البطريرك الراعي: أخطر ما نتعرض له هو تخطي العالم لبنان كدولة


ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشاره بطرس الراعي قداس الاحد في بكركي، عاونه كل من الآباء يوحنا قويق وهادي ضو وحضر القداس قائمقام كسروان جوزف منصور وعائلة المرحومين صبحي ونديمه فخري، برئاسة باتريك فخري، قنصل جمهورية موريتانيا الاسلامية ايلي نصار.

وألقى الراعي عظة بعنوان: “اسمه يوحنا”، ومما جاء فيها:

أين المسؤولون السياسيون، عندنا، من فضائل الرحمة والعدالة والإنصاف؟ لكي يوفروا المساعدات لشعبنا المتزايد فقرا وعوزا، يوما بعد يوم، بسبب سياستهم وفسادهم، وهو يحتاج إلى غذاء ودواء ومحروقات؟ فإنا، بعيدا عن بقاء نظام الدعم أو إعادة النظر فيه، نجدد إقتراحنا بإعتماد البطاقة الإجتماعية الإلكترونية، فيتمكن شعبنا من الصمود بانتظار الفرج.

كما لا بد للمجلس النيابي، الذي أقر قانون الدولار الطلابي، من أن يتابع وضعَ المراسيم التطبيقية للقانون، بالتفاهم مع الهيئات المصرفية، ليصبح نافذا، ويخرج من إطار المزايدات السياسية. إن أهالي الطلاب وهؤلاء يعيشون مأساة بسبب ارتفاع الدولار وينتظرون الفرج.

إن الكنيسة، من جهتها، تنظم وتنسق المساعدات على كامل الأراضي اللبنانية من خلال مؤسساتها، ومن خلال البطريركية والأبرشيات والرعايا والرهبانيات والأديار والمنظمات والجمعيات والمؤسسات الخيرية والإنمائية. وإنا نحيي الشباب والشابات وجميع المتطوعين العاملين في قطاع المحبة الإجتماعية.

ونحيي الأربعين دولة ومؤسسة التي شاركت في مؤتمر باريس لدعم الشعب اللبناني المنعقد الأربعاء الماضي، نشكرهم ورئيس فرنسا والامين العام للأمم المتحدة.

وقد لاحظنا بأسف كبير غياب حكومة لبنان؛ لأن لا حكومة عندنا. إن أخطر ما نتعرض له اليوم؛ هو تخطي العالم لبنان كدولة. وفي المقابل، تعاطيه مع شعب لبنان كشعب منكوب، توزع عليه الإغاثات. يحز في نفوسنا وفي كرامتنا أن نرى معدل الفقر قد ارتفع من 28% إلى 55% خلال سنة واحدة. فأين لبنان الازدهار والبحبوحة والعزة؟ ويحز في نفوسنا، أيضا، أن البيان الختامي لمؤتمر باريس تحاشى ذكر كلمة الدولة اللبنانية، وتوجه إلى الشعب اللبناني دون سواه. ألا يشعر المسؤولون في لبنان بالخجل؟ وهل من مبرر لعدم تشكيل حكومة جديدة تنهض بلبنان الذي بلغ إلى ما تحت الحضيض والإنهيار اقتصاديا وماليا ومعيشيا وأمنيا، وتعيده إلى منظومة الأمم؟ أين ضميرهم الفردي، وأين ضميرهم الوطني؟ ماذا ينتظرون، أو يضمرون في الخفاء؟ وفي كل حال، لبنان وشعبه وكيانه فوقهم جميعا، وصامد بوفائه وكرامته!

ومع ذلك، مهما كانت الأسباب الحقيقية التي تؤخر إعلان حكومة جديدة، فإنا ندعو رئيس الجمهورية والرئيس المكلف إلى تخطي جميع هذه الأسباب. واتخاذ الخطوة الشجاعة، وتشكيل حكومة إنقاذ استثنائية خارج المحاصصة السياسية والحزبية. لا تنتظرا اتفاق السياسيين، فهم لن يتفقوا، ولا تنتظرا انتهاء الصراعات الإقليمية، فهي لن تنتهي. ألّفا حكومة الشعب، فالشعب هو البداية والنهاية، وهو الذي سيحسم، بالنتيجة، مصير لبنان.

وأين العدالة تظهر حقيقة انفجار مرفأ بيروت، في الرابع من آب الماضي، وأين إنصاف أهالي الضحايا، والمنكوبين، والمتضررين؟ مرت أربعة أشهر ولم يعرف اللبنانيون شيئا عن نتائج التحقيق. وكلما تأخرت الحقيقة كلما ازدادت التساؤلات والشكوك، خصوصا، وأن هذا التأخير ترافقه: من جهة، تصفيات أشخاص أمنيين، وآمنين في ظروف مشبوهة، كان آخرها في قرطبا منذ ثلاثة أيام؛ ومن جهة أخرى، إشكاليات حول الصلاحيات القضائية. كأن المعنيين بالتحقيق يرمون المسؤولية على بعضهم البعض، فيما الشعب ينتظر، ويكاد يفقد الثقة بقضاء حر وشجاع، حري به أن يعطي جوابا للشعب وللعالم. إن من حق اللبنانيين أن يعرفوا من فجر مرفأ بلدهم، من دمر جزءا من عاصمتهم؛ من قتل أبناءهم وأطفالهم وأباءهم وأمهاتهم؛ من شردهم وأفقرهم ورماهم في الشارع؟ إن الصمت، أحيانا، رديف الريبة؛ والتأخير رديف الكتمان.

ومما يعزّي الشعب اللبناني، ويشجعه على الصمود، قرب قداسة البابا فرنسيس منه، وقد أسعدت بلقائه، السبت الماضي. فشعرت بمدى اهتمامه بلبنان، وقضيته وشعبه، وبحرارة صلاته وعاطفته، وبعميق حزنه لإنهيار لبنان الحاصل، ولمآسي الشعب بعامة، والمسيحيين بخاصة، من جراء انفجار مرفأ بيروت. ورفعت له تقريرا مفصلا عن كل هذه الأمور، وعما تقوم به الكنيسة على مستوى خدمة المحبة الإجتماعية، وتنسيقها عبر هيئة الكرمة. وقدمت لقداسته اقتراحات حلول، وفي مقدمها: أن يكون لبنان بلدا حياديا، بعيدا من الصراعات الإقليمية والدولية، ومجتمعا متضامنا، يلعب فيه الجيل الجديد دوره في صناعة المستقبل. وفي هذا المجال، أكد قداسة البابا استعداده للقيام بما يلزم مع الدول المعتمدة لدى الفاتيكان والمؤسسات الدولية لدعم لبنان والحفاظ على دوره ورسالته في هذا الشرق. ونأمل أن يعبر عن قربه وتضامنه بزيارة إلى وطننا الحبيب لبنان، ونرجو أن تكون قريبة.

وختم الراعي: “فيا إله الرحمة، إرحم شعبك، وعلمنا ثقافة الرحمة، لنربي عليها أجيالنا الطالعة، بعيدا عن الحقد والتفرقة، فوطننا قائم بهويته على التعددية الثقافية والدينية، والعيش معا بروح الأخوة والتضامن والتعاون. لك المجد والتسبيح، أيها الثالوث القدوس، الآب والإبن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين.”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *