أين التدقيق المالي الجنائي اليوم؟.. عدوان: ممر إلزامي للإنتقال إلى أي تعاف مستقبلي


أقر مجلس الوزراء اللبناني، في 21 تموز (يوليو) من العام الفائت، إجراء تدقيق مالي ومحاسبة مركزة، أي “تدقيق جنائي” في حسابات المصرف المركزي، وقرر الاستعانة بالشركة العالمية “ألفاريز ومارسال” Alvarez & Marsal، إذ أبرم عقدا معها بما يعادل مليونَي دولار للتدقيق في خسائر المصرف.

وفي 20 تشرين الثاني (نوفمبر) من العام الفائت أيضا، قررت شركة “الفاريز ومارسال” إنهاء الاتفاقية الموقعة مع وزارة المال للتدقيق المحاسبي الجنائي، بسبب “عدم حصول الشركة على المعلومات والمستندات المطلوبة للمباشرة بتنفيذ مهمتها، وعدم تمكنها من التوصل إلى هكذا معلومات حتى ولو أعطيت لها فترة ثلاثة أشهر إضافية لتسليم المستندات المطلوبة للتدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان”.

وفي 21 كانون الثاني (ديسمبر) 2020، صادق مجلس النواب، على قانون رفع السرية المصرفية عن المسؤولين لمدة عام بعد ربطه بالتدقيق الجنائي.

وفي 23 كانون الثاني (ديسمبر) من العام المنصرم، أعلن وزير المالية في حكومة تصريف الأعمال، غازي وزني، بعد لقائه رئيس الجمهورية، العماد ميشال عون، في القصر الجمهوري، أنه “تقرَّر، استنادا إلى قانون مجلس النواب وقرارات الحكومة، التواصل مع شركة الفاريس اند مارسال لمتابعة التدقيق الجنائي المالي لحسابات مصرف لبنان والوزارات والمصالح المستقلة والصناديق والمؤسسات العامة”.

ويعتبر التدقيق المحاسبي الجنائي من مستلزمات تفاوض لبنان مع صندوق النقد الدولي لدعم البلد، وضمن شروط وضعها الصندوق للسير في مسار الإصلاح الاقتصادي والمالي.

وبما أن رئيس لجنة الادارة والعدل، النائب جورج عدوان، كان من أول المطالبين بالتدقيق الجنائي، وناضل مع عدد من زملائه في مجلس النواب من أجل إقراره في مجلس النواب، كان لـ”الوكالة الوطنية للاعلام” حوار معه، شرح فيه أن “التدقيق المالي يهدف الى التحقق من صحة البيانات المالية وفقا للمعايير الدولية، ويقضي بجمع الأدلة المادية التي تعطي الصدقية للبيانات المالية، وما إذا كانت الحسابات صحيحة، أي الموجودات مطابقة للمطلوبات. أما التدقيق الجنائي فيجمع بين التدقيق المالي والتحقيق الجنائي، لتحديد النشاط المالي الإجرامي وكشف المسؤولين”.

وقال: “يتحرى التدقيق الجنائي عما إذا كانت العملية المالية أجريَت في الإطار السليم من دون أية مخالفات، ويتم التدقيق في أصل إجرائها وأسبابها، حتى لو كانت صحيحة محاسبيا فقط، فإذا كان هناك أي أمر يتعلق بالفساد، بإمكان السؤال الذهاب بعيدا، على سبيل المثال: لماذا أجريَت العملية ومن المستفيد منها؟ وليس فقط التأكد إذا كانت الأرقام مطابقة للموجودات والمطلوبات”.

ولفت الى أن “التدقيق الجنائي يجمع ويدقق كل ما يمكن استعماله بفعالية في محكمة قانونية، أو في أية إجراءات قانونية تهدف إلى اكتشاف عمليات الإختلاس والتزوير ونهب المال العام، واسترداد الأموال المنهوبة ومحاسبة المجرمين”.

وعند سؤاله عن حسناته وتأثيره على الاقتصاد والوضع المالي للدولة؟ قال: “يجب أن ندرك جميعا، وبشكل لا يتحمل اللبس، أن عملية الإصلاح المنشودة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، ومحاسبة المسؤولين عما وصلت إليه الأمور في المجالات الاقتصادية والمالية كافة، لا يمكن أن يتم إلا بعد إتمام التدقيق الجنائي في كل الوزارات، والصناديق، والمؤسسات العامة، والمجالس والهيئات التابعة للدولة. كما وأن المساعدات الممكنة دوليا، ابتداء من صندوق النقد الدولي وحتى المساعدات الدولية الأخرى، لن تتوافر إذا لم يتم التدقيق المالي الجنائي، فهو الممر الإلزامي للانتقال من الوضع الحالي إلى أي تعاف مستقبلي”.

وتطرق الى مسيرته وخطواته، مشيرا الى أنه، في سنة 2017، كان من أول المطالبين، في المجلس النيابي، بلجنة تحقيق برلمانية في حسابات مصرف لبنان وجميع مؤسسات الدولة، منبها إلى “خطورة ما سنصل إليه إذا لم نوقف مسار الهدر والفساد”، لافتا الى أن أكثرية الطبقة السياسية قامت قيامتها، إلا أننا بقينا على موقفنا”.

