شعبويّة علميّة و”اليوفولوجيا”.. قادة سياسيون والكائنات الفضائية


مع صعود اليمين المتطرف في أوروبا ثم في الولايات المتحدة الأمريكية، ظهر مصطلح “الشعبويّة” لوصف طريقة الحصول على شعبية كبيرة، من دون اعتماد خطاب موضوعي أو معلومات صحيحة بالضرورة.

وصف البعض الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ورئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، ورئيسَي فنزويلا: هوغو شافيز ثم نيكولاس مادورو، بـ”الشعبويّة”، ليمتدَّ الوصف إلى قادة يمينيين وآخرين يساريين، ما جعل المصطلح عابرًا للإيديولوجيا، ومتوقفًا أكثر عند مخاطبة الرأي العام بما يريد أن يسمع.

وإذا كان مدير مجلة “كريتيك”، فيليب روجيه، يرى أن “كلمة «الشعبويّة» في كل مكان، لكن من دون تعريف لها”، فإن أستاذ العلوم السياسية في جامعة غرونوبل، أوليفيه إيهل –وفق موقع فرانس 24- يرى أن الكلمة “لا تُستخدم للتوضيح بقدر استخدامها للتنديد”.

ربَّما عليَّ أن أضيف هنا أن ظاهرة الشعبوية ليست حصرًا في المجال السياسي، فهناك “الشعبوية العلمية” التي تعمل على اجتذاب الجماهير الأقل معرفةً؛ إذ يقدم الشعبويون العلميون القليل من العلوم الجادّة والكثير من العلوم الزائفة، لأجل اكتساب الشهرة والمكانة، أو الحظوة لدى مؤيدي نظريات المؤامرة والمعارف السريّة.

يشكِّل “اليوفولوجيون”، ممّن يروجون لمقولات غير علمية بشأن الكائنات الفضائية والأطباق القادمة من كواكب أخرى.. الفصيل الرئيس الذي يقود “الشعبويّة العلميّة”. ولقد كان طبيعيًّا أن تصعد نظريات المؤامرة بشأن فيروس كورونا المستجد المسبب لمرض “كوفيد-19″، وبشأن اللقاحات المقترحة له، بعد أن احتلت “الشعبويّة العلميّة” مساحةً كبيرةً في السنوات الأخيرة، مستفيدةً من وسائل التواصل الاجتماعي.

في منتصف تشرين الثاني/ ديسمبر 2020، قالت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل: “إن نظريات المؤامرة تمثِّل تحديًا كبيرًا لألمانيا، وربما تكون دراستها مهمة لعلماء النفس.. كيف يترك المرء عالم الحقائق، ويدخل إلى عالم يتحدث لغةً أخرى، لا يمكننا الوصول إلى هذه اللغة بلغتنا المعتمِدة على حقائق، من الصعب إعادتهم إلى الإصغاء المتبادل، ليس لدينا ردّ مثالي على ذلك، هذه المشكلة تشغل الأوساط السياسية بقوة”.

كانت السيدة ميركل تحاول مواجهة الأفكار المتصاعدة بشأن عدم وجود فيروس كورونا من أساسه، أو أنَّ الجائحة مؤامرة عالمية للسيطرة على البشر، والدعوة، بناءً على ذلك، إلى عدم ارتداء الكمامات ووقف الإجراءات الوقائية.

إن المجال الأكثر حيويَّةً لعمل “الشعبويّة العلميّة” هو مجال الفضاء الذي يملك، بحكم طبيعته، الكثير من أسباب الغموض والإثارة. يمكن الإشارة هنا إلى عدة أطروحات زائفة يعمل “الشعبويون” على ترويجها:

الأولى.. كائنات فضائية قامت ببناء الأهرامات.

على الرغم من أن علماء المصريات لديهم كمٌّ هائل من المعلومات والوثائق الأثرية بشأن عملية بناء الأهرامات ونقل الأحجار، وكذلك تشييد رموز الحضارة المصرية الأخرى، إلّا أن نظريات البناء الفضائي للأهرامات قد تمكَّنت من الانتشار، على النحو الذي جعل منها الرواية الرئيسية لدى كثيرين.

في عام 2020، أشار رجل الأعمال الأمريكي، إيلون ماسك، إلى ذلك. وقبل سنوات، روى وثائقي روسي قصة العثور على مقبرة كائن فضائي قرب الأهرامات. وقبل عقود، نشر الكاتب المصري، أنيس منصور، أكثر من كتاب بشأن الذين جاءوا من السماء، ثم بنوا الأهرامات، ثم عادوا إلى السماء.

ردّت الحكومة المصرية على نظرية بناء الكائنات الفضائية للأهرامات، ونفى خبير الآثار المصري، زاهي حواس، صحّة الرواية الخاصة بمقبرة الكائن الفضائي، ولكن النظرية استمرت في عرض ادعاءاتها.

الثانية.. كائنات فضائية قامت بتحويل جنود روس إلى حجارة.

في شباط/ فبراير 2017، نشرت صحيفة “إكسبريس” البريطانية تقريرًا، قالت إنه يمثل ورقةً سريّةً لجهاز الاستخبارات الأمريكي CIA، عام 1993، يقول التقرير: إن طبَقًا فضائيًّا قام بالتحليق فوق كتيبة روسيّة في سيبيريا، فكان أنْ أطلقت الكتيبة صاروخًا أسقط الطبق، فخرجت خمسة كائنات فضائية قصيرة، لها رؤوس كبيرة وعيون سوداء واسعة، من بين أنقاض الطبق، ثم اندمجت الكائنات في كرة بيضاء من الضوء، ثم انفجرت، وقامت بتحويل عشرات الجنود الروس إلى حجارة، وقد شاهد الجنود الروس زملاءهم بينما تتغير أعضاؤهم الحيوية إلى مادة يشبه تركيبها الجزيئي الحجر الكلسي.

حقيقة الأمر أن هذا التقرير لم يكن لجهاز الاستخبارات المركزية الأمريكية، بل كان تقريرًا صحفيًّا جرى نشره في صحيفة أوكرانية، وقد جاء ضمن عروض الصحف، ليس أكثر.

الثالثة.. الأجسام المجهولة هى أجسام قادمة من كواكب أخرى.

منذ أول رواية جرى نشرها، عام 1947، عن رؤية أحد الطيارين لـ19 جسمًا مجهولًا، وإلى اليوم.. يجري الترويج لمشاهدة الطيارين، وغيرهم، للأجسام المجهولة، بإعتبارها رسائل فضائية، سفنًا، أو أطباقًا، وآليات فضائية أخرى.

يرى العلماء أنه من الخطأ اعتبار أي “جسم مجهول” أكثر من كونه “مجهولًا”، ولا مسوِّغ لجعل كل ما هو غير معروف أو غير محدَّد “فضائيًّا”. ووفق البروفيسور دميتري فيبي، أستاذ الفيزياء الرياضية في أكاديمية العلوم الروسية، والذي تحدَّث إلى قناة روسيا اليوم، عقب إلقائه محاضرة بعنوان “لماذا لم تَعُد تحلِّق الأطباق الفضائية”.. فإنَّ “ما يظهر للطيارين كنقطة بيضاء أو شَرطة بيضاء، ويصعب تفسيرها، لا يعني أنها فضائية. إن الطيارين يقدّمون رؤيتهم الذاتية لما يرون، متأثرين بقصص الأطباق الفضائية. وحين يتم عرض شرائط فيديو مجهولة لذلك، يتحدثون عن أجسام مجهولة، ولكنها قد تكون طائرات أو أقمار صناعية أو ظاهرة طبيعية، ثم إنهم يتحدثون عن سرعتها الكبيرة، ولا يبذلون جهدًا لقياس هذه السرعة”.

ولقد كانت وزارة الدفاع الأمريكية دقيقةً حين نشرت، في نيسان/ أبريل 2020، مقطعًا لأجسام مجهولة، إذ استخدم البنتاغون كلمة “مجهولة”، ولم يستخدم كلمة “فضائية”.

الرابعة.. تعيش بعض الكائنات الفضائية في المنطقة 51 في صحراء نيفادا.

إنها أكثر المعارف الزائفة انتشارًا وقَبولًا في الولايات المتحدة وخارجها. وفي تموز/ يوليو 2019، دعت إحدى صفحات التواصل الاجتماعي للتجمُّع والذهاب في مسيرة جماعيّة لإقتحام المنطقة والإطلاع على الكائنات الفضائية، ولمـّا وصل عدد المؤيّدين إلى المليون شخص، قالت المتحدثة بإسم القوات الجوية الأمريكية: “سوف نمنع أي شخص من محاولة القدوم. إن المنطقة هى منطقة تدريبات مفتوحة للقوات المسلحة الأمريكية، ولن نسمح بإقتحامها، وسوف نحمي ممتلكات الدولة”.

لا توجد في المنطقة 51 كائنات فضائية، ووفق موقع “بي بي سي” فإن المنطقة 51 هى جزء من قاعدة إدواردز الجوية، التي تقع شمال غرب لاس فيغاس بنحو 80 ميلًا. وحيث إنها قاعدة عسكرية، فمن الطبيعي أنها ليست متاحةً لغير العاملين فيها.

إن ما ساعد “اليوفولوجيين” في توسيع مساحة الاعتقادات العلمية الزائفة، بشأن الكائنات الفضائية، هو دعم بعض الشخصيات الجادّة لافتراضاتهم.

في آذار/ مارس 2018، قال البروفيسور باري ديغريفوريو، الأستاذ في جامعة باكينغهام البريطانية: “إن صورًا، تم التقاطها بواسطة المسبار «كيوريوسيتي» التابع لإدارة الطيران والفضاء الأمريكية (ناسا)، عام 2018، تثبت وجود كائنات فضائية عاشت في الماضي على سطح المريخ”، واتّهم العالِم البريطاني وكالة ناسا بتعمُّد إخفاء معلومات عن اكتشافاتها لكائنات غريبة ذات أجسام مرنة، عاشت فيما قبل.

ردّت وكالة ناسا بالنفي، وقالت إن الصور لصخور كريستالية تخضع حاليًّا للفحص والتحليل، ولكن البروفيسور ديغريفوريو -وفق صحيفة ديلي إكسبريس البريطانية- عادَ وقال: “إنَّ توضيح وكالة ناسا غير صحيح، والصور ليست لصخور كريستالية، بل لكائنات حيّة عاشت قبل مليار سنة”.

في تموز/ يوليو 2018، تحدّث البروفيسور كيفن كنوث، أستاذ الفيزياء في جامعة “ألباني” الأمريكية في مؤتمر “الأجسام الغامضة”، وقد نقلت صحيفة “ديلي ستار” البريطانية عن “كنوث”: “هناك كائنات فضائية، وتُخفي حكومة الدول ذلك عن مواطنيها، والمعلومات في متناول دائرة صغيرة من الأشخاص، وهي سريّة للغاية”.

وفي كانون الثاني/ يناير 2020، قالت رائدة الفضاء البريطانية، هيلين شارمان، وهي كيميائية في “إمبريال كوليدج” في لندن لصحيفة “الأوبزرفر” البريطانية: “المخلوقات الفضائية موجودة، ومن الممكن أن تكون حيَّةً بيننا على سطح الأرض. إن أجسام الكائنات الفضائية لا تكون من النيتروجين والكربون كأجسام البشر. وهي قد تكون موجودةً على سطح الأرض الآن.. لكننا لا نستطيع رؤيتها”.

على نحو عام تمثِّل “مفارقة فيرمي” و”معادلة دريك” و”تحذير هوكينغ” اتجاهات رئيسية في هذا الصدد. في عام 1950، سُئل عالم الفيزياء الحائز على جائزة نوبل، إنريكو فيرمي، عن الحياة في كوكب آخر.. فأجاب: “أين هم؟.. بالنظر إلى سعة الكون، وعُمر المجرة الكبير.. كيف لم يكن هناك أيّ لقاء مع مخلوق فضائي حتى الآن؟!”.

وقد قام علماء بالردّ على “فيرمي” بأن عُمر الأرض أكثر من أربعة مليارات سنة، وأما عُمر البحث عن الكائنات الفضائية فيعود إلى 40 سنة. في الجانب الآخر، هناك “معادلة دريك”، نسبةً إلى عالِم الفلك “فرانك دريك” الذي قام بحسابات رياضية، وإعتبر أن ذلك ممكن وفقًا لعلم الاحتمالات.

تتم الإشارة هنا إلى احتمال وجود من 4 إلى 211 حضارة فضائية قادرة على التواصل، وأن 36 حضارة محتملة، في مجرة “درب التبّانة”، لديها احتمالٌ أكبر للاتصال بالأرض. وبينما يجادل البعض في أن الكائنات الفضائية، المحتمل وجودها، قد تكون حياتها غير كربونية، أى أنها قد لا تتشكل مثل الإنسان من خلايا وأحماض أمينية، وأنها قد تكون كائنات غير كربونية، فإنَّ عالِم الفيزياء البريطاني، ستيفن هوكينغ، يرى عدم البحث عن تلك الاحتمالات، وأن الوصول إليها، ذات يوم، قد لا يكون إنجازًا علميًّا بقدر ما يمثل خطرًا على الكوكب.

يخشى “هوكينغ” أن توجد كائنات فضائية متطورة للغاية، فلا ترى في البشر سوى حفنة “حشرات مزعجة”. وفي 2010، قال “هوكينغ”: “إذا زارت المخلوقات الفضائية الأرض ذات يوم، فسيكون الأمر مثل وصول كريستوفر كولومبوس إلى أمريكا، وهو وصول لم يكن إيجابيًّا للسكان الأصليين”.

لقد أخذ باحثون “تحذير هوكينغ” بجديّة كبيرة. وفي 2016، نشر الباحثان في جامعة كولومبيا، ديفيد كيبينغ وأليكس تيتشي، في مجلة “الجمعية الملكية لعلم الفلك” بحثًا عن طريقة مقترحة لإخفاء كوكب الأرض عن عيون الفضائيين. ووفق وكالة الأنباء الفرنسية التي نشرت موجزًا للبحث، فإن طريقة الباحثَين تقوم على استخدام أشعة الليزر بشكل مكثف من أجل حجب الأضواء الصادرة عن كوكب الأرض.

إن القول بوجود كائنات فضائية في المنطقة 51 أو غيرها، أو الادعاء بقيام الفضائيين بزيارة الأرض أو تخطيطهم لغزوها، أو وجودهم بيننا.. هو جزء من “الشعبويّة العلميّة”، سواء صدرت من أشخاص خارج العلم أو من داخله. أما القول بإحتمالية وجود كائنات فضائية خارج كوكب الأرض فلا يُعَدُّ بالطبع ضمن العلوم الزائفة، إذ لا يوجد ما ينفي ذلك.

وحين استقبلت الأرض مجموعة انفجارات قادمة من أعماق سحيقة في 2018، قال العلماء: إنها تحمل إشارات من مصدر غير معلوم يبعد 3 مليارات سنة ضوئية عن كوكب الأرض، وهي أكبر من أي موجات راديو سابقة تم توثيقها بنحو 500 مرة، قالت البروفيسورة شاهي شاترغن، الباحثة في جامعة كورنيل، لصحيفة الإندبندنت في كانون الثاني/ يناير 2018: “نحن على أعتاب اكتشاف تاريخي، ويبدو أن هناك كائنات فضائية أخرى تعيش معنا”.

وفي عام 2019، فاز عالِم الفيزياء، ديدييه كيلو، بجائزة نوبل للفيزياء، وقد ذاعت تصريحاته: “لا أستطيع أن أصدق أن الكائن الحيَّ الوحيد في الكون هو هنا، هناك الكثير من الكواكب، إنّني متأكد من اكتشاف حياة خارج كوكبنا خلال المئة سنة القادمة”.

إن آراء شاهي شاترغن، وديدييه كيلو، التي لا تستبعد احتمال الوصول إلى حياة خارج الكوكب، تختلف تمامًا عن آراء “ديغريفوريو”، الذي يؤكد وجودها السابق في المريخ، أو آراء “كنوث” الذي يرى أن الحكومات تقوم بإخفاء الكائنات الفضائية، أو رائدَي الفضاء، إدغار ميتشيل وهيلين شارمان، اللذيْن يقولان بوجود تلك الكائنات بيننا.

لقد شارك القادة السياسيون -على نحوٍ كبير- في تعزيز “الشعبوية العلمية”، إمّا بالإقرار بوجود كائنات فضائية زارت الأرض، أو الغموض وعدم الحسم بهذا الصدد. وبينما تحاشى القادة السوفييت والروس الحديث بشأن الكائنات الفضائية، كان ماوتسي تونغ، وبعض القادة الآسيويون، يؤيدون نظرية وجودها، لكن القادة السياسيين في الولايات المتحدة كانوا الأكثر حديثًا بشأن الفضائيين، وقد كان الرئيس هاري ترومان هو أول مَن أشار إلى هذا الموضوع.

قامت قناة History ببث وثائقي تضمّن حديثًا للرئيس ترومان عن الأطباق الطائرة، ولما جرى التساؤل بشأن ذلك الوثائقي على منصة “History Hub”، وهي منصة لطرح الأسئلة ومشاركة المعلومات، وتحظى برعاية “الأرشيف الوطني الأمريكي”، كانت الإجابة أن ذلك لا يوجد ضمن الأرشيف الرسمي، وربما كان الأمر متعلقًا بحديث الرئيس ترومان بعد مغادرته البيت الأبيض.

ذكرت بعض المصادر الأخرى أن الرئيس ترومان كان يتحدث بسخرية عن الأمر، وأنه لم يسمع بالأطباق الطائرة إلّا من خلال الصحف.

لاحقًا.. قال عضو الكونغرس تيموثي غود: “إن الرئيس أيزنهاور التقى الكائنات الفضائية في ولاية نيو مكسيكو عام 1954، وإنه عقد معهم معاهدة”. لقد تصاعد الإيحاء بذلك إلى الحدِّ الذي جعل بعض مروّجي المعارف الزائفة يقولون بأن رغبة الرئيس جون كينيدي في كشف العلاقة الأمريكية مع الكائنات الفضائية، كانت سببًا في اغتيال الفضائيين له.

كان الرئيس جيمي كارتر أول مسؤول عالمي كبير يقول إنّه شاهد الكائنات الفضائية، وذلك في جورجيا عام 1977. وفي حملته الانتخابية للرئاسة الأمريكية، قال كارتر إنه سيعمل على نشر جميع المعلومات التي تملكها البلاد بشأن الأطباق الطائرة.

جاء الرئيس رونالد ريغان، بعد الرئيس كارتر، مؤمنًا هو الآخر بوجود الفضائيين. ووفق كتاب ديفيد كلارك، الذي صدر عام 2015 بعنوان “الأطباق الطائرة.. رسومات من الأرشيف الوطني”، طلب ريغان من الزعيم السوفيتي ميخائيل غورباتشوف التصدي للمخلوقات الفضائية في حال مهاجمتها كوكب الأرض، وكان ذلك في قمة جينيف للسلام عام 1985. وحين عاد ريغان إلى الولايات المتحدة، بعد القمة، تحدث في الأمر ذاته. ووفق الكتاب فإن مستشار الأمن القومي كولين باول -الذي تولى منصبه عام 1987- كان يرتعد لمجرد ذكر الرئيس ريغان للمخلوقات الفضائية في الاجتماعات الرسمية، وكان “باول” يقلِّب عينيه ويقول: ها هي المخلوقات الفضائية تعود مجدَّدًا.

رفض الرئيس بيل كلينتون آراء “كارتر” و”ريغان” بشأن وجود الكائنات الفضائية، ولكن السيدة هيلاري كلينتون صرحت في حملتها الانتخابية، عام 2016، بأنها سوف تطلب من وكالة ناسا كشف حقيقة الكائنات الفضائية والمنطقة 51 في حال الفوز بالرئاسة. وفي مارس 2016، قالت السيدة كلينتون في كلمتها بولاية نيو هامبشاير: أعتقد أن الكائنات الفضائية قد زارت الأرض من قبل، وسوف أرسل فريق عمل مختصًّا إلى المنطقة 51 لكشف سرّ الحفرة العميقة في المنطقة المحظورة.

لقد أظهرت تقارير لاحقة عن تواصل جون بوديستا، مدير حملة هيلاري كلينتون الانتخابية وكبير موظفي البيت الأبيض في عهد الرئيس بيل كلينتون، مع إدغار ميتشيل، سادس رائد فضاء أمريكي يهبط على سطح القمر، وكان رأي “ميتشيل” أن العالم يتعامل مع “كائنات تجسّسية من خارج الكوكب، من الأكوان المجاورة، وأنهم لا يميلون إلى العنف، كما أنهم مؤمنون بالخالق”.

ومن اللافت أن “ميتشيل” كان لسنوات طويلة مؤيدًا لفكرة وجود الفضائيين بيننا، وحين قال وزير الدفاع الكندي الأسبق بول هيلير: “إن هناك كائنات فضائية تعيش بيننا متخفية منذ آلاف السنين بين البشر”، أيد “ميتشيل” تصريحات الوزير الكندي، وقال: “إن الكائنات الفضائية زارت الأرض، وقد ألقت واشنطن القبض على بعضها خوفًا من تعاونها مع موسكو، ولا تزال الكائنات تعيش في المنطقة 51”.

لقد كان هذا التصريح لرائد الفضاء، الذي شارك في رحلة أبولو التاريخية، صادِمًا لوكالة ناسا التي ردّت بقولها: “إن إدغار ميتشيل أمريكي عظيم، لكن لا توجد لدينا أي مخلوقات فضائية نتستّر عليها”.

جاء عهد الرئيس باراك أوباما ليزيد من حدِّ الغموض؛ ففي عهد “أوباما” تقدم السيناتور هاري ريد -زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، من الحزب الديمقراطي- بمقترح إنشاء “البرنامج المتقدم لمواجهة التهديدات الفضائية”، وهو البرنامج الذي استمر من عام 2007 وحتى عام 2012، ووفق موقع “بي بي سي” فقد تكلَّف البرنامج في هذه السنوات 20 مليار دولار، ونشرت صحيفة “نيويورك تايمز” وثائق تتحدث عن طائرات غريبة مسرعة، وأجسام تحوم في السماء، وفي حديثه إلى الصحيفة الأمريكية، قال “ريد”: “إنني لا أشعر بالحرج لطرح هذا البرنامج، لقد فعلت شيئًا لم يفعله أحدٌ من قبل”.

في أيار/ مايو 2020، نشرت صحيفة “ديلي ستار” البريطانية وثيقة تتضمن تحذيرًا من الرئيس “أوباما” عبر نائب الرئيس، جو بايدن، الذي التقى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشأن هجوم محتمل لكائنات فضائية، وهو ما لم يؤكده مصدر آخر.

لا يعتقد الرئيس أوباما بوجود الكائنات الفضائية بيننا، لكنه أجاب المذيع الكوميدي، جيمي كيميل، الذي سأله عن رأيه، بعد أن قال إن كلينتون راجع سجلات عديدة ولم يعثر على شيء، أجاب “أوباما”: هذا ما يرشدوننا إليه.

وفي حوار آخر مع المذيع ستيفن كولبير، في كانون الأول/ ديسمبر 2020، قال “أوباما”: “لقد سُئلت عن وجود الكائنات الفضائية، ولكن الإجابة لا يمكنني قولها على الهواء”.

إن الإجابات الساخرة للرئيس أوباما أخذها “اليوفولوجيون” على محمل الجدّ، واعتبروها تأكيدًا لاعتقاداتهم.

لم يقم الرئيس دونالد ترامب بتقديم إجابة حاسمة بشأن الفضائيين، وحين سأله ابنه الأكبر، دونالد ترامب جونيور، بمناسبة عيد الأب في حزيران/ يونيو 2020: هل ستسمح، قبل مغادرتك الرئاسة، بأن ترفع السرية عن الكائنات الفضائية؟ قال: يجب أن أفكر في الأمر.

ومن المثير أن عهد الرئيس ترامب قد شهد محاولة اقتحام المنطقة 51، كما أنّه شهد تصريحًا لمدير إدارة الفضاء السابق في وزارة الدفاع الإسرائيلية، حاييم إشيد، لصحيفة “يديعوت أحرونوت” بأن هناك اتفاقًا بين الحكومة الأمريكية والكائنات الفضائية، كما أن هناك قاعدة سريّة تحت سطح المريخ يعمل فيها رواد أمريكيون مع كائنات فضائية بشكل مشترك، وأن الرئيس ترامب على علم بوجود الكائنات الفضائية، وكان على وشك كشف المعلومات، ولكن طُلب منه عدم فعل ذلك.

إن الغموض الذي تركه بعض القادة الأمريكيين قد تمدّد عبْر الأطلسي. وفي آب/ أغسطس 2018، تقدم النائب الألماني، ديتر جينسيك، من حزب الخضر، بسؤال برلماني للحكومة: ماذا ستفعل الحكومة الألمانية إذا حدث اتصال بالكائنات الفضائية؟ وكان الرد الرسمي: إن حكومة ألمانيا تعتبر ذلك غير محتمل الحدوث.

الحاصل من هذا كله، أن وجود الكائنات الفضائية هو أمر محتمل مع سعة الكون وتعدُّد أشكال الحياة، ولكن القول بهبوطهم إلى كوكبنا، وزيارتهم أو إقامتهم بيننا، وتفسير كل ما هو مجهول باعتباره فضائيًّا هو من قبيل العلوم الزائفة.

إن إعلان قادة سياسيين مثل “كارتر” و”ريغان” و”هيلاري كلينتون”، واستخدام الرئيس أوباما الإجابة الساخرة في طريقة النفي.. قد ساعد بقوة في صعود “الشعبوية العلمية”، وقبول الناس لما يقوله الأشخاص الأقل علمًا وأكثر إثارةً، أكثر من قبولهم للأشخاص الأكثر علمًا والأكثر انضباطًا.

يحتاج العالم إلى أن يقوم القادة السياسيون بدورهم في تعزيز المعرفة السليمة، والعلوم الجادة، ومكافحة نظريات المؤامرة، والعلوم الزائفة، إن ذلك من شأنه الحدّ من النفوذ المتصاعد لـ”الشعبوية العلمية”.


Scientific American

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *