الفرزلي يؤكد أن المدخل لصناعة الوفاق في لبنان “هو التوازن”


قلّصت الأزمة السياسية اللبنانية التباينات الحادة بين الأحزاب والقوى التي تنتمي إلى طائفة واحدة، ودفعت باتجاه اصطفافات مذهبية تلتقي فيها القوى المختلفة على ملفات محددة، وذلك في ظل استحقاقات ودعوات لتطوير النظام وتثبيت أعراف بالنص الدستوري.

وبعدما شهدت البلاد انقسامًا سياسيًّا عموديًّا يقوم على تحالف أحزاب وقوى من مختلف الطوائف على خيارات استراتيجية، جمعت الأزمة الأخيرة بعض التيارات، التي كانت متعارضة تقليديًّا، على عناوين سياسية مرتبطة بحماية المواقع والصلاحيات، ويَنظر إليها البعض على أنها جزء من التكوين السياسي اللبناني.

ويؤكد نائب رئيس مجلس النواب، إيلي الفرزلي، أن الاصطفافات الطائفية هي جزء من طبيعة المجتمع اللبناني، لكنه يقلل من فرضية أنها تلغي الفوارق السياسية بين المكونات التي تنتمي إلى الطائفة الواحدة، موضحًا لـ”الشرق الأوسط” أنه “ليس اصطفافًا كاملًا ضمن البيئة المسيحية”، بالنظر إلى أنه “يقوم على تقاطع ببعض الملفات، وليس اتفاقًا بالمطلق، كذلك الأمر عند السنّة والشيعة”. ويشير إلى أن “الممارسة عندما تتجاوز الحدود، تنتج عنها ردة فعل توحي بأنها طائفية، لكن عمليًّا لا يمكن اعتبارها اصطفافات طائفية”.

وتلتقي القوى المسيحية، وتحديدًا “التيار الوطني الحر” و”القوات اللبنانية” الآن، على ثلاثة ملفات أساسية هي:

  1. رفض قانون للانتخابات يعتمد لبنان دائرة انتخابية واحدة وفق نظام الاقتراع النسبي خارج القيد الطائفي،
  2. ورفض قانون العفو العام بالصيغة المقترحة،
  3. وملف التدقيق الجنائي في حسابات المصرف المركزي.

وفي المقابل، تقلصت حدّة التباين السياسي بين “تيار المستقبل” ورئيس حكومة تصريف الأعمال، حسان دياب، منذ رفض دياب للادعاء عليه في ملف انفجار مرفأ بيروت، منعًا لاستهداف الموقع السنّي. وعلى الضفة الشيعية، يؤيد “حزب الله” موقف رئيس مجلس النواب نبيه برّي ويدعم مبادرته الحكومية، رغم أن “التيار الوطني الحر” يُعدّ من أبرز حلفاء الحزب، ويتباين الطرفان، أخيرًا، على الكثير من الملفات التي دفعتهما للتحضير لتطوير ورقة التفاهم بينهما.

ويوضح الفرزلي أن قانون انتخاب لبنان دائرة واحدة “يعارضه المسيحيون، وآخرون، وأنا واحد منهم”، ومردّ الاعتراض إلى المسألة العددية، لافتًا إلى أن الرئيس برّي طرحه لتحريك الركود، ويفتح مجالًا لتعديل القانون المقترح لجهة الدوائر الانتخابية، وهو خاضع للنقاش للتوصل إلى توافق من قبل الجميع. أما عن نقاش قانون الانتخاب الحالي، فلا يرى إلغاء للفوارق بين المسيحيين، إذ “يرى «القوات» أن إجراء الانتخابات استنادًا للقانون القائم، وفي ظل التغيرات في الرأي العام والظروف، يمكن أن يحصد نوابًا إضافيين”، أما “التيار الوطني الحر” فإنه “يدفع باتجاه تغيير بقانون الانتخاب القائم، لكنه يربط التعديل بالاتفاق على صفقة مضمون القانون وتفاصيله”.

وينسحب الاختلاف لدى القوى المسيحية على تكليف الرئيس سعد الحريري بتشكيل الحكومة، إذ يشير الفرزلي إلى ثلاثة آراء لدى القوى المسيحية:

  • أولها لا يريد الحريري بالمطلق لرئاسة الحكومة كيلا يشكل رافعة للعهد،
  • والثاني يسمي من يمثل الحريري ويسميه الأخير،
  • والثالث وهو “تكتل النواب المستقلين” الذين يمثلون ثلث النواب المسيحيين أعطوا الثقة للحريري وطالبوا بترؤسه للحكومة.

ويشرح الفرزلي مدافعًا عن هذا الخيار بالقول: “كما عون يمثل تمثيلًا وازنًا لدى المسيحيين ويترأس الجمهورية، وكما برّي يمثل التمثيل الوازن لدى الشيعة ويترأس البرلمان، كذلك الحريري هو الأكثر تمثيلًا في طائفته، يجب أن يترأس الرئاسة الثالثة”، مشددًا على أن هذه المسألة “متعلقة بالعيش المشترك والواقع الطائفي، ولا مفرّ منها، إذ لا يمكن النظر للمسألة من منظار أبيض وأسود”، معربًا عن اعتقاده بأنه “لا استقرار للنظام، ولا حل دون أن تكون الرئاسات ممثلة تمثيلًا مقبولًا في طوائفها”، مؤكدًا أن المدخل لصناعة الوفاق في لبنان “هو التوازن”.

وتصاعدت الاصطفافات، أخيرًا، على خلفية السجالات التي أخذت طابعًا قانونيًّا مرتبطًا بصلاحيات الرئاستين الأولى (الجمهورية) والثالثة (الحكومة)، بالتزامن مع دعوات لتطوير النظام، في حين يرى البعض أن هناك مساعي لتثبيت الأعراف التي تتمتع بقوة النص لجهة ممارستها، بنص دستوري.

ويرى الفرزلي أن تطوير النظام، “كلمة مطاطة”، إذ “لا يمكن أن يتحول النظام إلى علماني في ظل عوائق مرتبطة بقوانين الأحوال الشخصية وغيرها”، أما إذا كان المقصود بنظام مدني، فإنه يشير إلى أن الدستور اللبناني هو أول قانون مدني في الشرق، ويعتمد لبنان نظامًا تشاركيًّا، يدافع عنه الفرزلي وقوى سياسية كثيرة.

ولا ينفي نائب رئيس مجلس النواب أن كل دستور تظهر فيه ثغرات لدى تطبيقه. وإذ يشدد على أن دستور “الطائف” يجب أن يبقى الأساس للنظام اللبناني، لا يعارض دراسة الثغرات وإيضاح المواد الإشكالية، وتكريس الأعراف بالنصوص إذا كانت تشكل عقبة أمام تنفيذها. ويقول: “أنا مع اتفاق الطائف، وسأدافع عنه دفاعًا كاملًا، لكن لا أعارض تطويره وتصحيح الثغرات التي ظهرت بتنفيذه”، معلنًا تأييده اللامركزية الإدارية التي أدرجت ضمن وثيقة الوفاق الوطني في الطائف.


Spread the love

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.