تابع: “بعد وقوع الكارثة التي نبّهنا إليها مرارا، وبدء الحراك في 17 تشرين 2019، تحوّل مطلبنا إلى مطلب شعبي، الأمر الذي دفع بالطبقة السياسية إلى عدم معارضته علنا، وتحولت إلى عرقلته بالخفاء، تارة تحت مقولة إن الشركة التي ستتولى التدقيق تتعامل مع إسرائيل، kroll، وطورا تحت أعذار أخرى كالسرية المصرفية، الأمر الذي دفعنا إلى اقتراح قانون رفع السرية المصرفية لمدة سنة وبهدف التدقيق الجنائي ولمصلحة الشركة المدققة”.

أضاف: “تمت عرقلة التدقيق الجنائي، وما زالت، بطرق وأساليب متعددة، أهمها المماطلة وتيئيس شركات التدقيق، لأن أكثرية الطبقة المتحكمة من عهد الوصاية السورية وحتى تاريخه، تخشى انفضاح أمرها ومحاسبتها. أما أين نحن اليوم؟ فقد أبدت شركة Alvarez استعدادها الرجوع عن قرارها بانهاء العقد مع وزارة المالية بخصوص التدقيق الجنائي مع مصرف لبنان، ويتم اليوم التفاوض معها لتوقيع عقد جديد، سواء لاستمرار مهمتها في ما يتعلق بمصرف لبنان، أو الوزارات والمصالح المستقلة والمجالس والصناديق والمؤسسات العامة كافة”.

وأشار الى أن ” Alvarez ربطت موقفها بإجابة وزارة المالية عن أسئلة تساعدها في اتخاذ قرارها النهائي، إن لناحية توقيع عقد التدقيق الجنائي المتعلق بمصرف لبنان، أو لجهة توسيع المهمة لتشمل حسابات الوزارات، والمصالح المستقلة، والمجالس والصناديق والمؤسسات العامة”.

وأضاف: “طرحت شركة Alvarez عدة تساؤلات أهمها: هل القانون الذي تم إقراره، حول تعليق السرية المصرفية، يسمح بالإطلاع على حسابات المؤسسات الخاصة لدى مصرف لبنان؟ وما هو مصير لائحة الأسئلة التي تحتوي على 131 سؤالا طرحتها على مصرف لبنان، وهل ستلتزم الوزارة تأمينها؟ كما طالبت بأن يلتزم مصرف لبنان بتأمين المعلومات حول هيكليته التنظيمية وآلية عمله، كما الولوج إلى نظام التدقيق المحاسبي والعودة بالحسابات سنوات إلى الوراء. طلب وزير المال رأي هيئة التشريع والاستشارات حول من يشمل رفع السرية المصرفية، فجاء جواب الهيئة ليؤكد أنه يشمل كل الحسابات، وفقا للمادة 82 من قانون النقد والتسليف، أي: القطاع العام، المصارف والمؤسسات المالية المقيمة في لبنان، المصارف المركزية والمصارف والمؤسسات المالية في الخارج… وقد تبنى وزير المالية هذا الموقف، وراسل مصرف لبنان للحصول على أجوبة وضمانات من المصرف للالتزام وتأمين ما هو مطلوب منه بالنسبة لبقية الاسئلة وهو ينتظر الجواب. ونحن في صدد متابعة هذا الأمر حتى يتم تأمينه، ولكي لا يتم خلق عراقيل جديدة قد تؤخر إنطلاق التدقيق الجنائي في مرافق الدولة كافة”.

وعن مصير الودائع، قال: “المحافظة على ودائع اللبنانيين هي أولويتنا المطلقة، ولقد كررنا، ونكرر ذلك في كل مناسبة، وسوف نتقدم كقوات لبنانية باقتراح قانون، في الأيام المقبلة، بمنع المس بالاحتياطي الالزامي في المصرف المركزي. والحفاظ على الودائع يتطلب خطة شاملة من قبل الحكومة تشمل إعادة هيكلة المصارف، ومصرف لبنان، والدين العام، وتسديد الدولة ديونها، ونحن لدينا تفاصيل لهذه المقاربة الشاملة وسنعمل على تبنيها”.

وعن طلب مكتب المدعي العام السويسري مساعدة قانونية من السلطات اللبنانية لإجراء تحقيق بعد الاشتباه في عمليات غسل أموال واختلاس وتحويلات من حسابات سلامة وشقيقه رجا سلامة ومساعدته ماريان الحويك، تبلغ قيمتها قرابة 400 مليون دولار؟ قال: “هذا أمر قانوني قضائي سويسري، وحفاظا على ما تبقى للبنان من علاقات وصدقية لا يجب التعاطي معه على الطريقة اللبنانية، فالدولة السويسرية دولة قانون وفيها فصل سلطات، والسلطة القضائية لا تسمح بالتدخل السياسي معها، فلا يجب أن نتعاطى بهذا الأمر انطلاقا من تجاربنا اللبنانية، وعلى الطريقة اللبنانية، بل ننتظر نتيجة التحقيق السويسري الجدي والمستقل”.

وختم عدوان: “السيد رياض سلامة مخيّر أن يتم الاستماع إليه إن في السفارة السويسرية في لبنان، أو أمام المدعي العام في سويسرا، وقد تم تناقل أنباء أنه سيمثل أمام المدعي العام في سويسرا”.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *