ما هي الخيارات أمام أوروبا مع صعود الصين على حساب الهيمنة الأمريكية؟


يبدو قيام كتلتين اقتصاديتين تتزعمان عالمنا: واحدة في عِهدة واشنطن، والأخرى تقودها بكين، أضحى مسألة وقت. السؤال هنا أين سيكون موقع الاتحاد الأوروبي من ذلك، في وقت تبدو فيه فرصه ومقوّمات صعوده كقطب ثالث أفضل من أي وقت مضى؟

في دراسة لمؤسسة “بروغنوز” السويسرية للبحوث والاستشارات لصالح “رابطة الاقتصاد البافاري/ vbw”، يُقرع ناقوس الخطر من المد الاقتصادي الصيني الذي ينذر بفقدان الهيمنة الاقتصادية الأمريكية والغربية على العالم بحلول 2040. ومن جملة ما تُفيد به الدراسة، حسب موقع “تاغسشاو” الألماني، أن نهاية العولمة، التي عرفناها منذ انهيار المعسكر الشيوعي السابق قبل ثلاثة عقود، أضحت على الأبواب.

ومع هذه النهاية، تتوقع الدراسة إعادة تقسيم العالم اقتصادياً بين كتلتين: واحدة بزعامة الولايات المتحدة، والأخرى تحت زعامة الصين. ومن المؤشرات على ذلك، استفراد الاقتصاد الصيني بالاستمرار في تحقيق النمو بنسبة زادت على 2 بالمائة في عام 2020 على غير المتوقع رغم جائحة كورونا، في وقت يتراجع فيه هذا النمو في جميع البلدان الصناعية الأخرى تقريباً بمعدلات تتراوح بين 3 إلى أكثر من 7 بالمائة.

في هذه الأثناء أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، على لسان وزير خارجيته، انتوني بلينكن، أن “الصين تشكل التحدي الأكبر للولايات المتحدة، وأن الأخيرة ستعتمد تجاهها نهجاً أكثر صرامة” من النهج الذي اتبعه الرئيس السابق دونالد ترامب. وما يعنيه ذلك المزيد من العقوبات الاقتصادية والحروب التجارية والخلافات والاستقطاب على الساحة العالمية.

الصين وصدمة الحرب التجارية

تحاول الصين امتصاص صدمة الحروب التجارية والعقوبات والاستمرار بالنهوض من خلال تعزيز الطلب الداخلي في سوقها الضخمة. ولهذا الغرض وقّعت مؤخراً أكبر اتفاق للتجارة الحرة في العالم مع دول شرق آسيا والمحيط الهادي، ومن ضمنها اليابان وكوريا الجنوبية. كما أنها ماضية في تعزيز علاقاتها مع روسيا وعشرات الدول الأخرى من خلال مشروعها العالمي طريق الحرير الجديد.

أما الولايات المتحدة، التي انسحبت من اتفاقيات تجارية عديدة إبان حكم الرئيس ترامب، فتحاول إعادة هيكلة اقتصادها وإحياء صناعاتها والحفاظ عليها من خلال المزيد من الاجراءات الحمائية. كما أنها تعمل لتوقيع اتفاقيات جديدة للتجارة تكون “أكثر عدالة لها”، حسب تصنيف الإدارة الأمريكية السابقة، كتلك التي وقعها ترامب مع كندا والمكسيك كبديل لاتفاقية “نافتا”.

ونظراً إلى تمتع الولايات المتحدة بسوق كبيرة وقدرة شرائية عالية، فإن حفاظها على موقع في صدارة الزعامة العالمية غير مشكوك فيه، ما يدعم تفوقها، لاسيما وأنها ما تزال متفوقة في الذكاء الاصطناعي وعوالم الإنترنت من خلال غوغل وفيسبوك ويوتيوب وأخواتها.

خسائر أوروبا من إعادة تقسيم العالم

وفي الوقت الذي تحاول فيه الصين اللحاق بها بسرعة، يبقى السؤال هنا، ماذا بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي؟ تنعم دول الاتحاد وخاصة ألمانيا، حتى الآن، بمكاسب العولمة التي جلبت لدوله وخاصة لألمانيا المزيد من الازدهار منذ ثلاثة عقود.

ويعكس ذلك، إلى حد كبير، علاقات تجارية مزدهرة مع الولايات المتحدة والصين. غير أن التحولات، التي تنبئ بنهاية هذه العولمة وتقسيم مناطق النفوذ بين الولايات المتحدة والصين، تحتّم على أوروبا الاختيار بين أحد القطبين. ويبدو طريق السيناريو الأخير الأقل تكلفة لأوروبا حسب الدراسة التي جاء فيها أن سلوكه يعني تراجع الصادرات الأوروبية بنحو 12 بالمائة.

وبالمقابل، فإن الانحياز إلى تكتل صيني محتمل سيعني تقليص هذه الصادرات بنحو 18 بالمائة. أما الانضمام إلى تكتل أمريكي على حساب العلاقات مع الصين فيبدو الأعلى تكلفة إذ سيعني تراجعاً بنسبة 22 بالمائة للصادرات الأوروبية.

أوروبا وفوائد صعودها كقطب ثالث

غير أن سيناريو صعود الاتحاد الأوربي كقطب ثالث ليس الأقل تكلفة وحسب، بل أمر تقتضيه الوقائع والمصالح الأوروبية. فالانحياز إلى تكتل صيني غير وارد بسبب الخلافات والتناقضات العميقة بين النظام السياسي الصيني، القائم على دكتاتورية الحزب الواحد، والنظم الديمقراطية الأوروبية. أما الانحياز إلى كتلة تهيمن عليها الولايات المتحدة على حساب العلاقات مع الصين فليس بالأمر السهل رغم القيم المشتركة والنظم السياسية المتشابهة. ومن أسباب ذلك، المصالح الاقتصادية التي تزداد تناقضاً بين ضفّتي الاطلسي، والتي تدفع واشنطن إلى تشديد سلاح العقوبات ضد الشركات الأوروبية كما في حالة مشروع “السيل الشمالي 2” كمثال على ذلك.

ويبدو خيار القطب الثالث هو الأفضل، لاسيما وأنه يضمن لدول الاتحاد الحفاظ على الازدهار والاستقرار بأقل الخسار، خصوصاً إذا ما عرفنا أن هذا الازهار يعتمد على تصدير وفوائضه. ومن أبرز الدول التي تعتمد على الصادرات في ازدهارها: ألمانيا وهولندا والدانمرك وإيطاليا. ففي ألمانيا، كانت تزيد فوائض التصدير السنوية، قبل جائحة كورونا، على 200 مليار يورو سنوياً. كما أن هذا الخيار يقود إلى توازنات أفضل في العلاقات الدولية، وخاصة على صعيد التعامل المستقبلي مع روسيا ودول العالم الثالث. السؤال هنا ما مدى استعداد الاتحاد الأوروبي لسلوك هذا الطريق؟

جهود أوروبية نحو مزيد من الاستقلالية

ظهرت، خلال السنوات القليلة الماضية، محاولات أوروبية تقودها فرنسا من أجل مزيد من الاستقلالية للاتحاد. ويدل على ذلك الجهود المبذولة لتعزيز دور اليورو كعملة عالمية إلى جانب الدولار الأمريكي، وإنشاء قوة عسكرية أوروبية مشتركة للدفاع عن مصالح أوروبا. غير أن هذه الجهود ما تزال خجولة، وتسير ببطء رغم زيادة التأييد الألماني المتزايد لها مؤخراً.

وتكمن المشكلة الأساسية هنا في غياب إرادة سياسية أوروبية موحَّدة تدفع هذه الجهود بشكل سريع وملموس وجوهري إلى الأمام. لكن تجاوز هذه العقبات ليس من الأمور المستحلية، لاسيما وأن المصالح الاقتصادية الأوروبية ستكون مضمونة أكثر في ظل صعود قطب ثالث بين القطبين الصيني والأمريكي. هذا، ومن المؤكد أن نشوء ثلاثة أقطاب أفضل لبقية دول العالم، وفي مقدمتها البلدان العربية والنامية من نظام القطبين.


ابراهيم محمد
DW

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *