيحي، ولو بطرق مختلفة. قد ينشأ أحيانًا بيننا سوء تفاهم ويمكن أن نتعرّض لبعض التوترات: إنها عقد تعيق نسج الأخوّة. هي عقد نحملها في داخلنا، فنحن جميعًا خطأة، مع ذلك، يمكن فكّ هذه العقد بالنعمة، وبمحبّة أكبر، ويمكن أن نرخيها بالمغفرة والحوار الأخوي، وتحمل أعباء بعضنا البعض بصبر (را. غل 6، 2) وبتقوية بعضنا البعض، في أوقات المحن والصعوبات.

الآن، أودّ أن أقول كلمة خاصّة لإخوتي الأساقفة. يروق لي التفكير في خدمتنا الأسقفية بمفهوم القرب: قريبون من الله، فنحن نحتاج أن نبقى مع الله في الصلاة، وقريبون كذلك من المؤمنين الموكلين إلى رعايتنا، ومن كهنتنا. كونوا قريبين بشكل خاص من كهنتكم، حتى لا يروا فيكم إداريّين أو «مديري أعمال»، بل آباء، يهتمّون لأن يكون أبناؤهم في حالة جيّدة، وهم على إستعداد لدعمهم وتشجيعهم بقلب منفتح. رافقوهم في صلاتكم ووقتكم وصبركم وقدّروا عملهم ووجّهوا نموّهم. وسوف تكونون لكهنتكم بهذه الطريقة علامة مرئية ليسوع، الراعي الصالح الذي يعرف خرافه ويبذل حياته في سبيلها (را. يو 10، 14- 15).

أعزائي الكهنة، والرهبان والراهبات، ومعلمّي التعليم المسيحي والإكليريكيّين الذين تستعدّون للخدمة في المستقبل: لقد سمعتم جميعًا صوت الرب في قلوبكم وأجبتم مثل صموئيل الشاب: «هاءنذا» (1 صم 3، 4). أدعوكم إلى تجديد هذه الإجابة كلّ يوم، وأتمنّى أن تقود كلّ واحد منكم لأن يحمل البشرى السارّة بحماس وشجاعة، وأن تعيشوا وتسيروا دائمًا في نور كلمة الله، والتبشير بها نعمة لنا وواجب علينا. نعلم أنّ خدمتنا تتضمّن أيضًا جانبًا إداريًّا، لكن هذا لا يعني أنه علينا أن نقضي كل وقتنا في إجتماعات أو خلف المكتب. من المهمّ أن نخرج لنكون في وسط قطيعنا ونقدّم حضورنا ومرافقتنا للمؤمنين في المدن والقرى. أفكّر في الذين قد نهملهم: في الشباب وكبار السن والمرضى والفقراء. عندما نخدم قريبنا بتفان، كما تفعلون أنتم، وبروح الشفقة والتواضع واللطف والمحبة، فإننا نخدم يسوع حقا، كما قال لنا هو نفسه (را. متى 25، 40). ومن خلال خدمة يسوع في الآخرين، نكتشف الفرح الحقيقي. لا تبتعدوا عن شعب الله المقدَّس الذي ولدتم فيه. لا تنسوا أمهاتكم وجدّاتكم، اللواتي «أرضعنكم» حليب الإيمان، كما يقول القديس بولس (را. 2 طيم 1، 5). كونوا رعاة وخدّامًا للشعب لا موظفي دولة. كونوا دائمًا مع شعب الله، لا تنفصلوا عنه أبدًا كما لو كنتم طبقة مميَّزة. لا تنكروا «الأمّة» النبيلة التي هي شعب الله المقدَّس.

أودّ أن أعود الآن إلى إخوتنا وأخواتنا الذين لقوا حتفهم في الهجوم الإرهابي على هذه الكاتدرائية قبل عشر سنوات، والذين ما زالت دعوى تطويبهم مفتوحة. يذكّرنا موتهم جيّدًا أنّ التحريض على الحرب ومواقف الكراهية والعنف وإراقة الدماء لا تتفّق مع التعاليم الدينية (را. Fratelli tutti، 285). وأريد أن أذكّر كلّ ضحايا العنف والإضطهاد المنتمين إلى مختلف الجماعات الدينية. سوف ألتقي غدًا في «أور» بقادة التقاليد الدينية الموجودين في هذا البلد، لكي نعلن مرّة جديدة إيماننا بأنه على الدين أن يخدم قضية السلام والوحدة بين جميع أبناء الله. وأريد في هذا المساء أن أشكركم على إجتهادكم لأن تكونوا صانعي سلام، داخل جماعاتكم ومع مؤمني التقاليد الدينية الأخرى، وأن تزرعوا بذور المصالحة والعيش الأخوي معًا، التي تستطيع أن تقود إلى ولادة رجاء جديد للجميع.

أفكّر بشكل خاصّ في الشباب: حيثما كانوا، هم حاملو وعد ورجاء، وبخاصة في هذا البلد. في الواقع، لا يوجد هنا تراث أثري لا يقدّر بثمن فحسب، بل كذلك ثروة كبيرة للمستقبل: إنهم الشباب! هم كنزكم وينبغي الإعتناء بهم، وتغذية أحلامهم، ومرافقة مسيرتهم، وتنمية رجائهم. وعلى الرغم من صغر سنّهم، فقد تعرّض صبرهم بالفعل لإمتحان قاس بسبب صراعات هذه السنوات. ولنتذكّر في الوقت عينه، أنهم -مع كبار السن- جوهرة هذا البلد، وألذّ ثمار أشجاره: علينا تقع مسؤولية زراعة الخير فيهم وإرواء رجائهم.

أيّها الإخوة والأخوات، بالمعمودية والتثبيت، وبالسيامة الكهنوتية أو النذور الرهبانية، كرّستم أنفسكم لله وأُرسلتم لتكونوا تلاميذ تحملون الرسالة في هذه الأرض المرتبطة إرتباطًا وثيقًا بتاريخ الخلاص. أنتم جزء من هذا التاريخ، تشهدون بأمانة لوعود الله التي لا تنقض أبدًا، وتسعون لبناء مستقبل جديد. لتكن شهادتكم، التي أنضجتها الشدائد، وقوَّتها دماء الشهداء، نورًا يشعّ في العراق وخارجه، لكي نشيد بعظمة الله، ويبتهج روح هذا الشعب بالله مخلصنا (را. لو 1، 46- 47).

أشكر الله مجدّدًا لأننا تمكّنا من أن نلتقي. لتشفع بكم سيّدة النجاة والقدّيس توما الرسول، وليحمياكم دومًا. أبارك من كلّ قلبي كلّ واحد منكم وأبارك جماعاتكم. وأطلب منكم أن تصلّوا من أجلي. شكرًا!


Spread the love

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.