إكتشاف أقدم مسجد في طبريا يشهد على “عصر ذهبي” للتعايش بين الأديان


قال علماء آثار في إسرائيل انهم إكتشفوا بقايا مسجد قديم -يُعتقد انه يعود إلى العقود الأولى للإسلام- خلال حفريات في مدينة طبرية الشمالية.

تشير أساسات المسجد، التي تقوم الجامعة العبرية في القدس بالتنقيب عنها جنوب بحيرة طبريا، الى ان المسجد تم بناؤه بعد جيل تقريبا من وفاة النبي محمد، مما يجعل منه أحد أقدم دور العبادة الإسلامية التي درسها علماء الآثار.

قالت المتخصصة في علم الآثار الإسلامية في الجامعة العبرية، كاتيا سيترين سيلفرمان Katia Cytryn-Silverman، التي تترأس الحفريات: “نحن نعرف عن العديد من المساجد التي تأسست في بداية العصر الإسلامي”.

لا تزال المساجد التي تعود لنفس الفترة الزمنية تقريبا مستخدمة حتى يومنا الحاضر، مثل المسجد النبوي في المدينة المنورة، والمسجد الكبير في دمشق، والمسجد الأقصى في القدس، فلا يمكن لعلماء الآثار العبث بها.

الدكتورة كاتيا سيترين سيلفرمان Katia Cytryn-Silverman، عالمة آثار في الجامعة العبرية في القدس، أثناء تواجدها في موقع مسجد الجمعة، أحد أقدم المساجد في العالم الإسلامي المكتشف في طبريا، شمال إسرائيل، الأربعاء 27 كانون الثاني/ يناير 2021. (AP | Maya Alleruzzo)

قالت سيترين سيلفرمان، التي أعلنت النتائج هذا الشهر في مؤتمر إفتراضي، أن التنقيب في مسجد طبريا يمنحنا فرصة نادرة لدراسة الهندسة المعمارية لدور الصلاة الإسلامية في بداياتها، ويدل على تسامح القادة الإسلاميين الأوائل مع الأديان الأخرى.

عندما تم بناء المسجد حوالي عام 670 بعد الميلاد، كانت طبريا مدينة تحت حكم المسلمين منذ عدة عقود. وكانت المدينة، المسماة على على اسم إمبراطور روما الثاني حوالي عام 20 قبل الميلاد، مركزا مهما للهيود ودراسة التعاليم اليهودية لما يقارب الخمسة قرون. وقبل غزوها من قبل الجيوش الإسلامية عام 635، كانت المدينة البيزنطية موطنًا لواحدة من المجموعات المتألقة من الأماكن المقدسة المسيحية المنتشرة على طول شاطئ بحيرة طبريا.

في ظل الحكم الإسلامي، زادت أهمية طبريا واصبحت عاصمة إقليمية في بداية عصر الإمبراطورية الإسلامية، حيث بنى الخلفاء الأوائل القصور في ضواحي المدينة على طول شاطئ البحيرة. لكن، وحتى وقت قريب، لم يكن يُعرف الكثير عن ماضي المدينة الإسلامي في بداياته.

قال جدعون أفني Gideon Avni، كبير علماء الآثار في إدارة الآثار الإسرائيلية، والذي لم يشارك في التنقيب، أن الاكتشاف يساعد في حل نقاش علمي حول متى بدأت المساجد تتخذ تصميمها النموذجي في توجهها نحو الكعبة.

وقال: “في الاكتشافات الأثرية، كان من النادر جدًا العثور على مساجد قديمة”.

بدأت الحفريات الأثرية في نواحي طبريا، على فترات متقطعة، منذ القرن الماضي، حيث شرعت المدينة، في العقود الأخيرة، بالكشف عن مبان ضخمة أخرى من ماضيها، بما في ذلك كنيسة بيزنطية ومسرح روماني كبير يطل على المياه.

أوقفت جائحة فيروس كورونا، في أوائل العام الماضي، عمليات التنقيب ونمت الأعشاب فوق الأنقاض، لكن الجامعة العبرية تخطط، بالإشتراك مع المعهد البروتستانتي الألماني للآثار، لإستئناف الحفر في شهر شباط/ فبراير.

صورة جوية، عام 2014، لموقع مسجد الجمعة، أحد أقدم المساجد في العالم الإسلامي المكتشف في طبريا، شمال إسرائيل، يرجع تاريخه إلى أواخر القرن السابع. (NTEP | David Silverman and Yuval Nadel via AP)

أدت الحفريات الأولية للموقع، في الخمسينيات، إلى اعتقاد العلماء بأن المبنى كان سوقًا بيزنطيًا تم استخدامه لاحقًا كمسجد.

لكن بعد ان توغلت سيترين سيلفرمان في حفرياتها بشكل أعمق في الأرض، ساعدتها العملات المعدنية والسيراميك، عند قاعدة الأساسات المصنوعة بطريقة بدائية، على تأريخ الموقع بحوالي عام 660- 680 بعد الميلاد، أي بالكاد بعد جيل واحد من الإستيلاء على المدينة. كانت ابعاد البناء، المخطط الأرضي للأعمدة، القبلة او مكان الصلاة، تتشابه مع مساجد أخرى من تلك الفترة.

قال أفني لم يكن الأكاديميون، لفترة طويلة، متأكدين مما حدث لمدن إفتتحها المسلمون، أوائل القرن السابع، في بلاد الشام وما بين النهرين.

وقال: “كانت الآراء السابقة تشير إلى وجود عملية غزو وتدمير وتخريب”. وقال إن علماء الآثار، اليوم، يدركون انه كانت هناك “عملية تدرجية منصفة، وفي طبريا ترون ذلك”.

كان أول مسجد، تم بناؤه ما أن فُتحت المدينة، يقف على قدم المساواة مع المعابد اليهودية والكنيسة البيزنطية التي كانت تهيمن على أفق سماء المدينة. قالت سيترين سيلفرمان ان المسجد في مرحلته الأولى كان “أكثر تواضعًا” من بناء اضخم وأعظم حل مكانه بعد نصف قرن.

وأضافت: “استمرت الكنيسة، على الأقل، في كونها المبنى الرئيسي في طبريا حتى تشييد المسجد الضخم في القرن الثامن”.

وتقول أن هذا يدعم الفكرة القائلة بأن الحكام المسلمين الأوائل -الذين حكموا سكانًا بأغلبية ساحقة من غير المسلمين- تبنوا نهجًا متسامحًا تجاه الأديان الأخرى، مما سمح بـ”عصر ذهبي” من التعايش.

قالت سيترين سيلفرمان: “ترون هنا أن بداية الحكم الإسلامي احترمت إلى حد كبير السكان الذين كانوا سكان المدينة الرئيسيين: المسيحيون واليهود والسامريون”. “لم يكونوا في عجلة من أمرهم للتعبير عن وجودهم بواسطة المباني. لم يكونوا يدمّرون بيوت الصلاة للآخرين، لكنهم كانوا في الواقع يأقلمون أنفسهم في المجتمعات التي الآن هم قادة لها”.


AP

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *