“السلطة أداة ترتكب الجرائم”.. “الجمهورية القوية” من بكركي: البطريرك توجّه إلى المجموعة الدولية ليخلّص لبنان من “جهنّم”


إستقبل البطريرك الماروني، الكاردينال مار بشاره بطرس الراعي، اليوم (الأربعاء 24 شباط/ فبراير 2021)، في الصرح البطريركي في بكركي، وفدًا من نواب تكتّل “الجمهورية القوية”.

بعد اللقاء، تحدث، بإسم الوفد، النائب أنطوان حبشي، فقال:

“مجد لبنان أُعطِي له”، هذا ما نراه محفورًا على مدخل كنيسة الصرح البطريركي، “مجد لبنان أعطي له” ولم يُعطَ له عن عبث، بل نتيجة لعمل وجهد تراكميٍّ، طوال مئات السنين، لبناء لبنان وطنًا ودولة. وفي رؤية بكركي والمسيحيين أنّ لبنان ليس وطنًا ودولة لفئة، إنّما للجميع.

“مجد لبنان أعطي له” منذ تأسيس البطريرك الدوَيهي لمدرسة حلب المارونية في القرن السابع عشر، والتي كانت في أساس النهضة الثقافية العربية، والتي لم تعد بالفائدة على المسيحيين فقط، بل على كل العالم العربي.

“مجد لبنان أعطي له” عندما قام البطريرك الحوَيِّك بالسعي إلى إنشاء دولة لبنان الكبير وطنًا للحرِّية والحداثة، وطنًا شهدناه مزدهرًا لعقود بسبب حياده وعلاقته الطيِّبة مع محيطه والعالم.

“مجد لبنان أعطي له” عندما ناضل البطريرك عريضة من أجل حقوق مُزارعي التبغ، من أقصى الجنوب إلى الشمال والبقاع، واضعًا نصب عينيه قيمة الإنسان- المزارع من دون أيِّ تفرقة.

“مجد لبنان أعطي له” عندما قال البطريرك صفير “ونحن الذين لجأنا إلى المغاور والكهوف في عهد الظلم والظلام، طوال مئات السنين، ليسلم لنا الإيمان بالله وعبادته على طريقتنا في هذه الجبال وعلى هذه الشواطئ، ولتبقى لنا الحرِّية التي إذا عدمناها عدمنا الحياة. “مجد لبنان أعطي له” عندما شكَّل بيان المطارنة، في أيلول من العام 2000، رافعة تاريخية لمقاومة الإحتلال السوري وخروجه، لاحقًا، من لبنان. “مجد لبنان أعطي له” عندما علا الصوت يوم كانت السلطة خارج القانون، والفساد مستشريًا، والإتجار بحقوق اللبنانيين والمسيحيّين يتمُّ بإسم الدين والطائفة، فصرخ قائلًا: “بئس هذا الزمن الرديء..”.

مجد لبنان يعطى له اليوم، كما أُعطي لأسلافه لأنّ “صوت الحق يعلو ولا يُعلى عليه”، لأنّه يؤكِّد الثوابت التي أرست وجود لبنان الكيان وطنًا ودولة. والثابت الأساسي في وجود لبنان، لحماية حرِّيته وضمان إزدهاره الإقتصادي وتمكين أمنه الإجتماعي، كان ولا يزال الحياد.

وحياد لبنان تاريخي، رافق نشأة هذا الكيان عندما أعلنت حكومة الإستقلال أنّ لبنان “يلتزم الحياد بين الشرق والغرب”. وعندما أقرَّ العالم العربي أن “لبنان دولة مساندة وليس مواجهة”.

إنّ تخلّي لبنان عن هذا الحياد جرَّ عليه كل الويلات والصراعات التي يدفع ثمنها اليوم، لأنّه يهدِّد وحدته أرضًا وشعبًا، ولأنّه يعرِّضه اليوم لحصار إقتصادي- مالي يهدِّد كلَّ اللبنانيين في حياتهم اليومية، وفي أمنهم الإقتصادي، والإجتماعي كما السياسي.

إنّ الذين يتهجَّمون، اليوم، على موقف البطريرك الماروني لطرحه الحياد، إنّما هم أنفسهم الذين وافقوا، في “إعلان بعبدا” في البندين 12 و14 منه، على “تحييد لبنان عن سياسة المحاور والصراعات الإقليمية والدولية، وبواجب إلتزام قرارات الشرعية الدولية”. نريد أن نصدِّق ونثق بتواقيع بعضهم، ولكنّه ينطبق عليها “كلام الليل يمحوه النهار”.

ولأن غبطة البطريرك، مار بشارة بطرس الراعي، حاول، مرارًا وتكرارًا وبشتّى الوسائل وعبر مبادرات عدَّة، أن يكون صوت الشعب اللبناني وضميره للخروج من الأزمة التي يرزح تحتها، ولكي يكون أمينًا على إرث أسلافه وضنينا على حق اللبنانيين، وعندما لم يجد لصوته صدى لدى المسؤولين في السلطة، توجّه إلى المجموعة الدولية لكي يخلِّص لبنان من جهنَّم التي يعيشها.

وإن كنّا في جهنَّم، فتلك نتيجة إرتهان الدولة اللبنانية مع السلطة الحالية للصراعات الإقليمية، ونتيجة زجِّ لبنان في أتون الصراع الأميريكي- الإيراني، والذي تحوَّلت معه السلطة لأداة ترتكب الجرائم بحق الشعب اللبناني، ما يحتِّم اللجوء إلى المجتمع الدولي للمطالبة بحقِّه في الحياة، وخصوصًا أنّ عناصر الأزمة التي نعيشها هي خارجية، تستعمل لبنان مسرحًا لهذا الصراع عبر أدوات داخلية، وتحوِّل الشعب اللبناني رهينة وضحية لمشاريع النفوذ الإقليمي.

تحوَّلت السلطة، في لبنان، أداة لإغتيال شعبها سياسيًّا وإقتصاديًّا وماليًّا، وقد فقدت شرعيَّتها الشعبية بعد حراك 17 تشرين، كما فقدت وتخلَّت عن واجبها في حماية اللبنانيين بعد 4 آب إثر زلزال إنفجار مرفأ بيروت. لذلك، فإنّ الطريق الأوحد إلى الحلِّ لا يكون إلّا بتمكين الشعب اللبناني عبر الخضوع لإرادته، وهذه الإرادة لا يمكن بلورتها وحمايتها إلّا من خلال إنتاج جديد للسلطة عبر إنتخابات نيابية مبكِّرة تحقِّق إرادة اللبنانيين، وتجعلهم، بحقّ، مصدر السلطات.

ويحتفظ الشعب اللبناني بحقِّه في إستعمال كل الوسائل الديموقراطية المتاحة لتحقيق سيادة لبنان وإستعادة شرعيَّته، وكلُّ ما عدا ذلك، إمعان في إغتيال لبنان واللبنانيين. وهنا، تكمن مسؤولية الشعب اللبناني في مواكبة طرح غبطة البطريرك ليُثبت، بعد مئة عام على نشأة لبنان الكبير، أنّه سيِّد مصيره وقراره في حسم الصراع بين الحقِّ والباطل، وخصوصًا أنّ الخطر الحقيقي، اليوم، ليس في الصراع بين الحقِّ والباطل، وإنّما في فقدان القدرة على التمييز بينهما، وبين طرح البطريرك الجديِّ والطرح المازح للآخرين.

إنّ خيار الشعب اللبناني هو بين ثقافة الموت وثقافة الحياة، ونحن أبناء الرجاء والحياة. ستكون لنا الحياة، حياة بوطن وبدولة نريدها سيِّدة، حرَّة، مستقلَّة من أجل مستقبل أولادنا.

وعن مشاركة القوّات اللبنانية في التحرِّك الشعبي، يوم السبت المقبل، بإتّجاه الصرح البطريركي، في بكركي، دعمًا لمواقف البطريرك الراعي، وعن موقف صاحب الغبطة من كلام السيِّد نصر الله عن المؤتمر الدولي، قال حبشي: “جميع مناصري وأبناء القوّات اللبنانية مستعدّون للتواجد في أيِّ مكان يستطيع أن يوصِل طروحات غبطته. أمّا عن موقف البطريرك من كلام السيِّد حسن نصر الله، فهو جواب كلِّ الكبار، أي لكلِّ واحد الحقّ في أن يقول ما يريد. وبالتالي، فإنّ غبطة البطريرك إيجابيٌّ لأنّه لا يقدِّم طروحاته ضدّ أيّ طرف معين. وأنا، اليوم، أريد القول أنّ طرح الحياد، أو طرح فكرة المؤتمر الدولي برعاية الأمم المتحدة، هو في مصلحة مَن يتهجَّمون على طرح البطريرك، لأنّ ما يطرحه، غبطته، هو خلاص للجميع من أزمة تطال وتخنق الجميع، فإنّ طبيعة لبنان هي حياديّة، ولكنّهم أرادوها خارج ذلك، ودوَّلوا لبنان من خلال محاربة الدول الخارجية، وإفتعال مشاكل مع الدول العربية، وإدخال اللبنانيّين في محور صراع ندفع ثمنه كلبنانيين، حتى أنّ بيئة من يتهجَّم على هذه الطروحات تدفع الثمن أيضًا. وبالتالي، فإنّ طرح غبطته هو جدّ إيجابيّ، فهو لم يطرح هذه المفاهيم في وجه أحد، بل أرادها أداة لإستعادة هويّة لبنان الأساسية، حيث الحياد في جوهر إنشاء الكيان اللبناني. وبوجود صراعات من هذا الحجم، لا بدّ من حضور مجتمع دولي. لقد وقع إنفجار المرفأ، ولم تستطع الدولة أن تجد حلًّا له. وبالتالي، فمِن حقِّ الشعب أن يقول للعالم، اليوم، أنّه بحاجة لإنتباه المجتمع الدولي للبنان كي لا يتمَّ إغتيال الإنسان يوميًّا في لبنان، وإغتيال لقمة عيشه وكرامته في وطنه”.

وعمّا إذا كان يحمل أيَّة رسالة من الدكتور جعجع إلى غبطته، أوضح حبشي: “غبطة البطريرك واضح جدًّا في طروحاته، وفي الخطوات العمليّة التي يتوخّاها في متابعة هذه المسألة، وكان لافتًا أن نُقارن ما يحصل اليوم بما حصل منذ مئة عام. فاليوم، البطريرك يشجِّع على القيام بخطوات عمليّة، وعلى بلورة أوراق برؤية واضحة للتوجّه إلى كلِّ العالم بغية حلِّ مشاكل اللبنانيين، من إقتصادية إلى أمنية إلى سياسية وإجتماعية. وبالتالي، هذا ما حمّلنا إياه غبطة البطريرك، والذي يتمُّ التداول به مع كلِّ الأفرقاء، وكلِّ من يحبُّ أن يساهم بإخراج لبنان من الأزمة التي يعاني منها”.

وفي ردِّه عمّا إذا كانت القوّات اللبنانية تستطيع، وسط الإنهيار الذي يشهده لبنان، إضافة الرئيس بِرِّي إلى الطبقة الحاكمة، قال حبشي: ” دعني أقول، وبشكل واضح وصريح، أنّ هناك تراكمًا عمره سنين، تفاقَم، أكثر فأكثر، مع هيمنة عدم سيادة الدولة، والقرار الإستراتيجي الذي هو خارج الدولة اللبنانية على سيادة لبنان، والكل، وأقول الكل، هو جزء من هذه المسألة. لذلك، طرحُنا قبل تحرِّك 17 تشرين، كان فلتكن كلُّ الطبقة السياسية خارج السلطة التنفيذية حاليًّا، حتّى لو إعتبرنا أنّنا لسنا من الطبقة الفاسدة، ولنعطي لإختصاصيّين مستقلّين حرِّية القرار لإمكانية حلِّ المسائل، ولكن، للأسف، لم نرَ إلّا إعادة تمسُّك، أكثر وأكثر، من كل الفريق الذي يتشارك السلطة. وبالتالي، أقول إن الأكثرية النيابية والسلطة التنفيذية هي اليوم بيد ثلاثة أفرقاء بشكل أساسي، أعني بهم: حركة أمل، حزب الله، والتيّار الوطني الحر”.

وحول عدم ملاقاة القوّات اللبنانية لسعي البطريرك الراعي لإستعادة ثقة المجتمع الدولي، والرئيس الحريري لناحية تأليف حكومة إختصاصيّين غير حزبيّين، لا ثلث معطِّل فيها، وترك الساحة لفريق رئيس الجمهورية للمطالبة بست أو سبع وزارات، قال حبشي: “لم نترك الساحة أبدًا، ولم نعمل إلّا ممارسة القناعات، فنحن مررنا بتجارب مشابهة أكثر من مرَّة، وعرفنا أنّه لا يمكن محاربة الفساد، وأن نستعيد سيادة الدولة، طالما أنّ هذه الأكثرية النيابية، مع هذه السلطة التنفيذية، لا تزال متمسِّكة بالحكم. اليوم، يحاولون، ونحن نتمنّى لهم التوفيق، فقد حاولوا. منذ فترة حصل إنفجار المرفأ والإنهيار، وهم لا يزالون يتلهّون، وتعاطيهم غير جدّي بنقل ملفات قضائية كتلك المتعلِّقة بتفجير المرفأ وبعد ستة أشهر على التفجير. إنّ القوّات اللبنانية واضحة، فإذا كان هناك حكومة إختصاصيّين مستقلّين حقيقية، وليس كالتّي سبق وشُكِّلت، فنحن ندعمها، شاركنا أم لم نشارك بها، ولكن كلّ المسار يدلُّ على أنّه ليس بإمكان أحد القيام بهذا، فمن يمنعهم من تشكيل الحكومة، فهم فريق واحد”.

وعندما سُئل: هل يؤيِّد صاحب الغبطة طرحكم لإنتخابات نيابية مبكِّرة؟ قال حبشي: “لقد تكلَّمنا مع غبطته في هذا الموضوع، ونحن نرى أنّ إنتاج السلطة ممرٌّ أساسيٌّ، وطبعًا، غبطة البطريرك يتساءل كيف يمكن أن يتمَّ هذا الأمر في ظل التصلب الحاصل في المواقف اليوم! وأنا أريد أن أقول، خاصَّة بعد أن سمعنا، بعد أحداث طرابلس، أنّ الإنتخابات قد لا تتم في موعدها، أقول إنّ الموقف الثابت هو موقف ثابتٌ ومبدأيٌّ، ولا يمكن أن يتمَّ تخطّي المشاكل التي نعيشها إلّا من خلال إعادة إنتاج السلطة، وكلّما حدث هذا الأمر باكرًا، نكون قد حمّلنا الشعب اللبناني مسؤولية التجديد لجلّاده أو التغيير”.

وردًّا على سؤال أخير عن مشاركة القوّات اللبنانية في حال حصول إنتخابات فرعية، قال حبشي: “بحسب القانون، على الإنتخابات الفرعية أن تتمَّ في مواعيدها، ونحن نطالب بإنتخابات نيابية مبكِّرة لإعادة إنتاج السلطة في كل لبنان، لأنّ هذه السلطة فاقدة لشرعيَّتها الشعبيّة، وحتّى شرعيَّتها الأخلاقية بحماية اللبنانيين، بعد تفجير المرفأ، لا نراها. وهنا نتمنّى لمؤسسة الجيش اللبناني وللقوى الأمنية، في هذه المرحلة الصعبة التي لا يتحمَّل فيها أيّ مسؤول سياسيٍّ مسؤوليته، أن يكون لديهم القدرة لتشكيل صمَّام الأمان ،كي لا يذهب لبنان إلى مزيد من التدهور و الإنهيار. بالنسبة لنا، ليس هناك من حلٍّ إلّا بإعادة إنتاج السلطة، وليتحمل الشعب اللبناني مسؤوليته”.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *