لمصالحة شخصية بين الرئيس عون والحريري.. الراعي يتحدث عن وصايا الشيخ شمس الدين للشيعة


ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس الأحد في كنيسة السيدة في الصرح البطريركي في بكركي، عاونه فيه المطرانان حنا علوان وسمير مظلوم ، ولفيف من الكهنة .

بعد الإنجيل المقدس، ألقى الراعي عظة بعنوان: “هذا هو حمل الله الذي يحمل خطيئة العالم” (يو 1: 29)، قال فيها:

نصلي معا الى الله، الغني بالرحمة، كي يبدد وباء كورونا ويحرر منه كل الكرة الارضية، ويشفي المصابين، رأفة بالفقراء والعاطلين عن العمل والمقهورين. ونصلي لكي يمس الله ضمائر المسؤولين السياسيين فيتنازلوا عن كبريائهم ومصالحهم، ويتصالحوا مع شعبهم الذي هو ضحية إهمالهم، ومع السياسة كفنّ شريف لخدمة الخير العام. لكنه فنّ يقتضي من المسؤول ان يكون مضحيا، ومتواضعا، ومتجردا.

ومما جاء في عظة الراعي فيما يخص الوضع اللبناني عموما، أنه قال:

عندما نتأمل… في هذا الواقع، نتساءل: هل الحقائب والحصص وتسمية الوزراء أهم وأغلى، عند المسؤولين، عن تشكيل الحكومة من صرخة أمٍّ لا تعثر على ما تُطعم به أولادها، ومن وجع أبٍ لا يجد عملا ليعيل عائلته، ومن جرح شاب في كرامته، لا يملك قسطه المدرسي والجامعي؟

عندما زارنا فخامة رئيس الجمهورية، الخميس الماضي، أكّدنا معا وجوب الإسراع في تشكيل حكومة إنقاذية، غير سياسية، تباشر مهماتها الإصلاحية، وتكون المدخل لحل الأزمات السياسية والاقتصادية والمالية والإجتماعية.

ونتساءل أيضا: ألا تتلاشى العقبات، الداخلية والخارجية، أمام إنقاذ مصير لبنان وإحياء دولة المؤسسات؟ ولماذا الإصرار على ربط هذا الإنقاذ بلعبة الأمم وصراع المحاور؟ ما قيمة حكومة إختصاصيين، إذا تم القضاء على إستقلاليتها وقدراتها بإختيار وزراء حزبين وليسوا على مستوى المسؤولية؟ ما قيمة الحياد والتجرد والشفافية والنزاهة، إذا تسلم الحقائب، المعنية بمكافحة الفساد ومقاضاة الفاسدين، وزراء يمثلون قوى سياسية؟

هذة الاسئلة الخطيرة تحملنا على تجديد الدعوة الى فخامة رئيس الجمهورية ودولة الرئيس المكلف لعقد إجتماع مصالحة شخصية، يجدّدان فيه الثقة التي تقتضيها مسؤوليتهما العليا، ولا ينهيانه من دون إعلان حكومة، وفقا لنص الدستور وروحه.

من المعيب حقا، لكي لا أقول جريمة، أن يبقى الإختلاف على إسم من هنا وآخر من هناك، وعلى حقيبة من هنا وأخرى من هناك، وعلى نسبة الحصص ولعبة الأثلاث وإضافة الأعداد، فيما تكاد الدولة تسقط نهائيا، ولسنا ندري لصالح من هذا الإنتحار.

نحن ندرك ان ثمة صعوبات تعترض الجهود لتشكيل الحكومة، لكن الصعوبات الكبيرة تستدعي موقفا بطوليا. والموقف البطولي، هنا، يندرج في إنقاذ لبنان، لأن تأليفها هو المدخل الإلزامي، والطبيعي، والدستوري، لإعادة الحياة اللبنانية الى طبيعتها.

أيها المسؤولون والسياسيون، لكم نقول: إستفيدوا من هدوء العاصفة الشعبية لتتفادوا هبوبا من جديد. فالشعب يمهل ولا يهمل.

بالأمس، زارنا الوزير السابق، إبراهيم شمس الدين، نجل المغفور له الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وذكّرني بأن تاريخ اليوم يصادف ذكرى مرور عشرين سنة على وفاة والده. وتذكّرنا معا تعليمه في كتابه الوصايا، الذي يبدأ بوصيته الى عموم الشيعة في كل وطن ومجتمع، أن يدمجوا أنفسهم في مجتمعاتهم وأوطانهم، وأن لا يميزوا أنفسهم بأي تمييز خاص، وأن لا يخترعوا لأنفسهم مشروعا خاصا يميزهم عن غيرهم (الوصايا، ص17). في هذه الوصايا يَعتبر أن لبنان إستجابة للمسيحيين، وضرورة للعالم العربي والعالم الإسلامي، ويحذّر بألا يستنجد واحدنا بغريب على قريب.

ويعتبر، ايضا، أن النظام السياسي في لبنان سليم لولا ما شابه من بعض الاخطاء في صياغة إتفاق الطائف وفي تطبيقه. فيدعو الى جهد وطني مخلص للنظر في العيوب والثغرات في نظامنا الطائفي القائم على إتفاق الطائف، وبهذا نحقق للبنان إستقرارا سياسيا وإمكانات كبرى للثقة المتبادلة بين مجموعاته، ونموه وتقدمه. وبهذا يبقى لبنان منارة ونموذجا لكل المجتمعات الأخرى التي تتميز بالتنوع (الوصايا، ص32).

أيها الأخوة والأخوات الأحباء،
نرجو ان يجدد اللبنانيون ثقتهم بلبنان الرسالة والنموذج، وان تحافظ عليه الجماعة السياسية، وتتفانى في سبيل إنقاذه، لكي تتم فيه كلمة الكتاب المقدس: مجد لبنان أعطي لله (اشعيا 2:35)، الآب والابن والروح القدس، الآن والى الابد، آمين.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *