الكعكي: أكثريَّة اللبنانيِّين مع البطريرك الراعي


كتب عوني الكعكي:

كلمات غبطة البطريرك، مار بشارة بطرس الراعي، لم تكن إعتباطيَّة أو عفويَّة أو مِن خلال مزاجيَّة خاصَّة، بل هي نابعة من ألم شديد في أعماقه. فغبطته شخصيَّة نادرة وهب نفسه لخدمة الإنسان، وهو دائمًا يستمع إلى معاناة الناس ويعمل على مساعدتهم. فكلماته التي ينطق بها تكون صادقة معبِّرة عن آراء الناس الذين يجتمع بهم ويستمع إلى ما يقولونه. وهو، بالتالي، يقوم بنقل معاناتهم إلى المسؤولين: رئيس الجمهوريَّة؛ ورئيس مجلس النواب؛ ورئيس الحكومة؛ والوزراء والنواب؛ علَّه يريح الشاكين، ويحقِّق لهم ما يحلمون به من عيش كريم وإستقرار نفسي وإجتماعي.

وبالفعل، فإنَّ غبطته قام، أكثر من مرّة، بزيارة رئيس الجمهورية، وأطلعه على حاجات الناس وما يتمنُّونه في هذا الوطن، خصوصًا في ظلِّ هذه الأوضاع الصعبة التي يعيشها اللبنانيون.

كما يريد البطريرك إفهام اللبنانيِّين، كل اللبنانيِّين، أنَّنا في هذا الوطن شركاء… نعمل جميعنا لخدمة لبنان ومواطنيه في ظلِّ عدالة ومساواة من دون تغليب رأي على رأي، أو فئة على أخرى، وأنَّ لكلِّ لبنانيٍّ الحقَّ في إبداء رأيه بحرِّيَّة، شرط أن يكون رأيه بعيدًا عن التجريح أو إثارة الفتنة.

ولأُذَكِّرْ بموضوع السلاح الذي يمْسِكُ ويَتَمَسَّكُ به حزب الله. هذا السلاح حصل عليه الحزب نتيجة الإحتلال الإسرائيلي… يومذاك، قام اللبنانيُّون كلُّهم من مختلف الطوائف المسيحيَّة والإسلاميَّة – وعلى إختلاف آرائهم وتعدُّدها بتأييد تحرير لبنان من العدو الإسرائيليّ المحتلّ، ولن ننسى أنَّ قافلة الشهداء بدأت بـ«سناء محيدلي»… وهنا نقول إنَّه لا يجوز لأحد أن يحتكر لنفسه الفضل وحده في تحرير لبنان… فالتحرير للمسيحيِّين وللمسلمين على حدٍّ سواء.

على أيَّة حال… وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم، ونحن نعيش في أسوأ الأوضاع السياسيَّة والإقتصاديَّة والإجتماعيَّة… فيجب أن تتوحَّد جهودنا لننقذ لبنان ممَّا هو فيه حتّى نصل إلى برِّ الأمان. ولو عدنا إلى ما قبل 21 سنة، يوم إنسحبت «إسرائيل» من دون قيد ولا شرط، فإنَّنا سجَّلنا للحزب العظيم، ولكلِّ لبنانيٍّ، هذا الإنتصار العظيم.

في العام 2006، يوم بدأت «حرب تموز»، تحت شعار «لا نترك أسرانا»، ويوم خُطِفَ جنديَّان إسرائيليَّان، أُذَكِّر بما إنتهت إليه الحرب، إذ خَلَّفت أكثر من خمسة آلاف قتيل وجريح من الجيش اللبناني، ومن المقاومة ومن المدنيين، كما أدَّت إلى خسائر ماليَّة وصلت إلى حدود الـ15 مليار دولار، يومذاك رفع سماحة الأمين العام شعار «لو كنت أعلم».

وبعد ذلك كله، إنتهت مرحلة التحرير، وجاءت مرحلة بناء لبنان. وهنا أقول، وبكل موضوعيَّة: إنَّ الحزب العظيم لو حاول مساعدة الرئيس الشهيد، رفيق الحريري، في عمليَّة البناء… وحاول حماية الرئيس الشهيد من «الإغتيال» لكان وضع لبنان في أحسن حالاته.

أيَّام الرئيس الشهيد، رفيق الحريري، كانت قيمة الدولار 1515 ل.ل. أمَّا اليوم فهي على عتبة العشرة آلاف.

الرئيس الشهيد أعاد لبنان ووضَعه على الخارطة العالميَّة، فأين صار لبنان بعد إغتياله؟

الوضع الإقتصادي منهار تمامًا… والوضع الإجتماعي متفكِّك ومنهار هو الآخر… الوضع السياسي في مأزق… وكلٌّ يغنِّي على ليلاه… لقد هاجر خيرة شبابنا… ولبنان نحو الهاوية…

وأسأل السيِّد حسن: كم من الحروب التي جابهتنا مع العدو الاسرائيلي… والآن، وبعد تحرير وطننا، ألا يحقُّ لنا أن نرتاح، أم أنَّه كُتب علينا القتال حتى قيام الساعة؟

المهمّ أن يبقى لبنان أولًا، فالسلاح لا يجوز أن يظلَّ خارج إرادة الجيش… بل يجب أن يُسَلَّم كلُّ سلاح للجيش الذي نثق به جميعنا… فالمفترض أن يكون جيشنا هو المدافع الوحيد والأول عن الوطن، يؤازره شعبه، كلُّ شعبه، من مسيحيِّين ومسلمين.

هذا ما يجب أن يكون.. وهذا هو المنطق… أمّا أن نهدِّد ونقطة على السطر، أو أن يتَّخذ البعض موقفًا لا رجوع عنه، فهذا يعني، بالتأكيد، القضاء على أيِّ حوار أو نقاش… وبالتالي، فإنَّ مثل هذه المواقف، قد تؤدِّي إلى الهاوية، وإلى ما لا تُحمد عقباه.

دعونا نعمل معًا، على تحرير لبنان من كلِّ سلاح متفلِّت، ونعيد إلى الدولة هيبتها وهيمنتها على مقدِّراتها لإنقاذ الوطن والمواطنين.

هكذا ينجو لبنان ممَّا هو فيه، وهكذا يتوحَّد اللبنانيون في موقف واحد، لا تبعيَّة فيه لأحد، ولا هيمنة لأحد على الآخر… كلُّنا متساوون، وتحت قانون عادل…

إذ ذاك نعيد لبنان إلى ما كان عليه «سويسرا الشرق» في العلوم والفنون والسيَّاسة والطبِّ، والسياحة والإقتصاد.

كلام غبطة البطريرك، مار بشارة بطرس الراعي، لم يكن مستهجنًا، ولا تحدِّيا لأحد… إنَّه كلام المنطق الواعي، الهادئ، والهادف والرصين… إنَّه منطق كلّ لبنانيّ يريد وطنًا حرًّا مستقلًّا. فاللبنانيُّ لا يريد أن يصل إلى ما وصلت إليه دول إقليميَّة من تدهور إقتصاديّ وإنهيار ماليّ…

المواطن اللبنانيُّ، وبكلِّ بساطة، يريد أن يرتاح في وطنه، وَيَطْمَئنَّ على مستقبله ومستقبل أولاده.

أفلا يكون هذا من حقِّه؟ وهل كلام البطريرك، الذي يصبُّ في هذا الهدف، فيه تجَنٍّ على أحد؟

لا أظنُّ ذلك، ولا أخال أحدًا مخلصًا يظنُّ ذلك.


El-Shark

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *