الصحراء مقابل الملف الفلسطيني.. هل ربح “المغرب” في حسابات “التطبيع” مع إسرائيل أم أنها مقايضة؟


إعتراف أمريكي بسيادة المغرب على الصحراء الغربية مقابل استئناف علاقاته مع إسرائيل. صيغة يرى البعض أنها تمثل تنازلا عن إحدى ثوابت البلد في السياسة الخارجية. فما هي تفاصيل الاتفاق؟ وهل هناك مقايضة أم مجرد تفاهم على المصالح؟

كان الخبر مفاجئا للكثيرين، لكنه كذلك كان منتظرا لمن تتبع الأحداث خلال الأشهر الماضية، فتطبيع المغرب للعلاقات مع إسرائيل، وإن كان جزئيا حسب التأكيد المغربي، لم يأت من فراغ. فعلى مدار عام 2020، كانت هناك إرهاصات واضحة لهذه التسوية، منذ تقرير موقع أكسيوس الأمريكي في فبراير/ شباط، عندما نُقل أن إسرائيل تسعى لإقناع ترامب بالاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية حتى يقوم المغرب بتطبيع علاقاته معها.

بيدَ أن المغرب لديه تحدياته الخاصة، فالرباط تبحث عن دعم دولي في ملف الصحراء لأجل إنهائه على قاعدة الحكم الذاتي تحت سيادتها. وبإعلان ترامب الأخير، يكون المغرب قد حقق انتصارا ديبلوماسيا مشهوداً، غير أن جزءاً واسعاً من الشارع المغربي يتخوّف أن يكون الاعتراف على شكل مقايضة، يغيّر بها المغرب قناعته بدعم الفلسطينيين في سبيل إنشاء دولتهم المستقلة.

ولم يأت الإعلان المغربي على ذكر تبادل للسفراء، وهو ما اعتبر بمثابة “تطبيع جزئي”، يختلف عن تطبيع الإمارات والبحرين مع إسرائيل. وعلى حد تعبير سارة فوير، محللة بـ”معهد دراسات الأمن القومي” في إسرائيل، فالأمر لا يتعلق باتفاق سلام، بل بما يشبه العودة إلى ما كان عليه الحال بين الطرفين قبل عام 2002، عندما كان هناك مكتب اتصال إسرائيلي في الرباط، وهو أمر يشاطره كذلك عزيز إدامين، باحث مغربي في القانون الدولي، إذ لا يرى أن هناك مستجدات كبيرة بين المغرب وإسرائيل، سوى وجود إعلان رسمي عن “استئناف” علاقات كانت مستمرة وإن لم تكن معلنة.

المغرب: لم نفرط في القضية

يشدّد بلاغ الديوان الملكي، في المغرب، أن تدابير “استئناف العلاقات الديبلوماسية” مع إسرائيل لا يمس “الالتزام الدائم والموصول للمغرب في الدفاع عن القضية الفلسطينية العادلة”. تأكيد الرباط يأتي كذلك في بلاغ آخر عن اتصال جمع العاهل المغربي، محمد السادس، برئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، جاء فيه أن المغرب “يضع دائما القضية الفلسطينية في مرتبة قضية الصحراء المغربية، وأن عمل المغرب من أجل ترسيخ مغربيتها لن يكون أبداً، لا اليوم ولا في المستقبل، على حساب نضال الشعب الفلسطيني من أجل حقوقه المشروعة”.

وعكس ما جرى مع اتفاقيات التطبيع الأخرى، لم يرد أيّ موقف رسمي للسلطة الفلسطينية ضدّ التطبيع المغربي- الإسرائيلي، فيما جاءت الردود الرافضة من فصائل فلسطينية أخرى. ويعتقد نشأت الأقطش، أستاذ الإعلام بجامعة بيرزيت، ضواحي رام الله، أن هناك تفاهما ضمنيا بين السلطة الفلسطينية والمغرب، لأنه ليس للأولى أي شيء تقوله إذا كانت “تطبع بدورها مع الاحتلال منذ اتفاق أوسلو”.

ويرى الأقطش أن “تبرير الدول العربية، التي تطبع علاقاتها مع إسرائيل، بأنها لن تتراجع عن موقفها من القضية الفلسطينية، ليس أمراً جديداً، فقد بدأه أنور السادات في اتفاقيات كامب ديفيد”. ويضيف: “كل هذه مبرّرات غير مسنودة، فأيّ تطبيع مع إسرائيل، دون أن يأخذ الفلسطيني حقوقه، يضرّ بالقضية الفلسطينية مهما حاولنا تجميله”.

بين الصحراء وفلسطين

تحرّك المغرب بشكل كبير، في السنوات الماضية، لكسب التأييد لتصوّره في إنهاء نزاع الصحراء، ويمكن اعتبار عام 2020 سنة الاختراق المغربي في إقناع دول بفتح قنصليات لها في الصحراء، زاد من ذلك إدارته لأزمة معبر الكركرات بشكل لم يخلق له أيّ احتكاك مع الأمم المتحدة، ليأتي القرار الأمريكي ويعطي دفعة كبيرة للتحركات المغربية.

“الولايات المتحدة كانت تدعم، بشكل غير مباشر، المغرب في النزاع، إذ كان الكونغرس يُدرج، منذ سنوات، الأقاليم الصحراوية الجنوبية للمغرب في إطار الدعم الذي تقدمه أمريكا للمغرب” يقول عزيز إدامين، باحث مغربي في القانون الدولي، مضيفاً أن قرار ترامب يؤكد هذا التوجه وسيساعد المغرب كثيراً، أولاً، لأن واشنطن لها حق النقض في مجلس الأمن، ثانيها، لأنها هي التي تعدّ مشروع القرار المتعلّق بتمديد صلاحيات المينورسو (بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية)”.

بيدَ أن الأقطش يرى أن “الربط بين القضيتين (أي قضية الصحراء والقضية الفلسطينية) مؤسف ومؤلم، ويجرح الشعوب العربية، ويُظهر كما لو أن هناك ثمن ينبغي دفعه”. ويتابع: “لا ننتظر اعترافاً أمريكياً بسيادة الدول العربية، فالسيادة لا تأتي من هذا الباب، بل تأتي من الإيمان بالحق والانتصار له وانتزاعه”. ويتهم الأقطش أمريكا وإسرائيل بـ”لعب شيطاني لأجل بث الفرقة بين الفلسطينيين وعمقهم العربي، وهو مجهود بدأ ينجح مؤخراً بشكل محدود”.

وتقول سارة فوير إن اتفاقا من هذا النوع لم يكن المغرب سيقدر على عقده مع إدارة بايدن، لذلك تم الاتفاق عليه في الأسابيع الأخيرة لحكم ترامب. غير أن هناك ثمناً “غالياً” لهذا الاتفاق، إذ تضيف المتحدثة أنه “لحد اللحظة، لا تُعرف الطريقة التي سترّد بها الجزائر وجبهة البوليساريو”، وتضع المتحدثة احتمال تصاعد العنف في المنطقة.

ويملك المغرب خصوصية عن باقي الدول العربية في العلاقة مع إسرائيل، فهو صاحب أكبر جالية يهودية في إسرائيل، كما أنه لعب دورا كبيرا على يد الملك الراحل، الحسن الثاني -الذي استقبل شمعون بيريز شخصيا- في اتفاقية أوسلو بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وكانت مساهمة المغرب محدودة جدا في الحروب العربية- الإسرائيلية، كما كان له اتصالات رسمية مع إسرائيل، لأكثر من ست سنوات، حتى توقفت بعد اندلاع الإنتفاضة الفلسطينية الثانية.

هل ينقض بايدن الاتفاق؟

لم يتبق لترامب سوى بضعة أسابيع لرحيله الرسمي، ولا يظهر خلفه، جو بايدن، متحمسا للكثير من قرارات سلفه، فبايدن يريد العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني واتفاقية المناخ، كما أكد أنه سيعيد النظر في طريقة تعامل ترامب مع عدة دول عربية. لكن هل يصل به الأمر حدّ التراجع عن اعتراف ترامب بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية؟

يستبعد إدامين أن تحصل هذه الخطوة ما دام لها ارتباط مباشر بإسرائيل، الدولة التي يدعمها بايدن بقوة. ويتوقع إدامين أن يتحوّل قرار ترامب إلى جزء من السياسة الأمريكية تجاه المغرب بما يشكّل دعماً لهذا الأخير.

في حين يكتب محمد الشرقاوي، أستاذ تسوية النزاعات الدولية في جامعة جورج ميسون، في تدوينة على فيسبوك، أن الإعلان الرئاسي الذي وقعه ترامب “ضعيف الدلالة القانونية والسياسية في السياق الأمريكي لسهولة إلغائه، نظرا لكونه مجرّد أداة عملية في السياسة العامة، ويعد أمرا رمزيا”، مضيفا أن البعثة الأمريكية في الأمم المتحدة ستوضح مجددا أن “موقف واشنطن يدعم مبدأ تقرير المصير، ويحث جميع الأطراف: المغرب والبوليساريو والجزائر، على التفاوض”.

وبعيداً عن الإدارة الأمريكية يتبين فعلاً أن هناك تغييرات كبيرة في الصراع العربي- الإسرائيلي، إذ يقول الأقطش إنه “لا يرى سوءً فيما يحصل بالنسبة للفلسطينيين، فهم الآن، وللمرة الأولى، يرون حقيقة العلاقات دون ماكياج بين إسرائيل والدول العربية”. ومن جهة أخرى، باتت هذه الدول تعلن مصالحها بشكل لا لبس فيه، ما يضع “مبادرة السلام العربية” في مأزق كبير ويؤسس لمرحلة جديدة من أكبر تجلياتها: انهيار أكبر للخط الرسمي العربي المتوحد وراء الجانب الفلسطيني، ما دامت الكثير من الدول العربية قد تخلّت عن شرط اعتراف إسرائيل بدولة فلسطينية على حدود عام 1967 مقابل السلام مع الدولة العبرية.


إسماعيل عزام (بمساهمة من جينيفر هوليز)
DW

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *