نحو الإنهيار الكامل والإفلاس.. الراعي: معيب التعاطي بالشأن اللبناني كحجر شطرنج


ترأس البطريرك الماروني، الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، قداس رأس السنة في كنيسة السيدة، في الصرح البطريركي في بكركي، عاونه فيه المطارنة: حنا علوان، سمير مظلوم، وبيتر كرم؛ أمين سر البطريرك، الاب هادي ضو، في حضور الوزيرة السابقة، أليس شبطيني، قائمقام كسروان الفتوح، جوزف منصور، نقيب المحامين، ملحم خلف، السفير جورج خوري، وحشد من الفاعليات والمؤمنين.

بعد الإنجيل المقدس، ألقى الراعي عظة بعنوان: “دعي اسمه يسوع”؛ ومما جاء في عظته:

“نسأل الله أن يجعلها سنة خير وسلام، فنطوي فيها مرحلة المآسي، والضيق، والقلق على الغد، والمصير. ولكن لا بد من أن نشكر الله على عنايته الخفية التي مكنت اللبنانيين من الصمود بوجه القلق الوجودي على أمنهم القومي، وأمنهم الفردي، وأمنهم السياسي، وأمن حرياتهم، ولو أنهم، في معظمهم، فقدوا الإبتسامة، والسعادة، والفرح، والطمأنينة على الغد.”

وأضاف: “على الرغم من كل المآسي التي عشناها من أزمة سياسية، وإقتصادية، ومالية، وتجارية، إلى إنفجار مرفأ بيروت وما خلف من ضحايا ودمار ونكبات، وإلى عرقلة التحقيق العدلي، فإلى جائحة كورونا التي شلت الحياة عندنا وفي العالم، فإنا نواصل السعي، بإسم يسوع، مع مطلع هذا العام الجديد من أجل بناء مجتمع أفضل، وحماية وطن أسلم.”

وقال الراعي: “إعتادت اللجنة الأسقفية «عدالة وسلام» على الإحتفال بيوم السلام العالمي في الأحد الذي يلي رأس السنة، لأسباب عملية. وهذا ما سنفعله في كنيسة الكرسي البطريركي، الأحد المقبل. ولكن لا بد من أن نقدم، بإيجاز، رسالة قداسة البابا فرنسيس لهذا اليوم، وهي بعنوان: «ثقافة العناية مسار السلام». وسنتبسط في مضمونها، الأحد المقبل، غير أننا نختصر أفكارها الأساسية من أجل مواكبة قداسة البابا والكنيسة في الصلاة من أجل السلام والتعمق في مضامينه.”

وأضاف: “تتأصل ثقافة العناية في عمل الله الخالق والمثال الذي يقدمه للبشرية جمعاء؛ وتتجسد بكاملها في رسالة الرب يسوع؛ وتتواصل في حياة المسيحيين وجماعة الكنيسة الأولى وصولا إلى أيامنا، حتى أصبحت من صميم عقيدة الكنيسة الإجتماعية، من خلال أربعة مبادئ تختص بكرامة الشخص البشري وحقوقه، وبالخير العام، وبالتضامن، وبحماية الخلق. وهي مبادئ تشكل نوعا من بوصلة توجه مسار السلام. ولذا، تقتضي ثقافة العناية تربية متكاملة، لأن لا سلاما من دون هذه الثقافة.”

وتابع قائلا: “إن ثقافة العناية بالآخرين في حاجاتهم واجب على كل واحد وواحدة منا، وعلينا كجماعات، هذا ما فعله ويفعله المتطوعون والمحسنون والمنظمات الخيرية والمبادرات الجماعية، والبطريركية والمؤسسات التابعة لها والأبرشيات والرعايا والرهبانيات والأديار، والمنظمات الرسولية والشبيبة وهي تنسق الخدمة فيما بينها عبر هيئة «الكرمة» لتشمل كل الأراضي اللبنانية. وهذا ما فعلته الدول، وعلى رأسها الكرسي الرسولي، التي هبت للمساعدة المتنوعة منذ إنفجار مرفأ بيروت.”

وأكد الراعي أن “واجب ثقافة العناية يقع على ضمير الجماعة السياسية التي وجدت من أجل تأمين الخير العام «الذي منه خير كل مواطن وخير كل المواطنين». وهو «مجمل أوضاع الحياة التشريعية، والإقتصادية، والإجتماعية، والثقافية، التي تمكن الأشخاص والجماعات من تحقيق ذواتهم تحقيقا أفضل» (شرعة العمل السياسي-5 آذار 2009- ص 6). كيف يمكن توفير هذا الخير العام من دون حكومة دستورية تمثل السلطة الإجرائية، مع ما لها من صلاحيات وما عليها من واجبات يحددها الدستور بوضوح، ولا سيما «وضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات، ووضع مشاريع القوانين، والمراسيم التنظيمية، واتخاذ القرارات لتطبيقها، ومتابعة أعمال الإدارات والمؤسسات العامة، والتنسيق بين الوزراء، والإشراف على أعمال كل أجهزة الدولة، وتعيين الموظفين»، وسواها من الصلاحيات (راجع المادتين 64 و65 من الدستور). حيث لا حكومة، هناك شلل أخطر من جائحة كورونا، لأنها تتسبب بحياة الفوضى في البلاد.”

وأردف: “فلا يحق لأحد أو لأي فريق من الجماعة السياسية، أكانوا معنيين مباشرة أو بطريقة غير مباشرة، أن يعرقلوا تشكيل الحكومة من أجل حسابات ومصالح آنية أو مستقبلية، وقد إنطوى شهران وعشرة أيام على التكليف، فيما لبنان سائر سريعا نحو الإنهيار الكامل والإفلاس. يا لها من مسؤولية تدميرية أقوى وأشمل من تدمير مرفأ بيروت، وهدم نصف العاصمة، والتسبب بمئات الضحايا البريئة وآلاف العائلات المشردة، لأن دمارها يطال الشعب كله وحياة الدولة بكاملها!”

واعتبر الراعي أنه “من المعيب حقا أن تبدأ السنة الجديدة من دون أن تكون الحكومة مؤلفة ومنكبّة على العمل. ومعيب أيضا على المعطلين التعاطي بالشأن اللبناني كأنه حجر من أحجار شطرنج الشرق الأوسط أو الدول الكبرى. فلتتذكر الجماعة السياسية أن تأليفَ حكومة هو واجبها الأول، والأساسي، ومبرر وجودها، ومن أجلها ومن أجل الوطن يرخص كل شيء ويبوخ.”

وأضاف: “وبالمناسبة، نحن حريصون على أن يكون أي حل للقضية اللبنانية، أكان نتاج الإرادة اللبنانية وحدها أم بالتعاون مع المجتمع الدولي والعربي، لمصلحة لبنان وجميع اللبنانيين. وهي مصلحة تكمن في الانتقال إلى دولة القانون، حيث نعيش معا في شراكة ومحبة في ظل شرعية مدنية واحدة، وجيش وطني واحد، ودستور عصري واحد، وعلم لبناني واحد. هذه القيم والمبادئ تحتاج إلى فعل سياسي وولاء للبنانَ دون سواه.”

وختم الراعي: “بارك الله السنة الجديدة 2021 الطالعة، وتقبل أمانينا، وتبارك اسمه وتمجد، الآب والإبن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين.”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *